موقف الإمام علی ( علیه السلام ) فی أحداث السقیفه

0

 
نقل العلامه الطبرسی فی کتاب الاحتجاج واقعه السقیفه فقال : وقُبِض رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) وقت الضحى من یوم الاثنین ، بعد خروج أسامه إلى معسکره بیومین .
فرجع أهل العسکر والمدینه قد رجفت بأهلها ، فأقبل أبو بکر على ناقه حتى وقف على باب المسجد ، فقال : أیها الناس مَالَکُم تموجون ، إن کان محمد قد مات فَرَبُّ محمد لم یَمُت .
( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِکُمْ وَمَن یَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَیْهِ فَلَن یَضُرَّ اللّهَ شَیْئًا وَسَیَجْزِی اللّهُ الشَّاکِرِینَ ) آل عمران : ۱۴۴ .
ثم اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عباده ، وجاءوا به إلى سقیفه بنی ساعده ، فلمَّا سمع بذلک عُمَر أخبر بذلک أبا بکر ، فمضیا مسرعین إلى السقیفه ومعهما أبو عبیده بن الجراح .
وفی السقیفه خلق کثیر من الأنصار ، وسعد بن عباده بینهم مریض ، فتنازعوا الأمر بینهم .
فآل الأمر إلى أن قال أبو بکر فی آخر کلامه للأنصار : إنما أدعوکم إلى أبی عُبیده بن الجراح ، أو عمر ، وکلاهما قد رضیت لهذا الأمر ، وکلاهما أراهما له أهلاً .
فقال عمر وأبو عبیده : ما ینبغی لنا أن نتقدَّمک یا أبا بکر وأنت أقدمنا إسلاماً ، وأنت صاحب الغار ، وثانی اثنین ، فأنت أحقّ بهذا الأمر وأولى به .
فقال الأنصار : نحذر أن یغلب على هذا الأمر من لیس مِنَّا ولا منکم ، فنجعل منا أمیراً ومنکم أمیراً ، ونرضى به على أنه إن هلک اخترنا آخر من الأنصار .
فقال أبو بکر بعد أن مدح المهاجرین : وانتم یا معشر الأنصار ، مِمَّن لا یُنکَر فضلُهم ولا نعمتُهم العظیمه فی الإسلام ، رضیکُم الله أنصاراً لدینه ، وکهفاً لرسوله ، وجعل إلیکم مهاجرته ، وفیکم محلّ أزواجه ، فلیس أحدٌ من الناس بعد المهاجرین الأولین بمنزلتکم ، فهم الأُمَراء ، وأنتم الوزَرَاء .
فقال الحباب بن المنذر الأنصاری : یا معشر الأنصار ، أمسکوا على أیدیکم ، فإنما الناس فی فَیئکم وظِلالِکُم ، ولن یجترئ مُجترٍ على خلافکم ، ولن یصدر الناس إلا عن رأیکم .
وأثنى على الأنصار ثم قال : فإن أبى هؤلاء تأمیرکم علیهم ، فلسنا نرضى بتأمیرهم علینا ، ولا نقنع بدون أن یکون منَّا أمیر ومنهم أمیر .
فقام عمر بن الخطاب فقال : هَیْهات ، لا یجتمع سیفان فی غمد واحد ، إنه لا ترضى العرب أن تؤمِّرکم ونبیها من غیرکم ، ولکن العرب لا تمتنع أن تولی أمرها من کانت النبوه فیهم ، وألو الأمر منهم .
ولنا بذلک على من خالفنا الحجه الظاهره والسلطان البَیِّن ، فیما ینازعنا سلطان محمد ونحن أولیاؤه وعشیرته ، إلا مُدْلٍ بباطلٍ ، أو مُتجانِف بإثم ، أو متورِّط فی الهلکه ، مُحِبّ للفتنه .
فقام الحباب بن المنذر ثانیه فقال : یا معشر الأنصار ، امسکوا على أیدیکم ولا تسمعوا مقال هذا الجاهل وأصحابه ، فیذهبوا بنصیبکم من هذا الأمر ، وان أبوا أن یکون منا أمیر ومنهم أمیر فأجلوهم عن بلادکم ، وتولّوا هذا الأمر علیهم ، فأنتم والله أحَقّ به منهم .
فقد دانَ بأسیافِکم قبل هذا الوقت من لم یکن یدین بغیرها ، وأنا جذیلها المحکک ، وعذیقها المرجب ، والله لئن أحد رَدَّ قولی لأحطِّمَنَّ انفه بالسیف .
قال عمر بن الخطاب : فلما کان الحباب هو الذی یجیبنی لم یکن لی معه کلام ، فإنه جرت بینی وبینه منازعه فی حیاه رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) ، فنهانی رسول الله عن مُهاترته ، فَحلفْتُ أن لا أُکلِّمه أبداً .
قال عمر لأبی عبیده : تَکلَّم .
فقام أبو عُبیده بن الجراح ، وتکلَّم بکلام کثیر ، وذکر فیه فضائل الأنصار ، وکان بشیر بن سعد سَیِّداً من سادات الأنصار ، لمَّا رأى اجتماع الأنصار على سعد بن عباده لتأمیره حَسَدَه ، وسعى فی إفساد الأمر علیه ، وتکلَّم فی ذلک ، ورضى بتأمیر قُرَیش ، وحثَّ الناس کُلّهم – لا سِیَّما الأنصار – على الرضا بما یفعله المهاجرون .
فقال أبو بکر : هذا عُمَر وأبو عبیده شیخان من قریش ، فبایعوا أیّهُمَا شِئْتم .
فقال عُمَر وأبو عبیده : ما نتولَّى هذا الأمر علیک ، امدد یَدَکَ نُبایعک .
فقال بشیر بن سعد : وأنا ثالثکما ، وکان سید الأوس ، وسعد بن عباده سید الخزرج .
فلما رأت الأوس صنیع سیدها بشیر ، وما ادّعیت إلیه الخزرج من تأمیر سعد أکبُّوا على أبی بکر بالبیعه ، وتکاثروا على ذلک وتزاحموا ، فجعلوا یطئُونَ سَعداً مِن شِدَّه الزحمه ، وهو بَینهم على فراشه مَریض .
فقال : قتلتمونی .
قال عمر : اقتلوا سعداً قتله الله .
فوثب قیس بن سعد ، فأخذ بلحیه عُمَر وقال : والله یا بن صَهَّاک ، الجبان فی الحرب ، والفرَّار اللَّیث فی المَلأ والأمن ، لو حرَّکت منه شعره ما رجعت وفی وجهک واضحه .
فقال أبو بکر : مهلاً یا عُمَر مَهلاً ، فإن الرفق أبلغُ وأفضل .
فقال سعد : یا بن صَهَّاک الحبشیه ، أما والله لو أنَّ لی قوَّه النهوض لسمعتها منی فی سککها زئیراً أزعجک وأصحابک منها ، ولألحقنَّکُما بقومٍ کنتما فیهم أذنابا أذِلاَّء ، تابعین غَیر متبوعین ، لقد اجترأتُمَا .
ثمَّ قال للخزرج : اِحمِلونی من مکان الفتنه ، فحملوه وأدخلوه منزله ، فلما کان بعد ذلک بعث إلیه أبو بکر أن قَدْ بایعَ الناسُ فَبایِع .
فقال : لا والله ، حتى أرمیکم بکل سَهمٍ فی کنانتی ، وأخضب منکم سنان رمحی ، وأضربکم بسیفی ، ما أقلت یدی فأقاتلکم بِمَن تبعنی من أهل بیتی وعشیرتی .
ثم – وأیْمُ الله – لو اجتمع الجِنُّ والإنسُ علیَّ لما بایعتکما أیهما الغاصبان ، حتى أعرضَ على رَبِّی ، وأعلم مَا حِسابی .
فلما جاءهم کلامه قال عُمَر : لا بُدَّ مِن بَیعتِه .
فقال بشیر بن سعد : إنه قَدْ أبى ولَجَّ ، ولیس بِمُبایِعٍ أو یُقتَل ، ولیس بمقتول حتى یُقتل معه الخزرج والأوس ، فاترکوه ، فلیس ترکه بضائر .
فقبلوا قوله وترکوا سَعداً ، فکان سعد لا یصلی بصلاتهم ، ولا یقضی بقضائهم ، ولو وَجَد أعواناً لَصالَ بِهم ولقاتَلَهم .
فلم یزل کذلک مُدَّه ولایه أبی بکر حتى هَلَک أبو بکر ، ثم ولی عُمَر وکان کذلک ، فخشى سعد غائله عُمَر ، فخرَجَ إلى الشام ، فماتَ بحوران فی ولایه عمر ، ولم یبایع أحداً .
وکان سبب موته أن رُمِی بسهمٍ فی اللیل فقتله ، وزُعِم أنَّ الجن رموه ، وقیل أیضا : إن مُحمَّد بن سلمه الأنصاری تولى ذلک بجعل جعل له علیه ، وروی أنه تولى ذلک المغیره بن شعبه ، وقیل : خالد بن الولید ، وبایع جماعه الأنصار ومن حَضَر من غیرهم .
والإمام علی بن أبی طالب ( علیه السلام ) مشغول بجهاز رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) ، فلما فرَغ ( علیه السلام ) من ذلک ، وصلَّى على النبی ( صلى الله علیه وآله ) ، والناس یُصلُّون علیه .
من بایع أبا بکر ومن لم یبایع جلس فی المسجد ، فاجتمع علیه بنو هاشم ، ومعهم الزبیر بن العوام ، واجتمعت بنو أمیَّه إلى عثمان بن عَفَّان ، وبنو زهره إلى عبد الرحمن بن عَوف .
فکانوا فی المسجد کُلّهم مجتمعین ، إذ أقبل أبو بکر ومعه عُمَر وأبو عُبیده بن الجراح ، فقالوا : مالنا نراکم خَلقاً شَتَّى ، قوموا فبایعوا أبا بکر ، فقد بایَعَتْه الأنصار والناس .
فقام عثمان وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما فبایعوا ، وانصرف علی وبنو هاشم إلى منزل علی ( علیه السلام ) ومعهم الزبیر .
فذهب إلیهم عُمَر فی جماعه مِمَّن بایع فیهم أسید بن حصین ، وسلمه بن سلامه ، فألفوهم مجتمعین ، فقالوا لهم : بایعوا أبا بکر فقد بایعه الناس .
فوثب الزبیر إلى سیفه فقال عمر : علیکم بالکلب العَقور فاکفونا شَرّه ، فبادر سلمه بن سلامه فانتزع السیف من یده ، فأخذه عُمَر فضرب به الأرض فکسره ، وأحدقوا بمن کان هناک من بنی هاشم ، ومَضوا بجماعتهم إلى أبی بکر .
فلما حضروا قالوا : بایعوا أبا بکر فقد بایعه الناس ، وأیم الله لئن أبیتم ذلک لَنُحَاکِمَنَّکم بالسیف .
فلما رأى ذلک بنو هاشم أقبَلَ رَجُلٌ رَجُل فَجعل یبایِع ، حتى لم یَبقَ مِمَّن حضر إلا الإمام علی بن أبی طالب ( علیه السلام ) .
فقالوا له : بایِعْ أبا بکر .
فقال الإمام علی ( علیه السلام ) : ( أنا أحَقّ بهذا الأمر منه ، وانتم أولى بالبَیعه لی ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار ، واحتَجَجْتُم علیهم بالقرابه من الرسول ( صلى الله علیه وآله ) ، وتأخذونه منا أهل البیت غَصباً .
ألستُم زعمتم للأنصار أنَّکم أولى بهذا الأمر منهم لِمکانکم من رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) ، فأعطوکم المَقاده ، وسلَّموا لکم الإماره .
وأنا احتَجُّ علیکم بمثل ما احتَجَجْتُم على الأنصار ، أنا أولى برسول الله ( صلى الله علیه وآله ) حیّاً ومیّتاً .
وأنا وصیُّه ووزیره ، ومستودَع سِرِّه وعِلمِه ، وأنا الصِّدِّیق الأکبر ، والفاروق الأعظم ، أول من آمن به وصدَّقه ، وأحسنُکُم بلاءً فی جهاد المشرکین ، وأعْرَفُکُم بالکتاب والسنه ، وأفقهُکُم فی الدِّین ، وأعلمُکُم بعواقب الأمور ، وأذرّ بکم لِساناً ، وأثبَتُکم جناناً .
فعلامَ تُنازِعونا هذا الأمر ؟ اِنصفونا إن کنتم تخافون الله من أنفسکم ، واعرفوا لنا الأمر مثل ما عرفته لکم الأنصار ، وإلاَّ فَبوءوا بالظُّلم والعدوان وأنتم تعلمون ) .
فقال عُمَر : یا علی ، أما لَکَ بأهلِ بَیتِک أسوه ؟
فقال الإمام علی ( علیه السلام ) : ( سَلوهُمْ عن ذلک ) .
فابتَدر القوم الذین بایعوا مِن بنی هاشم فقالوا : والله ما بیعنا لکم بحجه على علی ، ومعاذَ الله أن نقول إنا نوازیه فی الهجره ، وحُسن الجهاد ، والمحلُّ من رسول الله .
فقال عُمَر : إنَّک لست مَتروکاً حتى تبایعَ ، طَوعاً أو کرهاً .
فقال الإمام علی ( علیه السلام ) : ( احلب حلبا لَکَ شطره ، اشدُدْ لَهُ الیوم لیرد علیک غَداً ، إذا والله لا أقبل قولک ، ولا أحفل بمقامک ، ولا أبایع ) .
فقال أبو بکر : مَهلاً یا أبا الحسن ، ما نَشکُّ فیک ولا نَکرهُک .
فقال أبو عبیده للإمام علی ( علیه السلام ) : یا بن عمِّ ، لسنا ندفع قرابتک ، ولا سابقتک ، ولا عِلمک ، ولا نصرتک ، ولکنک حَدث السِّن – وکان للإمام علی ( علیه السلام ) یومئذ ثلاث وثلاثون سنه – وأبو بکرٍ شَیخ من مشایِخِ قومک ، وهو أحمل لثقل هذا الأمر .
وقد مضى الأمر بما فیه ، فَسَلِّمْ لَه ، فإن عَمَّرک الله یُسلِّموا هذا الأمر إلیک ، ولا یختلِفُ فیک اثنان بعد هذا إلا وأنت به خلیق ، وله حقیق .
ولا تبعث الفتنه فی أوان الفتنه ، فقد عرفت ما فی قلوب العرب وغیرهم علیک .
فقال الإمام ( علیه السلام ) : ( یا مَعاشِر المُهاجِرین والأنصار ، اللهُ الله ، لا تَنسوا عَهْدَ نبیِّکُم إلیکم فی امرئ ، ولا تُخرجوا سُلطان مُحَمَّدٍ من دارِه وقعر بیته إلى دُورکم وقَعْر بیوتکم ، ولا تدفعوا أهله عن حَقِّه ومقامِه فی الناس .
فَوَ الله مَعاشر الجمع ، إنَّ الله قَضَى وحَکَم ، ونبیُّه أعلم ، وأنتم تعلمون بأنَّا أهل البیت أحَقُّ بهذا الأمر منکم .
أمَا کان القارئ مِنکُم لکتاب الله ، الفقیه فی دین الله ، المُضطَلِع بأمر الرَّعیَّه ، والله إنه لَفِینَا لا فیکم ، فلا تَتْبَعوا الهوى فتزدَادُوا من الحَقِّ بُعداً ، وتُفسِدوا قَدیمَکم بشر مِن حَدیثِکم ) .
فقال بشیر بن سعد الأنصاری ، الذی وطأ الأرض لأبی بکر ، وقالت جماعه من الأنصار : یا أبا الحسن ، لو کان هذا الأمر سَمِعَتْه منک الأنصار قبل بیعتها لأبی بکر ما اختَلَفَ فِیکَ اثنان .
فقال الإمام علی ( علیه السلام ) : ( یا هؤلاء ، کُنتُ أدَعُ رَسولَ اللهِ مُسَجَّى لا أوارِیه ، وأخرج أُنَازع فی سلطانه ، والله مَا خِفتُ أحدا یَسمو له وینازعُنا أهل البیت فیه ، وستحل ما استَحْلَلْتُمُوه ، ولا علمت أن رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) ترک یوم غدیر خُمٍّ لأحد حُجَّه ، ولا لقائِلٍ مَقالاً .
فأُنشِدُ اللهَ رَجلاً سَمع النبی ( صلى الله علیه وآله ) یَوم غدیر خُمٍّ یقول : مَنْ کُنتُ مَولاه فَهَذا عَلیٌّ مولاه ، اللَّهُمَّ والِ مَنْ وَالاه ، وعَادِ مَن عاداه ، وانصُرْ مَن نَصَرَه ، واخْذُل مَنْ خَذَلَه ، أنْ یشهد الآن بما سَمِع ) .
قال زید بن أرقم : فَشهدَ اثنا عشر رجلاً بدریّاً بذلک ، وکنتُ مِمَّن سمع القول من رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) ، فَکَتَمتُ الشهاده یومئذٍ ، فَدَعا عَلِیٌّ عَلَیَّ فذهَبَ بَصَری .
وکَثُر الکلام فی هذا المعنى ، وارتَفَع الصوت ، وخَشَى عُمَر أن یصغی الناس إلى قول الإمام علی ( علیه السلام ) ، ففسح المجلس وقال : إنَّ الله یقلِّب القلوب ، ولا تزال یا أبا الحسن ترغب عن قَول الجماعه ، فانصَرَفوا یومهم ذلک .
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.