النبی موسى (علیه السّلام) وآیه فلق البحر

0

 
بسم الله الرحمن الرحیم
أوّل الآیات الفاصله بین نهایه عهد فرعون ، وبدایه عهد بنی إسرائیل ، هی انفلاق البحر.
ذکرنا سابقاً سبب تسمیه بحر النیل بالیمّ ، وأنّ النیل عندما یمتلئ بالطمی والطین یسمّى بالیمّ ، وقد ذکر ذلک فی ثلاث مواضع فی قصّه موسى (علیه السّلام) : عند ولادته ، وکان الوقت وقت طوفان وفیضان ، وفی الحادثه التی غرق فیها فرعون وجنده ، ونحن بصدد الحدیث عنها ، وعند حرق عجل بنی إسرائیل ، ونسفه فی الیمّ ؛ حتى یطمس موضع إلقاء الذهب الذی صنع منه العجل بالطین ، فلا یُهتدى لمکانه .
لمّا کان فرعون یرفض خروج بنی إسرائیل من أرضه باعتبارهم عبیده ، وضرر خروجهم على الأعمال التی سیترکونها ، والخشیه على نفسه من تکاثرهم وتکوین قوّه لهم بعیداً عنه ، فإنّ أیّ تجمّع لهم للخروج أمام عینه ، أو یعلم به قبل الخروج سیمنعه ویقضی علیهم ، أوحى سبحانه وتعالى لموسى أن یسیر بهم فی آخر اللیل ، حتى یأخذوا فرصه فی الابتعاد ، وکان فیهم النساء والأطفال ، قبل أن یلحق بهم فرعون وجنوده ، ولیقضِ الله أمرًا کان مفعولاً .
قال تعالى : ( فَأَسْرِ بِعِبَادِی لَیْلا إِنَّکُمْ مُتَّبَعُونَ * وَاتْرُکِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ) [ سوره الدخان : ۲۳ـ ۲۴ ] .
وقال تعالى : ( وَلَقَدْ أَوْحَیْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِی فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِیقًا فِی الْبَحْرِ یَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَکًا وَلَا تَخْشَى * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِیَهُمْ مِنَ الْیَمِّ مَا غَشِیَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ) [ سوره طه : ۷۷ ، ۷۸ ، ۷۹ ] .
وقال تعالى : ( وَأَوْحَیْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِی إِنَّکُم مُّتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِی الْمَدَائِنِ حَاشِرِینَ * إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَهٌ قَلِیلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِیعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُیُونٍ * وَکُنُوزٍ وَمَقَامٍ کَرِیمٍ * کَذَلِکَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِی إِسْرَائِیلَ * فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِینَ * فَلَمَّا تَرَاءا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَکُونَ * قَالَ کَلَّا إِنَّ مَعِیَ رَبِّی سَیَهْدِینِ * فَأَوْحَیْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاکَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَکَانَ کُلُّ فِرْقٍ کَالطَّوْدِ الْعَظِیمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِینَ * وَأَنْجَیْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِینَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِینَ * إِنَّ فِی ذَلِکَ لَآَیَهً وَمَا کَانَ أَکْثَرُهُمْ مُؤْمِنِینَ ) [ سوره الشعراء : ۵۷ ـ ۶۷ ] .
وقال تعالى : ( وَإِذْ فَرَقْنَا بِکُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَیْنَاکُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) [ سوره البقره : ۵۰ ] .
هذه أربع مواضع من القرآن الکریم تذکر فیها هذه القصّه ، ففی آیه الدخان یقول تعالى : ( وَاتْرُکِ الْبَحْرَ رَهْوًا ) ، والرهوه هی : المکان المنخفض وما حوله أعلى منه ، فإذا نزل المطر علیه انحصر فیه ، ولم یجد له مخرجًا منه ، والله تعالى یرید من فرعون أن یدخل هو وجنده فیه ، فلا یجدون لهم منه مخرجًا ، لیکون فیه هلاکهم بالغرق .
وأمّا آیه سوره طه فجاء فیها : ( فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِیقًا فِی الْبَحْرِ یَبَسًا ) ، فالطریق فی البحر یکون على وجهه، لکن هذا الطریق فی البحر یبساً ، ویبس البحر إمّا یراد به : یبس الطریق فی قاعه بذهاب مائه وجفافه ، وإمّا یراد به ضمور مائه ورقتها بقله عمقها ؛ لأنّ الشیء الیابس یخفّ بذهاب رطوبته ، ویضمر ، والحُبّ إذا یبس ضمر، بجانب ذهاب أکثر مائه .
والأیبسان : ما لا لحم علیهما من عظم الساقین ، أی : علیهما جلد غیر سمیک ، فیتمکّنوا فی أی الحالین من قطع البحر مشیاً بدل السباحه ؛ لأنّ فیهم الصغیر ، والمرأه ، ومن لا یحسن السباحه ، لکنّ الضمور یکون له مثیل أیام الجفاف وانخفاض مستوى مائه ، فی بعض أماکنه دون غیرها ، وخاصّه الصخریه الصلبه ، ممّا یخدع فرعون وجنوده لینزلوا فیه لیصیبهم ما أصابهم ، وإن کانت الأرض قد جفّت على الرأی الذی اجتمع علیه أهل التفسیر ، فإنّ الطاعه العمیاء لفرعون وعمى القلب والبصیره الذی هم علیه لن یجعلهم یدرکوا أنّ هذه معجزه ، وأنّ فیها استدراجًا لهم لمکان هلاکهم .
أمّا آیه سوره الشعراء فجاء فیها الحدیث عن فلق البحر : ( فَانْفَلَقَ فَکَانَ کُلُّ فِرْقٍ کَالطَّوْدِ الْعَظِیمِ ) .
انفلاق الشیء غیر قطعه ، وهو انفتاح أعلاه أو طرفه العلوی ، وارتباط أسفله أو طرفه السفلی ، فکان کلّ فرق ـ أی: الجنب الذی ابتعد عن الجنب الآخر ـ کالطود العظیم ، أی : کالجبل العظیم ، فمن نظر إلى الماء من الأعلى أی من البرّ فیراه دون الأرض ، ومن نظر إلى الماء من قاعه من الطریق الیبس رآه کالجبل العظیم .
ویستدلّ على عظمه الجبل بالنظر إلى جانب الجبل وارتفاعه ، ولأنّ البحر إنّما سمّی باسمه لأنّه شقّ مجراه عمیقًا وأصبح لا یقطع إلاّ بمرکب ، أو من على جسر یبنى علیه … ولم یأت فی الآیات أنّه کان أکثر من فلق ، وأنّهم کانوا یرون بعضهم ، ویتحدّثون مع بعضهم وکأنّهم آمنون فی رحله نزهه استجمامیه …
ومن یرد قیاس انفجار اثنتا عشره عینًا من الحجر لاثنتی عشره قبیله منهم ، فجعل اثنا عشر طریقًا فی البحر کذلک ، فإنّ أخذ الماء من العین مع وجود العدد الکثیر ، یحتاج إلى زمن طویل ، ورفع الازدحام على الماء مطلوب ، أمّا فی طریق النجاه فکانت العجله تفرض نفسها علیهم ، لئلا یدرکهم فرعون بجنوده ، وکان عددهم لیس بالکثره التی توردها الإسرائیلیات بأنّهم مئات الآلاف ، فأربع قرون وهی المدّه المقدّره لوجود بنی إسرائیل فی مصر، وقتل أولادهم فی عقود عدیده .. لا یجعلهم یصلون إلى هذا العدد الخیالی .
أمّا آیه سوره البقره فجاء فیها مشاهده الغرق : ( وَإِذْ فَرَقْنَا بِکُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَیْنَاکُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) ، فقد شاهد بنو إسرائیل غرق آل فرعون، ومن قبلها قال تعالى قبل انفلاق البحر : ( فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ ) ، وقوله تعالى : ( وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِینَ ) فی الآیات التی مرّت .
فهل کان هذا البحر هو النیل أم خلیج السویس؟
شواهد الآیات تدلّ على أنّه بحر النیل ؛ وذلک للأسباب التالیه :
* إنّ الفراعنه کانوا یسکنون غرب النیل وأهرامهم تدلّ على ذلک ، ومن أراد الشرق اعترض طریقه بحر النیل : ( فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِینَ ) .
* إنّ فرعون استعبد بنی إسرائیل ، وعبیده یجعلهم من حوله لا یبعدون عنه .
* إنّ تسمیه البحر الذی ألقی فیه موسى (علیه السّلام) وهو طفل رضیع ، والبحر الذی غرق فیه آل فرعون ، بالیمّ ، وما زال الیمّ یطلق على النیل .
* إنّ الیمّ حملَ التابوت الذی فیه موسى (علیه السّلام) إلى مکان فرعون وأهله ، ممّا یدلّ على قربه من مسکن آل موسى (علیه السّلام) .
* إنّ أُمّ موسى (علیه السّلام) أرسلت فی الصباح أخته للبحث عنه ، والأنثى لا ترسل إلى أماکن بعیده ؛ فبصرت به مع جماعه فرعون ، ممّا یدلّ أنّهم کانوا یسکنون فی الجانب الذی یسکن فیه فرعون .
* إنّ اجتماع الملأ بعد قتل موسى لرجل منهم کان فی أقصى المدینه التی حدث فیها القتل ، وکان یسکنها أیضًا بنو إسرائیل ، ممّا یدلّ على أنّهم فی جانب واحد من النیل .
* إنّهم خرجوا آخر اللیل ولحق بهم فرعون بجنوده فی الصباح فلم یستغرق وقتًا طویلا ؛ لأنّ مسیر الجند أسرع من مسیر القوم وفیهم الصغیر والکبیر ، ولو أنّهم ذهبوا إلى خلیج السویس لاحتاج الذهاب إلى أیام مع وجود الأطفال والنساء .
* إنّ من أراد أن یتجه شرقًا فلا بدّ له من قطع بحر النیل، أمّا بعد ذلک فقد یتجنب خلیج السویس، ویمرّ من البرّ الذی بین الخلیج والبحر المتوسط دون أن یحبسه بحر، ومن نفس طریق قوافل الشام إلى مصر ، فلماذا هذا الخلط فی الفهم ؟! فیهمل معاناه قطع النیل ، وتجعل المعاناه فی قطع خلیج السویس ، وبجانبه برّ بلا ماء…
والله تعالى أعلم .

Leave A Reply

Your email address will not be published.