موقف الکوفیین

0

والذی ینتجه التفکیر الصحیح فی أمرهم أن القوم لا تحرکهم غایه مرموقه ولا مبدأ ثابت شأن الرعاع من الناس الذین یحدوهم الجشع طورا والشهوه أخرى فرضیخه موهومه من هذا تسوقهم، ولماظه عیش من آخر تأخذ باکظامهم ، وبالرغم من ذلک الهلع المردی أنهم ینکفؤن عنهما « بخفی حنین » فلا دین یحمد ولا دنیا یتهنّأ بها.
 على هذا جروا فی عاداتهم وضرائبهم منذ مصّرت هذه الحاضره وأخص من أیامها العهد العلوی وأیام الإمام المجتبى الحسن، ودور سید الشهداء ، واعطف النظره بعد هذا إلى نهضه التوابین وأیام المختار وأیام العلویین کزید الشهید ونظرائه الذین غرّوهم فأغرّوهم بالقیام ثم انثالوا عنهم.
 هذه شناشن القوم لم یفتأوا یسیرون علیها منذ الأول إلى أن دمّرت وعاد أمر الکوفه کحدیث أمس الدابر ، وعجیب ممن یذهب إلى أن الکوفه علویه إذا فمن ذا الذی استأصل شأفه العلویین ، وقتل کل ترابی فی النسب أو فی المذهب ، وهل کان فی جیش ابن سعد فی مشهد یوم الطف غیر کوفی یعرف ؟ وقد بلغوا ثلاثین الفا أو یزیدون . ألم یکاتبوا الحسین یستقدمونه الیهم حتى إذا حل بین أظهرهم انتکثوا علیه تحت رایه ابن مرجانه الى هنات کثیره سوّدوا بها صحائفهم ؟
أتت کتبهم فی طیّهـن کتـائـب * ومـا رقمـت إلا بســم الأراقم
أن اقدم إلینا یا ابن أکرم من مشى * على قدم من عربهــا والأعاجم
 هکذا عرفت مقادیر القوم من الثبات ومبالغهم من السداد وکمیّاتهم من الاستقامه ، هب أن القوم لایهمهم دین ، ولا تردعهم تقوى ، ولا یتأثرون بجاذب الحق ، وإنما هم سماسره الأطماع یتحرّون المعیشه تحت أی رایه لمحق أو مبطل ، فیخدمون کل ناعق شأن النفوس الضعیفه والطبائع المسفه مع الضعه ، فهلا کان الشرف الإنسانی یقودهم إلى اتباع أشرف الفریقین نسباً وأرفعهم شأنا وأعزهم حمى وأنداهم یدا وأرجحهم حجى وأکرمهم جدودا وأزکاهم نفوسا وأطهرهم ذیولا وارساهم قدما عند مستّن النزال واشتباک الرماح فیستبدلون الذنابى بالقوادم والعجز بالکاهل ؟
 ولو کان فی الکوفه یومئذ رجل شریف غیر أسره قلیله ضمّتهم أعماق السجون وضربت على أیدی آخرین القسوه الأمویه لما بغوا عن آل الله بدلا ، ولما وجدوا عنهم حولا لکنهم أبوا کما هو لازم جبلتهم إلا أن یتسیطر علیهم ابن آکله الأکباد « یزید الفجور » ، ویتولى أمرهم مثل « ابن مرجانه » ولم یرقهم سبط نبی الهدى ، وابن سید الأوصیاء وفلذه کبد البتول الزهراء سید شباب أهل الجنه.
 وای زنه تجمع بین سلیل الهدى وبین عصاره المخازی والمنکرات وأی مقیاس یؤلف بینهما ؟
 وهل تقام للقوم حجه یعذرون بها عندما یوقفون للمحاکمه ؟ وقد دخل ابن مرجانه علیهم وحده بلا عده ولا عدد ، ولم یملک من الکوفه إلا موطأ قدمه ولیس معه ثان یسدد خطاه ، ولذ تزّیا بزیّ سید الشهداء وتلثّم کی لا یعرف فیقتل ، ولک من رآه حسبه « أبی الضیم » فیسلمون على ابن الرسول ، ولو علموا أنه ابن مرجانه لنالوا منه ، ولتهم علموا ، ولیتها کانت القاضیه ، فکان من أوسع الأمور البطش به أو اعتقاله لکنهم لم یفعلوا.
 ولما دخل القصر لاث به أناس یعدون بالأنامل وکان الفتک بهم لاخماد الفتنه أهون شیء للکوفیین فإنه ومن معه فی القصر مقطوعون عن المدد والذین بایعوا مسلما یزیدون على خمس وعشرین الفا.
 أیعذر هذا الجمع المتراکم فی تفکّکهم وتفرّقهم ونکثهم البیعه التی أعطوها برغبه واختیار لمجرد تهدید الدعی ابن الدعی بجیوش الشام ، وهل کان فی الشام جیش عتید یساق إلى العراق والحاله الأمویه قلقله ، وصفوهم متعکر بهلاک « ابن هند » وعدم الجداره فی ولی عهده فکان جو المملکه الأمویه قائما ، ومراجل الأحقاد تغلی على بنی عبد شمس ، فمن متخافت برفض یزید الى مهامس بلغنه ، الى متجاهر بمناوأته ومظاهر عداء الناس تنجم وتخبو.
 وفی کل من المدن والرساتیق مؤامره حول الخلافه المنبوذه ، فهل کان ابن میسون والحاله هذه یقدر أن یؤلّب جیشا الکفاءه لتدمیر العراق ؟
 هب أنه کان یتسنّى له شیء من ذلک ، فهل یتصور وصول الجیش إلى العراق قبل أن یُمزّق ابن زیاد فی قصره تمزیقا لو کانت النفوس متحقّزه للحق ناهضه للدفاع عن الدین القویم ؟
 ثم أی وقت یصل ذلک الجیش الموهوم الى العراق وفی وسع العراقیین عندئذ استلام الأمر للحسین (علیه السلام) قبله ، ولدیهم مقانب وکتائب ممن بایع مسلم بن عقیل (علیه السلام) ؟ ولو أنهم فعلوا ذلک ، ووثبوا فی وجه ابن زیاد لازدلف إلیهم من کان ینتظر العواقب ، ویتحفّز للفتح والظفر ، وهناک من رواد المطامع أکثر فعندها یسوقون إلى عدوهم الألدّ جیشا لهاما فینتکث علیه الأمر وتنقلب الدائره ویتم الأمر لداعیه الحسین (علیه السلام) .
 فهل فی القوم من یعرف شیئا من هذا أو أنهم طبع الله على قلوبهم فهم لا یعقلون ، کیف فاتتهم هذه القضایا الطبیعیه وراعتهم الأوهام وکلهم قد مارسوا الحرب وتعاورت علیهم السیاسات عادله وجائره ؟
 وهب أنه لم یکن معهم من قوه النفس وثبات الإیمان ما یکبح ذلک الجماح أو یدحر تلکم الشهوات فینصروا الإمام العادل (علیه السلام) أفلا کان فی وسعهم التوانی والتخاذل عن قتله ، والتألّب کما کانوا یفعلونه مع أمیر المؤمنین بعد منصرفه من صفین وقد عزم على النهضه الهامره لملک ابن هند فکانوا یتفرقون عنه من هنا وهنا حتى وقف (علیه السلام) فیهم وقال : « فیا عجبا والله یمیت القلب ، ویجلب الهم اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم ، وتقرّفکم عن حقکم ، وددت إنی لم أعرفکم معرفه جرت ندما ، قاتلکم الله لقد ملأتم قلبی قیحا ، وشحنتم صدری غیظا ، أفسدتم علی رأیی بالعصیان والخذلان حتى قالت قریش : إن ابن أبی طالب رجل شجاع ولکن لا علم له بالحرب ، لله أبوهم وهل أحد منهم أشد لها مراسا وأقدم فیها مقاما منی ، لقد نهضت فیها وما بلغت العشرین وها أناذا ذرّفت على الستین (۱) ».
____________
 1) نهج البلاغه ج۱ ص۷۷٫
ولعمر الحق لو لم تجد بنو أمیه أنصارا منهم لما تسنى لهم إباده العتره الطاهره . فتألبوا على آل الرسول الأعظم (صلى الله علیه وآله) ووثبوا علیهم وثبه الأعداء الألدّاء ، وفی مطاوی نیاتهم أن لا یدعوا لهم نافخ ضرمه کأنهم قوم من الترک أو الدیلم ، وکأن لم یکن لهم من الدین موطأ قدم فاستباحوا قتل الأطفال ، ولو نالوا من اشهامه نصیبا لما استباحوا سبی النساء من بلد الى آخر وهن عقائل الوحی وحرائر النبوه ، ولو کانوا یملکون شیئا من النخوه العربیه لما استسهلوا تلکم المخازی التی تندى منها جبهه الإنسانیه وتبرّأ منها العاطفه البشریه ، لکنهم نبذوا الإسلام بما ارتکبوا ، نبذوا دین العطف والغیره ، نبذتهم العروبه ، نبذتهم العادات والتقالید ، فأهون بهم منبوذین لا یردّهم شیء الى المجد العربی ولا الشرف القومی ولا الفخر الدینی ، ولا أبعد الله غیرهم یوم کاتبوا الحسین واستنهضوه کاتبوا عدوّه فاغروه به ، ألا لعنه الله على القوم الضالمین ابن سعد مع یزید لامناص من الخضوع لناموس الوراثه الحاکم فی الجمله بأن لنفسیات الآباء تأثیرا فی الأبناء أما بتسریها إلیهم مع الطبیعه المشترکه بین الفریقین أو بتمرین مما یترشح من أوانی سلفهم المفعمه بالفضائل أو الرذائل من مفعولات تلکم الغرائز ، وبطبع الحال أن الناشئ یتخذ النواجم من ضرائب سلفه سنه متبعه ، اللهم إلا أن یکبح ذلک الجماح ما تتأثر به الأبناء بواسطه الکسبیات ، وهذا على خلاف ذلک الناموس.
 وعلى هذا فهلم معی الى عمر بن سعد الذی لم یعرف من أبیه غیر المناوأه لأهل هذا البیت (علیهم السلام) والحسد لهم ، وکان أخف ما نجم من بغضاء سعد بن ابی وقاص قعوده عن نصره أمیر المؤمنین (علیه السلام) یوم الجمل وهو الإمام المفروض طاعته بعد اجتماع الأمه علیه ، وقالوا له لا یصلح لإمامه المسلمین سواک ، ولا نجد أحدا یقوم بها غیرک ، وهو ممتنع علیهم أشد الامتناع حتى تداکوا علیه لا یرون أحدا صالحا سواه ، فلما رأى حرصهم علیها بسط یده للبیعه فتمت بیعه المهاجرین والأنصار ولم تکن بیعته مقصوره على واحد أو اثنین أو ثلاثه کبیعه أبی بکر وإمامه عمر الثابته بأبی بکر وحده وتمت البیعه لعثمان فی الحقیقه بان عوف.
 ولما عاتبه أمیر المؤمنین (علیه السلام) تظاهر سعد بالشک فی الجهاد معه وقال : إنی أکره الخروج فی هذا الحرب فاصیب مؤمنا فان أعطیتنی سیفا یعرف المؤمن من الکافر قاتلت معک (۱).
____________
 1) الجمل للشیخ المفید ۲۹ طبع النجف ثانی.
وهذا أعجب شیء منه وقد شاهد من فضل « أبی الریحانتین » الکثیر وسمع من النبی (صلى الله علیه وآله) فی حقه أکثر ، ألم یکن هو القائل : « إنی سمعت رسول الله یقول لعلی : أنت منی بمنزله هارون من موسى (۲) إلا أنه لا نبی بعدی » ثم وضع إصبعیه على أذنیه وقال « أنى سمعته یقول ذلک وإلا استکّتا ؟ » (3)
 ولما قال له معاویه : ما یمنعک أن تسب أبا تراب قال : « أما ما ذکرت ثلاثا قالهن رسول الله لئن تکون لی واحده منهن أحب إلی من أن یکون لی حمر النعم فلن أسبّه ؛ سمعت رسول الله یقول وقد خلّفه فی بعض المغازی فقال له علی : یا رسول الله تخلّفنی مع النساء والصبیان ؟ فقال (صلى الله علیه وآله) : « أما ترضى أن تکون منی بمنزله هارون من موسى إلا أنه لا نبوه بعدی » وسمعته یقول یوم خیبر : لاعطین الرایه رجلا یحب الله ورسوله ویحبه الله ورسوله فتطاولنا لها فقال : ادعوا لی علیا فأتاه وبه رمد فبصق فی عینیه ودفع الیه الرایه ففتح الله علیه ؛ ولما نزلت هذه الآیه « فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءکم ونساءنا ونساءکم وأنفسنا وأنفسکم » فدعا رسول الله علیا وفاطمه وحسناً وحسیناً وقال : اللهم هؤلاء أهلی ».(4)
ولما عاتبه معاویه على ترک القتال معه فی صفین قال له : « أتأمرنی أن أقاتل رجلا قال له رسول الله :« أنت منی بمنزله هارون من موسى إلا أنه لا نبی بعدی » ؟ فقال معاویه : من سمع هذا معک ؟ فقال سعد : سمعه : فلان وفلان وأم سلمه . قال معاویه : لو کنت سمعت هذا لما قاتلته (۵) ».
____________
 2) صحیح البخاری ج۲ ص۲۵۹٫
 3) صحیح مسلم ج۲ ص۳۲۳٫
 4) الاصابه لابن حجر ج۲ ص۵۰۹٫
 5) شرح النهج لابن ابی الحدید ج۱ ص۲۰۱٫
 ولا شک فیما لأمیر المؤمنین من السوابق والفضائل والمواقف والتأهل للخلافه کما لاریب فی ثبوت البیعه له باختیار الأمه ، وأن الخارج على الامام العادل باغ یجب قتله ، وقد اعترف أبو بکر الجصاص المتوفى سنه ۳۷۰ بأن علیا (علیه السلام) کان محقا فی قتاله الفئه الباغیه ولم یخالف فیه أحد (۶).
 وقال أبوبکر ابن العربی الأندلسی المتوفى سنه ۵۴۶ : « إن علیا کان إماما لأنهم اجتمعوا علیه ولم یمکنه ترک الناس لأنه کان أحق الناس بالبیعه فقبلها حوطه على الأمه ، وأن لاتسفک دماؤها بالتهارج ویتخرّق الأمر ، وربما تغیر الدین ، وانقض عمود الإسلام ، وطلب أهل الشام منه التمکین من قتله عثمان فقال لهم علی : « ادخلوا فی البیعه واطلبوا الحق تصلوا الیه » وکان علی أسدّهم رأیا وأصوب قولا لأنه لو تعاطى القود لتعصّبت لهم قبائلهم فتکونحربا ثالثه فانتظر بهم أن یستوثق الأمر وتنعقد البیعه العامه ثم ینظر فی مجلس الحکم ویجری القضاء ، ولا خلاف بین الأمه أنه یجوز للإمام تأخیر القصاص إذا أدّى ذلک الى إثاره الفتنه وتشتیت الکلمه.
 وحینئذ فکل من خرج على علی (علیه السلام) باغ وقتال الباغی واجب حتى یفیء الىالحق وینقاد الى الصلح ، وأن قتاله لأهل الشام الذین أبوا الدخول فی البیعه ، وأهل الجمل والنهروانالذین خلعوا بیعته حق ، وکان حق الجمیع أن یصلوا إلیه ویجلسوا بین یدیه ویطالبوه بما رأوا ، فلما ترکوا ذلک بأجمعهم صاروا بُغاه فتناولهم قوله تعالى : « فقاتلوا التی نبغی حتى تفیء الى أمر الله ».
 ولقد عتب معاویه على سعد بن أبی وقاص بعدم مشارکه له فی قتال علی (علیه السلام) فردّ علیه سعد : بأنی ندمت على تأخری عن قتال الفئه الباغیه یعنی بها معاویه ومن تابعه (۷). »
 وحکى الآلوسی عن الحاکم والبیهقی أن عبدالله بن عمر یقول : ما وجدت فی نفسی من شیء ما وجدت من نفسی من هذه الآیه « فقاتلوا التی تبغى ـ الآیه » . حیث أنی لم أقاتل الفئه الباغیه یعنی معاویه ومن معه من الباغین على علی (علیه السلام) » ، ولم یتعقبه آلوسی بشیء وزاد بتصریح بعض الحنابله بوجوب قتال الباغین احتجاجا بأن علیا اشتغل فی زمان خلافته بقتال الباغین دون الجهاد فهو إذا أفضل من الجهاد (۸).
____________
 6) أحکام القرآن ج۳ ص۴۹۲٫
 7) أحکام القرآن ج۲ ص۲۲۴٫
 8) تفسیر روح المعانی ج۲۶ ص۱۵۱٫
 وما أدری بماذا یعتذر سعد مع ذلک التصریح منه لمعاویه بأنه باغ ولم ینهض مع خلیفه الرسول (صلى الله علیه وآله) لجهاد من یبغی فی دین الله عوجا ، وکیف تفوّه بطلب السیف العارف بالمؤمن من الکافر ولم یطلبه من « الشیخین » فی قتالهم أهل الرده وکان موافقا لهما على ذلک مع أن أهل الرده لم یمتنعوا من أداء الزکاه إلا بشبهه الدفع لمن أقامه النبی خلیفه على المسلمین یوم الغدیر ، ولم یخلعوا یدا عن طاعه ، ولا فارقوا جماعه المسلمین ، لولا أن قتالهم أمر دبّر بلیل.
 فأین کانت جلبه سعد وضوضاء أسامه وتزفّر ابن عمر من قتل علی (علیه السلام) لأهل الجمل أیام تفریط خالد فی أولئک المسلمین الذین لم یترکوا الشهادتین حتى آخر نفس لفظوه ، وکما کان لأصحاب الجمل عند هؤلاء عذر فی الخروج على سید الوصیین یکون لأولئک الذین اطلقت علیهم الرده عذر فی الامتناع عن أداء الزکاه ، أهل کان الحکم بقتال المرتدّین مقصورا على خصوص من خالف « أبابکر » أم هو عام لکل من تمت له البیعه ؟
 نعم الحسد من جهه وعدم الرضوخ الى الحق منجهه أخرى لم یدعا لسعد وأمثاله طریقا فی الخضوع لأمیر المؤمنین (علیه السلام) ؛ « وإنما متسافل الدرجات یحسد من علا ».
 لقد کان سعد ممن یشمخ أنفه بالفخفخه الباطله والمجلد الکاذب ویرى نفسه فی أشراف الصحابه ، وإذا قایسها مع أخی الرسول وجده أطهر منه نسبا وأعلا حسبا وأغزر علما وأثبت فی المواقف وأشجع فی الهزاهز وأقوى حجه وأشرف نفسا الى أن تنتهی حلقات الفضل ولأمیر المؤمنین بقایا غیر محصوره ینبوعها الحساب.
 فکان فی رضوخه لأبی الحسن (علیه السلام) خضوع الى هاتیک المآثر وظهور لنقصه فیها ، ولطموح نفسه إلى التّعالی ، ولم یکن عنده من التقوى ما یکبح عامل الکبریاء لیستهل البخوع للمجد العلوی ، وان أضر ذلک بدینه وأراده فی آخره ؛ فإن العصبیه أعشت بصره ، والنخوه الجاهلیه تحکمت بین أحشائه ، والحسد المحتدم بصدره ألقاه فی مدحره الهلکه وحفزه الى مکامن البغضاء ، وان تستر بظواهر الاسلام وتعالیمه .
 یشهد لذلک سؤاله أمیر المؤمنین (علیه السلام) لما سمعه یقول فی خطابه : « سلونی قبل أن تفقدونی فوالله ما تسألونی عن شیء مضى ولا عن شیء یکون إلا أنبأتکم به. »
فقام إلیه سعد وقال : یا أمیر المؤمنین أخبرنی کم فی رأسی ولحیتی من شعره ، فقال (علیه السلام) : « لقد سألتنی عن مسأله حدّثنی عنها خلیلی رسول الله أنک ستسألنی عنها ، وما فی لحیتک ورأسک من شعره إلا وفی أصلها شیطان جالس ، وإن فی بیتک لسخلا یقتل ولدی الحسین » ، وعمر یدرج بین یدی أبیه (۹).
____________
 9) کامل الزیاره لابن قولویه من أعیان القرن الثالث ص۷۴٫
وهذا منه سؤال مستهزء لا مستفهم ظن فی ذلک أن یفحم الإمام لأن الجواب الحقیقی یعوزه البرهان ؛ فإن أمیر المؤمنین لوعیّن عددا فأی أحد یمکنه عد الشعرات ولا یرمى بالخطأ ، وحیث وضح لأبی الحسن (علیه السلام) الواقف على ضمائر العباد ما أضمره سعد عدل الى ما فی خزی لذلک المتعنّت اللدود ، وقد بقی وصمه علیه الى آخر الأبد فحکى له حدیث الرسول (صلى الله علیه وآله).
 فهذا الذی عرفناه من نفسیات سعد وبوائقه یسیر من کثیر ولو أردنا الإستقصاء لأریناک غرائب.
 إذا فلیس من البدع إذا قام ابنه عمر بهاتیک المظاهر الذمیمه فؤاد الحق ونصر الباطل وأجهز على بقایا الرساله وشظابا النبوه الى مخازی لا تحصى مع القسوه التی یمجها الطبع البشریّ ، وتتذمر منها الانسانیه فأعقبها سبه خالده ، وشیه من العار سجلها له الدهر منذ خیانته مسلم بن عقیل الى مشهد الطف الى ما بعده حتى یرث الله الأرض ومن علیها.
وإلى هذا القضایا الطبیعیه کان یوعز أمیر المؤمنین بعلمه المستقى من بحر النبوه فیقول : « إن بیتک لسخلا یقتل ابنی الحسین. »
 وإذا کان سعد یستهزئ بسید الوصیین فلقد استهزأ ابنه عمر بسید شباب أهل الجنه یوم اجتمع به قبل اشتباک الحرب وقال له : « أی عمر أتقاتلنی ؟ أما تتقى الله الذی الیه معاد فأنا ابن من علمت ؟ ألا تکون معی وتدع هؤلاء فإنه أقرب الى الله تعالى ؟ »
فاعتذر ابن سعد بمعاذیر لاترضى الخالق تعالى قال : ( أولا ) أخاف أن تهدم داری ، قال الحسین : أنا أبنیها لک ، و( ثانیا ) أخاف أن تؤخذ ضیعتی ، قال (علیه السلام) أخلف علیک خیراً منها من مالی بالحجاز (۱۰) ، ویروى أنه قال له : أعطیک (۱۰) مقتل العوالم ص۷۸٫
البغیبغه وکانت عین عظیمه فیها نخل وزرع کثیر دفع فیها معاویه الف الف دینار فلم یبعها منه (۱۱) و( ثالثا ) أخاف من ابن زیاد أن یقتل أولادی.
 ولما أیس منه أو عبدالله قام من عنده وهو یقول : « ما لک ذبحک الله على فراشک عاجا ولا غفر لک یوم حشرک فوالله إنی لأرجو أن لا تأکل من بر العراق إلا الیسیر. »
فقال ابن سعد مستهزئ : « فی الشعیر کفایه (۱۲) ».
إن المواعظ لا تفید بمعشــر * صموا عن النبأ العظیم کما عمُوا
 إنک یا سید الشهداء أبصر بهذا الطاغی ، وإنه یعشو عن الحق لدناءه حسبه ، وضؤوله مروءته ، وضعف دینه ، وبعده عن الصرط السّویّ ، وانغماره فی الشهوات لکنک ابن من تحمّل الأذى ، ولاقى المتاعب فی سبیل إنقاذ الأمه وانتشالها من موج الضلال فلم ترد بتلک النصائح وادلاء الحجج وضرب الأمثال إلا إتمام الحجه ، ولم تبق له مسرحا یلتوی الیه ، ولا منتکصا یتحرج منه حتى أتممت علیه کلمه العذاب ، وقطعت عنه المعاذیر یوم تنشر الصحف وتنصب الموازین.
 واذا کان أبوه سعد لم یستضئ بنور النبوه ولا استفاد من تعالیمه ما یقرّبه الى الحق فیتباعد عن وصی النبی مع ما یعلمه من الحق الثابت له ، فجدیر بابنه اذا بات لیلته مفکرا فی النصائح التی القیت الیه ممن یمحضه الود ولا یردیه فی باطل ، فجار عن الطریق الواضح واختار الدنیا على الآخره ، فإن « الشجره المره لا تنبت إلا مرا » والذی خبث لایخرج إلا نکدا وهل ترجى الهدایه منه بعد قوله (۱۳) :
أأترک مُلک الریّ والری رغبتی * أم أرجع مذمومـا بقتـل حسین
وفی قتله النار التی لیس دونها * حجاب وملک الـری قره عیـن
 وبعد هذا فهل یعجب القارئ ویستغرب من کتابه عمر بن سعد الى یزید بن معاویه بخبر مسلم بن عقیل ، واجتماع الناس علیه ، وتوقف النعمان بن بشیر عن محاربته (۱۴) وکان محرّضا له على تدارک الأمر لئلا ینتکث فتله ولقد تحققت فیه کلمه سید الشهداء :
____________
 11) تظلم الزهراء ص۱۰۳٫
 12) تهذیب الأسماء واللغاه للنووی بترجمه عمر بن سعد.
 13) ابن الأثیر ج۴ ص۲۲٫
 14) الطبری ج۶ ص۱۹۹٫
« لاتأکل من بر العراق إلا یسیرا » فإنه رجع من کربلاء صفر الکف خالی الوطاب من الزلفى ، وهل أحد أخسر صفقه منه حین دعاه ابن زیاد ، وطلب منه العهد بولایه الری فاعتذر بضیاعه فلم یقبل منه ، وألحّ علیه قال : إنی ترکته یُقرأ على عجائز قریش اعتذارا منهن : أما والله لقد نصحتک فی الحسین نصیحه لو نصحتها أبی سعدالکنت قد أدیت حقه . (۱۵) وبقى فی الکوفه خاسرا ربح السلطان والفوز بجوار المصطفى حتى قتله المختار شر قتله فی ذی الحجه سنه ست وستین ومعه ابنه حفص (۱۶) ولعذاب الله أشد.
لفت نظر :
 تقدم فی حدیث ابن قولویه أن سعد بن ابی وقاص اعترض على أمیر المؤمنین لما قال: « سلونی ـ الخ »، ورواه الصدوق فی الأمالی ص۸۱ مجلس ۲۸ ، والإستبعاد بأن سعدا لم یرد الکوفه موقوف على أن یکون هذا الخطاب بالکوفه ولم تقم قرینه على أمیر المؤمنین لم یقل : « سلونی » إلا فی الکوفه إذ من المحتمل أن یکون ذلک الإعتراض بعد خطبته (علیه السلام) بالمدینه اما فی أیام خلافته أو فی أیام خلافه من تقدمه ویؤید تکرر هذا القول منه (علیه السلام) حدیث عبایه الأسدی : کان أمیر المؤمنین علی کثیرا ما یقول : سلونی قبل أن تفقدونی ـ الخ (۱۷).
 ولعل حدیث ابن قولویه : وکان عمر یدرج بین یدیه ، یؤکد هذا الإحتمال أعنی وقوع الخطاب والإعتراض فی المدینه ، فإنه على هذا یکون عمر صغیرا ، حتى على القوم بولادته أیام النبی ، واحتمال بعض العلماء أن تعیین الأب والإبن فی حدیث ابن قولویه والصدوق من الراوی للمغروسیه فی الأذهان بأن عمر بن سعد قاتل الحسین ، فعیّن الأب والإبن باجتهاده وحسبه الآخر روایه فدوّنها ورواها ، مبنی على حصر الخطاب فی الکوفه ولیس له شاهد فی الحدیث والتاریخ.
____________
 15) المصدر ص۲۶۸٫
 16) تاریخ أبی الفدا ج۱ ض۱۹۵٫
 17) أمالی ابن الشیخ الطوسی ص۳۷٫
 ومما یشهد لتعدد الواقعه ما یروى أن تمیم بن أسامه بن زهیر بن درید التمیمی اعترض على أمیر المؤمنین لما سمعه یقول : سلونی ـ الخ ، فأخبره (علیه السلام) بأن فی بیته سخلا یقتل الحسین وکان ابنه الحصین طفلا صغیرا یرضع اللبن وعاش الى أن صار على شرطه عبیدالله بن زیاد ، وأخرجه الى عمر بن سعد یأمره بمناجزه الحسین یتوعّده إن أخّر (۱۸).
 وهناک روایه ثالثه تشهد بأن المعترض هو أنس النخعی فقال (علیه السلام) : وإن فی بیتک سخلا یقتل ابن رسول الله وکان ابنه سنان قاتل الحسین ، وهو یومئذ طفل یحبو (۱۹).
 وهذه الروایات الحاکیه لتعدد المعترض تدل على تعدد الخطاب من أمیر المؤمنین فلیس من البعید أن یکون سعد فی جمله هؤلاء.
 وکیف کان فقد جاء فی منتخب کنز العمال بهامش مسند أحمد ج۵ ص۱۱۳ ، وتذکره الخواص ص۱۴۱ ، وابن الأثیر فی الکامل ج۴ ص۹۴ ومثیر الأحزان لابن نما ص۲۵: أن أمیر المؤمنین لقى عمر بن سعد وقال: کیف بک یا ابن سعد اذا قمت مقاما تخیّر فیه بین الجنه والنار فتختار النار ؟
ویزید ابن الأثیر : أن عبدالله بن شریک یقول : أدرکت أصحاب الأردیه المعلمه وأصحاب البرانس السود اذا مرّ بهم عمر بن سعد قالوا : هذا قاتل الحسین وذلک قبل أن یقتله .
 وکان عمر یقول للحسین : یزعم السفهاء إنی أقتلک فقال الحسین : لیسوا بسفهاء (۲۰).
 وکانت ولاده عمر أما فی أیام النبی (صلى الله علیه وآله) کما ارتأه ابن عساکر لروایه ابن اسحاق أن أباه سعدا أرسل الى الجزیره جیشا کان معهم ولده عمر وذلک فی سنه ۱۹ ، واختار ابن معین أن عمر بن سعد کان غلاما حدث السن سنه موت عمر بن الخطاب لحدیث سیف أن سعدا تزوج یسرى بنت قیس بن أبی الکتم من کنده أیام الرده فولدت له عمر (۲۱) ، وفی الریاض النظره امّه بنت قیس بن معد یکرب.
____________
 18) نهج البلاغه ج۲ ص۵۰۸٫
 19) شرح النهج لابن أبی الحدید ج۲ ص۲۰۸٫
 20) تهذیب التهذیب ج۷ ص۴۵۱٫
 21) الإصابه ج۳ ص۱۸۴٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.