العفو الإلهی وعصمه النبی الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم)

0

کیف ینسجم القول بعصمه النبی الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم) مع ما ورد فی سوره التوبه ،الآیه ۴۳، حیث قال سبحانه: ( عَفَا اللّهُ عَنْکَ ) ؟
الجواب: إذا رجعنا إلى دراسه الواقع التاریخی للآیه المبارکه نجدها نزلت حینما کان الرسول الأعظم (صلى الله علیه وآله وسلم) یعدُّ العدّه ویهیِّئ الجیوش فی مواجهه الروم ومحاربتهم فی تبوک إلاّ أنّ المنافقین أبوا الاشتراک فی تلک المعرکه والالتحاق بصفوف المجاهدین وتعلّقوا بأعذار کاذبه واستأذنوا الرسول بالإقامه فی المدینه وعدم الخروج فأذن لهم النبی الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم) وقبل عذرهم ظاهراً، فنزلت الآیه المبارکه: ( عَفَا اللّهُ عَنْکَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى یَتَبَیَّنَ لَکَ الَّذینَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ الْکاذِبینَ ) .( [۱])
ومن الواضح أنّ الآیه تتضمّن التصریح بعفوه سبحانه کما یقول: ( عَفَا اللّهُ عَنْکَ ) کما تتضمن نوع اعتراض على النبی حیث أذن لهم فی عدم الاشتراک کما یقول سبحانه: ( لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) .
وحینئذ یطرح التساؤلان التالیان: الف: کیف ینسجم العفو مع العصمه؟
ب: کیف یوجه الاعتراض والعتاب الصادر من اللّه لنبیّه (صلى الله علیه وآله وسلم) فی قوله: ( لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) ؟
وللإجابه عن التساؤل الأوّل نقول: إنّ جمله ( عَفَا اللّهُ عَنْکَ ) یمکن أن تفسّر بمعنیین کلاهما ینطبق على قواعد وقوانین اللغه العربیه، ولتعیین أحد المعنیین لابدّ من وجود قرینه تؤید ذلک المعنى، وهذان المعنیان هما:
۱٫ انّها جمله خبریه حاکیه عن شمول عفوه سبحانه للنبی فی الزمان الماضی، أی أنّها إخبار عن تحقّق العفو، کما فی قولنا: «نصر زیدٌ عمراً» فإنّها جمله خبریه ولکن لا بمعنى الإخبار عن الماضی، وإنّما المراد منها الإنشاء وطلب العفو کما فی قوله: «أیّدک اللّه».
فعلى المعنى الأوّل تکون الجمله خبریه والهدف منها هو الإخبار عن تحقّق مفادها، ففی هذه الصوره تکون الآیه ـ بنظر البعض ـ تدلّ تلویحاً على أنّ المخاطب بها قد صدر منه فعل استحق العفو الإلهی، ولکنّ هذا الاحتمال باطل جداً ولا أساس له من الصحّه، وذلک لأنّ الإنسان مهما عظم وسمت مرتبته وقداسته وطهارته فإنّه ـ و بالقیاس إلى المقام الربوبی ـ یبقى بحاجه إلى العفو الإلهی، بل کلّما ازداد غناه ازدادت حاجته إلى العفو، وکلّما ازداد سعیه ازداد ثوابه، ولا ریب أنّ العارفین والمقرّبین من اللّه سبحانه حینما ینظرون إلى عظم مسؤولیاتهم وعظم المقام الربوبی یذعنون بقصور أعمالهم وضآله عباداتهم وجهودهم، وحینئذ یلجأون وبلا اختیار إلى التضرّع والخشوع وهم ینادونه سبحانه بقولهم: «ما عَبَدْناکَ حَقَّ عِبادَتِکَ»، فإذا کانت معاصی و ذنوب الناس العادیّین تحتاج إلى طلب العفو والمغفره الإلهیه، فإنّ ترک الأولى من المعصومین والقیام ببعض المباحات من العارفین وتحت شروط خاصه تقتضی هی أیضاً طلب العفو والمغفره.
وأمّا على الاحتمال الثانی فالجمله وإن کانت بظاهرها خبریه إلاّ أنّها فی الواقع جمله إنشائیه تفید إنشاء الدعاء وطلب العفو والمغفره والرحمه، أی بمعنى «عفا اللّه عنک» و«غفر اللّه لک» و«أیّدک اللّه»، ومن الواضح جدّاً أنّ الآیه حینئذ لا تدلّ بوجه من الوجوه على صدور الذنب والخلاف من الإنسان العادی فضلاً عن النبی الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم) ، وذلک لأنّ طلب العفو هذا یُعدّ نوع تقدیر وتکریم واحترام للمخاطب، ویستحیل أن یکون ملازماً لصدور الذنب والمعصیه منه، ونحن نرى بالوجدان انّنا حینما نخاطب إنساناً ما بقولنا:«غفر اللّه لک» فلا یدلّ کلامنا هذا على أنّ الشخص المخاطب قد وقع فی الذنب والجریمه فعلاً لکی نطلب من اللّه أن یغفر له خطیئته وذنبه.
فقد اتّضح جلیّاً أنّ الآیه، سواء فُسرت بالوجه الأوّل أو الثانی، لا تدلّ على صدور الذنب، بل أنّ ظاهر الآیه أنّـها جمله إنشائیه تفید الدعاء، والغرض منها تکریم وتبجیل الرسول الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم) .
کما أنّه قد اتّضح أیضاً و من خلال هذا البیان الجواب عن السؤال الثانی، وذلک لأنّه وإن کان لحن الآیه لحن اعتراض، ولکن هذا الاعتراض على أی شیء؟ لا شکّ أنّه اعتراض على ترک الأولى والأفضل لا اعتراض على ارتکاب المحرم، والشاهد على هذا المدّعى التعلیل الوارد فی ذیل الآیه، لأنّ المنافقین حینما طلبوا من النبی الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم) الإذن لهم بالبقاء وعدم الخروج للجهاد فی معرکه تبوک وقد أجازهم النبی وسمح لهم بالبقاء، وهذه الحاله تحمل فی طیّاتها خاصّیتین.
الف: انّ المنافقین کانوا مصمّمین على عدم الخروج للجهاد، سواء أذن لهم النبی فی البقاء فی المدینه أم لم یأذن، وما کان طلبهم واستئذانهم فی البقاء إلاّ تظاهراً وتحایلاً یراد منه الحفاظ على ماء وجوههم، ولکی لا تتّضح حقیقتهم وتنکشف سرائرهم، ولقد أشارت الآیه إلى ذلک المعنى بجمله ( وتعلم الکاذبین ) ثمّ أردفت ذلک بقوله تعالى:
( وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدّوا لَهُ عُدَّهً وَ لکِنْ کَرِهَ اللّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَ قَیلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدینَ ) .( [۲])
فالآیه توضّح وبجلاء أنّهم کانوا عازمین على عدم المشارکه فی الجهاد ولم یفکّروا بالخروج أبداً، وما کان استئذانهم إلاّ نوع تغطیه لقبیح عملهم، ولکن تظاهروا أمام الناس أنّهم لولا إذن الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم) لهم فی البقاء لکانوا فی صفوف المجاهدین یقاتلون العدو جنباً إلى جنب، وفی الواقع أنّ عملهم هذا من قبیل ما یقوم به المجرمون من مسح أثر الجریمه.
ب: على فرض أنّ هذه الطائفه کانت عازمه على الخروج إلى الجهاد مع المؤمنین إلاّ أنّ خروجهم هذا فی الواقع لا یحلّ أی عقده ولا یزیل أی مشکله، بل أنّ وجودهم سیکون سبباً لانتشار الریب والشکّ والفوضى فی صفوف المقاتلین المؤمنین، وقد أشارت الآیه الکریمه إلى هذا المعنى بوضوح تام حیث قال تعالى:
( لَوْ خَرَجُوا فیکُمْ ما زادُوکُمْ إِلاّ خَبالاً وَلأَوضَعُوا خِلالَکُمْ یَبْغُونَکُمُ الْفِتْنَهَ وَفیکُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْوَاللّهُ عَلیمٌ بِالظّالِمینَ ) .( [۳])
وعلى هذا الأساس فإنّ قبول طلب هذه الطائفه ـ التی إمّا أن تکون غیر قاصده للخروج للجهاد أصلاً، أو على فرض الخروج للجهاد، فإنّ وجودها لا یزید المسلمین إلاّ ضرراً ـ لا یفوّت على المسلمین أی مصلحه من ناحیه القوه، نعم الذی یفوت فی هذا الإذن فی البقاء هو مصلحه شخص النبی الأکرم، إذ لو لم یأذن لهم فی البقاء وأمرهم بالخروج للجهاد لانکشف وظهر کذبهم وخداعهم له وللمسلمین، ولقد أشارت الآیه إلى هذا المعنى حیث قال سبحانه: ( …لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى یَتَبَیَّنَ لَکَ الَّذینَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ الْکاذِبینَ ) .( [۴])
ولا ریب أنّ تفویت هکذا مصلحه یُعدّ من قبیل ترک الأولى.
بل یمکن القول: إنّ فی هذه الواقعه لم یصدر من النبی حتّى ترک الأولى وإنّما الآیه تسعى إلى إظهار معنى آخر، وهو بیان الأخلاق العالیه التی یتحلّى بها الرسول الأکرم من اللطف والرحمه و…، وکأنّ الآیه تخاطب الرسول بقولها: یا رسول اللّه لماذا تعاملت معهم بهذه الدرجه من اللین واللطف والحیاء والتواضع وأذنت لهم ولم تدع ماهیتهم وحقیقتهم الزائفه تنکشف لک ولیتمیز لک العدو من الصدیق؟!
إنّ الهدف من هذه الخطابات الحاده بیان ماهیه وحقیقه المنافقین الکاذبه، ولکن بأُسلوب غیر مباشر حیث وجّهت العتاب إلى أعز وأکرم إنسان وهو النبی الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم) ، لأنّ العواطف اللامتناهیه لذلک الإنسان العظیم والعزیز تمنعه من تحقیر وإذلال عدوه بصوره مباشره.
ومن الطبیعی انّه لا یدرک هذا النوع من لطیف الخطاب إلاّ من عرف طریقه مخاطبه العظیم للإنسان العزیز.
وهناک نکته مهمه لابدّ من الإشاره إلیها وهی أنّه صحیح أنّ النبی الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم) حُرِم من خلال هذا الطریق من معرفه المنافقین، ولکنّ هناک طریقین آخرین عرف (صلى الله علیه وآله وسلم) ومیّز من خلالهما المنافقین عن المؤمنین والکاذبین عن الصادقین، وهذان الطریقان هما:
الف: لحن القول، لا شکّ انّ طریقه کلام المنافقین ولحن قولهم تختلف بالکامل عن طریقه کلام المؤمنین ولحن خطابهم، وقد تسنّى للرسول الأکرم التمییز بین الطائفتین من خلال هذه الصفه، قال تعالى:
( وَلَوْ نَشاءُ لأَرَیْناکَهُمْ فَلَعَرفْتَهُمْ بِسیماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فی لَحْنِ القَوْلِ وَ اللّهُ یَعْلَمُ أَعْمالَکُمْ ) .( [۵])
ب. علم الغیب: وهناک طریق ثالث لمعرفه المنافقین وهو الاستعانه بعلم الغیب الذی هو لیس من العلوم الحسّیه ولا العقلیه، وقد أشار القرآن الکریم إلى هذا الطریق بقوله سبحانه:
( ما کانَ اللّهُ لِیَذَرَ الْمُؤْمِنینَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَیْهِ حَتّى یَمیزَ الْخَبِیثَ مِنَ الطَّیِّبِ وَ ما کانَ اللّهُ لِیُطْلِعَکُمْ عَلَى الْغَیْبِ وَ لکِنَّ اللّهَ یَجْتَبی مِنْ رُسُلِهِ مَنْ یَشاءُ… ) .( [۶])
إنّ هذه الآیه ومن خلال الالتفات إلى صدرها وذیلها توضّح وبجلاء انّ اللّه سبحانه یطلع أنبیاءه ومن خلال طریق الغیب على حقیقه المنافقین وحقیقه المؤمنین.
وعلى هذا الأساس فلو انّ النبیّ قد حُرِمَ من معرفه حقیقه هذه الطائفه من خلال الطریق الأوّل(الاختبار بالجهاد) ولم یتوفّق إلى معرفتهم ولکن لم یوصد الطریق فی وجهه (صلى الله علیه وآله وسلم) ، بل هناک طریقان آخران لتحصیل تلک المعرفه، وهما: «لحن الخطاب» و «علم الغیب». نعم یمکن القول : إنّ المؤمنین حُرِموا من معرفه هؤلاء المنافقین ولکنّ ذلک فی الواقع لا یُعدُّ ذنباً یستحق اللوم.
[۱] . التوبه: ۴۳٫
[۲] . التوبه: ۴۶٫
[۳] . التوبه: ۴۷٫
[۴] . التوبه: ۳۱٫
[۵] . محمد: ۳۰٫
[۶] . آل عمران: ۱۷۹٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.