دور القرآن فی الحیاه
یصف علی ( علیه السلام ) القرآن بأنّه مفتاح لعلاج جمیع المشکلات فیقول ( علیه السلام ) فی وصفه : ( ودواء دائکم ونظم ما بینکم ) ، ففی القرآن دواء لآلامکم والسبیل لحل مشکلاتکم وتنظیم أمورکم ، إنّ القرآن دواء فیه شفاء لجمیع الأمراض ، وبوجود القرآن تتلاشى الآلام والمتاعب ، فلابد من قراءه هذه الوصفه التی فیها الشفاء ، ومطالعتها بدقه والتعرف على سبیل علاج الأدواء ، والمشکلات الفردیه والاجتماعیه .
من البدیهی أنّ الکلام عن العلاج قبل الشعور بالألم والمشکله یُعد أمراً خارجاً عن المسیره الطبیعیه ، فلابد أَوّلاً من معرفه الأمراض الفردیه والاجتماعیه وتشخیصها ، من خلال استقراء الآیات القرآنیه الکریمه ، والتدقیق بها ، ومن ثَمّ المبادره لعلاجها من خلال استخدام هذه الوصفه الشافیه .
إنّ فی مجتمعنا الیوم الکثیر من المشکلات سواء کانت فردیهً أو اجتماعیهً ، والجمیع یصبو لإزالتها وبالرغم من تحقّق تقدم ملفت فی مختلف المجالات ، فقد بقیت مشکلات جمّه ما فتئ المسؤولون یسعون لعلاجها بأی شکل من الأشکال .
فی هذه الخطبه یقول ( علیه السلام ) : ( ودواء دائکم ونظم ما بینکم ) ، فالقرآن وصفه لعلاج دائکم ومشکلاتکم ، وفی الخطبه ۱۸۹ یعبّر ( علیه السلام ) قائلاً : ( وَدَوَاءً لَیْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ ) أی أنّ القرآن دواء لا یبقى معه داء .
الصفحه ۲۲
الأمر الذی ینبغی الالتفات إلیه قبل کل شیء هو الإیمان بقول علی ( علیه السلام ) ، أی یجب أن نعتقد بکل کیاننا أنّ العلاج الحقیقی لأمراضنا ومشکلاتنا الفردیه منها والاجتماعیه یکمن فی القرآن ، ونحن جمیعاً نعترف بهذا الأمر لکن مراتب الإیمان والیقین لدى الناس متفاوته ، فرغم أنّ هنالک أناساً یعتقدون بکل کیانهم أنّهم إذا ما اقبلوا على القرآن واستعملوا معارفه وإرشاداته ، فإنّ القرآن وصفه شافیه لجمیع الأمراض ، لکن أمثال هؤلاء نادرون ، ولعلّ من أعظم المشکلات التی یعانیها مجتمعنا هی ضعف الإیمان بهذا الأمر ، وهذا ما أدى إلى أن تبقى الکثیر من المشکلات على حالها ، ونتیجهً للجهل أو انحراف الفکر ربّما ینبری أناس لإثاره هذه الفکره الضاله : من أنّه رغم أنّ القرآن بین أیدینا ونحن ندّعی اتّباعه فلماذا لم تُعالج مشکلاتنا ، وما فتئ الناس یکابدون المصاعب الاقتصادیه ، من قبیل التضخم والغلاء ، وآلاف المشاکل الفردیه والاجتماعیه والأخلاقیه والثقافیه ؟ نقدم هنا إیضاحات للرد على هذا التساؤل .
القرآن دلیل الخطوط العامه
یبدو أنّه من السذاجه بمکان أن یتوقع أحد أن یقوم القرآن بالحدیث عن الأمراض والمشاکل الفردیه والاجتماعیه ، واحده واحده ، کما فی الکتب الخاصه بعلاج المشاکل ، ومن یقدّم توضیحاً لعلاجها بالتسلسل ، إنّ للقرآن شأناً بالمصیر الأبدی للإنسان ، وهدفه فلاح الإنسان وسعادته فی الدنیا والآخره ، وبهذا الصدد فإنّ القرآن الکریم یقدّم لنا الخطوط العامه ، التی نستطیع من خلال تفعیلها أن نحیى حیاه ملؤها السعاده ، فهذه الخطوط العامه مصابیح تؤشّر لنا اتجاه المسیر والحرکه ، ولکن ینبغی أن ننتبه إلى أنّ الله عزّ وجلّ وضع تحت تصرّف الإنسان وسیلتین ؛ لبلوغ السعاده والفلاح فی الدنیا والآخره ، وعلاج المشکلات وإقامه المجتمع الحضاری ، وفی نفس الوقت الدینی والإسلامی ، أحدهما الدین والآخر العقل .
الصفحه ۲۳
إنّ القرآن یوضّح الخطوط العامه لرقی الإنسان وتکامله ، والمجتمع الإسلامی مکلّف بتمهید الأرضیه لتحقیق أهداف القرآن السامیه ، وذلک بقوه الفکر والعلم والاستعانه بالتجارب العلمیه للإنسان ، والقرآن لا یکتفی بعدم النهی عن الاستعانه بالتجارب العلمیه للآخرین ـ حتى غیر المسلمین ـ بل یعتبر العلم ودیعهً إلهیه ویحثّ المسلمین على تعلّمه ، ولغرض ترغیب المسلمین وتشجیعهم على طلب العلم یقول النبی ( صلّى الله علیه وآله ) : ( اطلبوا العلم ولو بالصین ) (۱) ، فتعلّموا العلم واستثمروا التجارب العلمیه للآخرین ، وإن استلزم تحقّق ذلک قطع طریق طویل جداً ، وبطبیعه الحال أنّ العلاقات الدولیه الیوم فی غایه التعقید ، والدول الاستکباریه والقوى السلطویه تحاول من خلال شتى الألاعیب ، ومختلف الوسائل التکنولوجیه والاقتصادیه ، عبر الاستفاده بشکل عام من نتائج التجارب العلمیه للإنسان ، أن تفرض علاقاتها السلطویه ، ولکن یتعیّن علینا أن نستثمر وبذکاء حاد ودون أدنى تراجع عن أهدافنا الإسلامیه والقرآنیه ، ثمار العلوم البشریه فی مختلف الأصعده فی طریق إنعاش الوضع الاقتصادی ، وعلاج المشکلات المعاشیه للناس .
بناءً على هذا أنّ القرآن لم یکن ولیس بصدد الإجابه على جمیع المشاکل الحیاتیه للإنسان صغیرها وکبیرها ، بل هو یبیّن الخطوط الجوهریه والعامه لسعاده الإنسان وتکامله ، ویدلّ المسلمین علیها ویدعوهم إلیها ، وفی هذا المقطع وعلى هامش حدیث علی ( علیه السلام ) حول شفاء القرآن نشیر إلى أحد الخطوط العامه المستوحاه من القرآن ، ونقدّم إیضاحاً له کأنموذج .
(۱) بحار الأنوار : ج ۱ ، ص ۱۷۷ .
الصفحه ۲۴
نموذج من الخطوط العامه فی القرآن
یقول القرآن الکریم : ( وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَیْهِمْ بَرَکَاتٍ مِنَ السّماءِ وَالأَرْضِ وَلکِن کَذّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا کَانُوا یَکْسِبُونَ ) (۱) .
هذه الآیه من المحکمات التی لا وجود لأی تشابه فیها ، وتتضمن معنىً صریحاً وجلیاً بما لا یدع مجالاً لأی شک وشبهه فیها ، بنحو لا یستشف فی هذا الإطار اللغوی أی معنى سوى ما یفهمه کل ناطق له معرفه باللغه العربیه ، فدع عنک الضاله أفکارهم ، والقائلین بالقراءات المتعدده ، والاستنباطات الجدیده ، فلربّما یقولون نحن نفهم من کلمه اللیل النهار ونستشف من التحجّب العری ! وإنّنی أذکّر بأنّنا سوف نتحدث بالتفصیل فی المستقبل عن ( القراءات المتعدده للدین ) .
إنّ هذه الآیه تبیّن أحد الخطوط العقائدیه العامه ، وتقدّم فی نفس الوقت السبیل لعلاج المشاکل الاقتصادیه والسبیل لإزاله المصاعب المعاشیه ، وشرح هذه الآیه هو : لو أنّ أهل القرى على هذه الکره الأرضیه آمنوا والتزموا التقوى ، لفتحنا علیهم برکات السموات والأرض ، لکنّهم لم یلتزموا التقوى وکفروا وجحدوا بنعم الله ، فکانت النتیجه أنّهم ابتلوا بصنوف المشکلات والابتلاءات .
بناءً على هذا أنّ القرآن الکریم یرى بکل صراحه أنّ تحقق التنمیه الاقتصادیه ، والانتعاش فی حیاه المؤمنین ، وإزاله المصاعب الاقتصادیه ، ونزول النعم ، ونزول برکات السماء والأرض بشکل عام ، رهن بالإیمان والتقوى ، وفی المقابل یصف کفران النعم الإلهیه وجحودها سبباً فی زوال النعم ونزول الابتلاءات وأنواع الشدائد ، وعرفان قدر النعمه وشکرها مدعاه لزیادتها وکفران النعمه سبباً للعذاب ، یقول القرآن : ( لَئِن شَکَرْتُمْ لأَزِیدَنّکُمْ وَلَئِن کَفَرْتُمْ إِنّ عَذَابِی لَشَدِیدٌ ) (۲) وهنا نشیر إلى إحدى النعم الإلهیه الکبرى ، التی عمّت الشعب الإیرانی العظیم نتیجهً لاتّباعه القرآن الکریم ، ونبتهل إلى الله جلّت عظمته أن یمنّ على الشعب بتوفیق شکرها ، ونعوذ بذاته القدسیه أن تُسلب هذه النعمه الکبرى منا نتیجهً لکفرانها .
(۱) الأعراف : ۹۶ .
(۲) إبراهیم : ۷ .
الصفحه ۲۵
تجلّی العطاء الإلهی فی قیام الحکومه الإسلامیه
کلنا یصدّق بأنّ من أعظم طموحاتنا نحن المسلمین بعد استشهاد الإمام علی ( علیه السلام ) أن تکون لنا حکومه عادلهً ، تستند إلى الوحی والأحکام الإلهیه ، فلقد کان أجدادنا وأسلافنا یحلمون بإقامه مثل هذه الحکومه ، وبینما کانوا یعیشون تحت نیر الملوک وسلاطین الجور فی أجواء یشوبها الاضطراب ، دون أن یکون لهم دور یذکر فی شؤونهم الاجتماعیه ، کان قیام حکومه إسلامیه بمثابه حلم بعید المنال بل ومستحیل .
بعد مرور ألف وأربعمِئه عام ، وفی هذا المقطع التاریخی ، ونتیجه لتمسّک الشعب المسلم فی إیران بالقرآن الکریم ، وقیاده الولی الفقیه ، ونائب الإمام المعصوم ( علیه السلام ) له ، مَنَّ الله تبارک وتعالى على الشعب الإیرانی بواحده من أعظم نعمه أی الحکومه الإسلامیه .
من الطبیعی أنّنا لسنا بصدد تبریر النواقص والعیوب والأفعال ، بل ما هو موضع تأکید هنا هو أصل قیام هذا النظام المقدس لتطبیق الأحکام الإلهیه یعتبر من النعم الإلهیه .
إنّ ما یثیر الاهتمام الآن وبعد مضی عشرین عاماً على انتصار الثوره ، وما یضاعف من هاجس الحریصین على الثوره وحراس القیم الدینیه والأخلاقیه ، هو أن یفقد المجتمع إیمانه وتقواه ، وتأخذ قیمه الثوریه والدینیه بالاضمحلال تدریجیاً ، وبالتالی یفلح أعداء الإسلام وإیران فی تنفیذ مخططاتهم فی إطار الغزو الثقافی ، ویتسلّطون مرهً أخرى على الشعب الإیرانی المسلم بفصلهم الجماهیر ولا سیما جیل الشباب عن القیم الدینیه والثوریه .
ربّما یتبادر هذا السؤال هنا وهو ما العمل لکی تُصان القیم العقائدیه والدینیه للمجتمع ، وبالتالی یفشل العدو فی تمریر مخططاته من ناحیه ، ولنتغلب على جمیع المشکلات من ناحیه أخرى ؟
فی المقطع موضع البحث من الخطبه ۱۵۷ من نهج البلاغه یلفت علی ( علیه السلام ) الاهتمام إلى هذا الموضوع ، ویصف طریق علاج المشکلات الفردیه والاجتماعیه بالرجوع إلى القرآن والعمل بتعالیمه .
الصفحه ۲۶
علاج المشکلات الاجتماعیه فی ظل اتّباع القرآن
إنّ کلام علی ( علیه السلام ) بهذا الخصوص یمثّل وجهاً آخر لکلام نبی الإسلام الأعظم ( صلّى الله علیه وآله ) حیث قال : ( إذا التبست علیکم الفتن کقطع اللیل المظلم فعلیکم بالقرآن ) (۱) فحیثما خیّمت على مجتمعکم الاضطرابات والهواجس ، والمشکلات والفوضى ، والفتن کقطع اللیل الحالک ، ولم تصلوا إلى سبیل لعلاج مشکلاتکم فعلیکم الرجوع إلى القرآن ، فاجعلوا توجیهاته المخلّصه مِلاکاً للعمل .
إنّ تعالیم القرآن تحیی فی القلوب روح الأمل والتغلب على المصاعب ، وتهبها السعاده والفلاح ، وتنقذ البشر من الیأس والإحباط .
من الطبیعی أنّ کل انتصار رهن بإراده وسعی البشر ، وبناءً على هذا إذا ما أردنا أن نحافظ على استقلالنا وحریتنا وحکومتنا الإسلامیه ، ونکون فی أمان من کل مؤامره وفی ظلال الله سبحانه وتعالى ، فلا سبیل سوى العوده إلى الله وأحکام القرآن ، والتوبه عن حالات الکفران وانتهاک الحرمات ، التی بدرت من بعض المنبهرین بالغرب إزاء القیم الدینیه .
من السذاجه بمکان إذا ما تصورنا أنّ القوى الاستکباریه تتفق مع مسؤولی نظام الجمهوریه الإسلامیه فی أصغر قضیه ، تصب لصالح الشعب الإیرانی المسلم ولا تخدم مصالحهم الاستعماریه ، ومن فادح الجحود أیضاً أن نتخلى عن القرآن الکریم ـ معجزه النبی الخالده التی تکفل السعاده والفلاح ـ ونمد ید الحاجه نحو الأعداء ، ونترک ولایه الفقیه التی هی استمرار لولایه الأنبیاء والأئمه المعصومین ، ونقبل بولایه وتسلط الشیاطین وأعداء الله ، نعوذ بالله من أن یحلّ یوم یتعرض الشعب المسلم فی إیران للغضب بسبب جحود النعمه العظمى المتمثله بالاستقلال والعزه والأمان ، ویصنع بیده أداه سقوطه وذلته من جدید .
(۱) بحار الأنوار : ج ۹۲ ، ص ۱۷ .
الصفحه ۲۷
على أیه حال ، إنّ واجب أبناء الشعب لا سیما القائمین على الشؤون الثقافیه للبلاد ، أن یدافعوا عن حیاض العقائد والقیم الأخلاقیه والدینیه للمجتمع .
إنّ تصوّر البعض ممّن لا یتمتعون برؤیه کافیه فی مجال المعارف الدینیه ، والواقعین تحت تأثیر النظریات الفردیه والتیارات العلمانیه ، فیما یخص المقطع موضع البحث من کلام الإمام ( علیه السلام ) حیث یقول : إنّ فی القرآن سبیل علاج جمیع أدوائکم ومشاکلکم ، هو أنّ المراد من الأدواء والمشکلات هی الأمراض والمشکلات المعنویه والأخلاقیه الفردیه للناس ، لکن هذا التفسیر لیس صحیحاً فی نظرنا ؛ لأنّ موضع البحث أعم من القضایا والمشکلات الفردیه والاجتماعیه .
لا یخفى أنّ التطرّق بالتفصیل لموضوع فصل الدین عن السیاسه ، وفقدان النظریه العلمانیه لأی أساس ، یستدعی فرصهً أخرى ، ورغم ذلک سیتضح من خلال بیان وتوضیح کلام أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) على مر هذا البحث هشاشه نظریه فصل الدین عن السیاسه وبطلان التیار العلمانی .
تنظیم الشؤون الاجتماعیه فی ضوء توجیهات القرآن
یقول علی ( علیه السلام ) ( أَلا إنّ فیه علم ما یأتی والحدیث عن الماضی ودواء دائکم ونظم ما بینکم ) ، فبعد تصریحه ( علیه السلام ) بأنّ فی القرآن علم الماضی والمستقبل ، وفی القرآن دواء جمیع الأدواء یذکّر ( علیه السلام ) بهذا الأمر وهو : ( ونظم ما بینکم ) ، ففی القرآن النظام والطریق لتنظیم العلاقات فیما بینکم أیّها المسلمون ، فهذا الکتاب السماوی یحدّد کیفیه علاقاتکم الاجتماعیه ، ولغرض توضیح هذه العباره الوجیزه وفی نفس الوقت الضامنه للحیاه الاجتماعیه للمسلمین لا مناص لنا من إیراد مقدمهً موجزه .
إنّ أعظم هدف لکل نظام سیاسی واجتماعی هو توفیر النظم والأمن الاجتماعی ، فلا یمکن العثور على مذهب سیاسی فی العالم ینکر هذا الهدف ، بل إنّ توفیر الأمن
الصفحه ۲۸
وإقرار النظام یقف على أساس واجبات کل حکومه ، ویقال أیضاً إنّ إقرار النظام السیاسی والاجتماعی من أهداف علم السیاسیه ، وقد دأبت کافه الأنظمه السیاسیه الحاکمه على المجتمعات البشریه على الحدیث عنه کأهم أهداف نظامها الحکومه ، ولو فی شعاراتها وإعلامها على أقل تقدیر .
دور الهدف فی الحیاه الاجتماعیه
لابد هنا من الانتباه إلى دور الهدف فی الحیاه الاجتماعیه ؛ لأنّه لا یمکن التحدّث عن النظم الاجتماعی دون اتخاذ هدف فی الحیاه الاجتماعیه ، وهذا الهدف یقتضی سلوکیات خاصه ، وبأداء هذه السلوکیات الخاصه فی إطار الحیاه الاجتماعیه یحاول الناس بلوغ ذلک الهدف ، الذی هو بدوره منبثق عن ثقافه وفکر أبناء المجتمع ، بنحو أنّ کل مجتمع یحتاج إلى نظام اجتماعی معیّن وفقاً لطبیعته الأَوّلیه وفی إطار ثقافته وفکره ؛ لذلک تحاول القوى الاستعماریه وفی إطار سیاستها الاستکباریه جرّ الشعوب باتجاه أهدافها الاستعماریه ، وتفریغها من ثقافتها الأصلیه ، وأن تُمسک بأنظمه الشعوب وثقافتها من خلال فرض ثقافه دخیله .
بناءً على هذا یجب تحری أیّ نظم تقتضیه الثقافه والفکر الذی یسود المجتمع ، ومن البدیهی أنّ الثقافه الدینیه المنبثقه عن القرآن والرؤیه التوحیدیه للکون ، تستدعی نظماً وسیاسهً تصب باتجاه تحقق الهدف من الخلقه ، وتوفیر السعاده والفلاح للإنسان فی الدنیا والآخره ؛ لأنّ سعاده الإنسان وتکامله هی غایه الإسلام والقرآن بالأساس .
ومع شدید الأسف أنّ بعض المثقفین واللیبرالیین ، الذین هم مسلمون من جهه ، ویفتقرون للبصیره الکافیه فی القضایا السیاسیه والاجتماعیه فی الإسلام من جهه أخرى ، وبالتالی فإنّ الهاجس والتعصب الدینی ضعیف جداً لدیهم ، غافلون عن هذا الأمر المهم ، وعندما یجری الحدیث عن النظم الاجتماعی یتداعى إلى أذهانهم النظم
الصفحه ۲۹
الاجتماعی المنبثق عن الدیمقراطیه الغربیه ، فی حین أنّ النظم الاجتماعی فی الغرب منبثق عن فکره العلمانی ؛ فنظراً لقله معلوماتهم الدینیه یتصور هؤلاء المثقفون أنّ تنظیم الشؤون الاجتماعیه ، وإداره المجتمع على أساس النظام ممکن فی فصل الدین عن السیاسه فقط ، وهذا بحد ذاته یُعدّ من إفرازات الاستعمار الثقافی ومن النجاحات التی حقّقتها القوى الاستکباریه ؛ حیث استطاعت تخدیر عقول مَن یصطلح علیهم مثقفی دول العالم الثالث ، وأفرغتهم من الفکر الدینی ، وبدّلتهم إلى أدوات لإشاعه ثقافتها الاستعماریه .
على أیه حال ، إنّ کل شیء ومَن بین ذلک النظام الاجتماعی یُقیّم فی الثقافه التوحیدیه والإسلامیه فی إطار الهدف من الخلقه ، ومن الطبیعی أنّ الهدف من النظام الاجتماعی فی الثقافه الدینیه والقرآنیه ، لیس توفیر الرفاه المادی والمصالح الدنیویه فقط ، بل الغایه هی التکامل الإنسانی والسعاده الأخرویه للإنسان إلى توفیر الرفاه والمصالح الدنیویه ، ومن الواضح أنّ السعاده الأخرویه ترجح على الأمور الدنیویه فی مقام التزاحم .
الآن وفی ضوء هذه المقدمه نعود إلى کلام الإمام علی ( علیه السلام ) حول دور القرآن فی إقرار النظام السیاسی والاجتماعی للمجتمع ، وندقّق فی کلامه ( علیه السلام ) ؛ کی نتعرّف أکثر على رؤیه الولایه لدور وموقع القرآن فی الحیاه الاجتماعیه .
یبیّن علی ( علیه السلام ) وبتعبیر إعجازی دور القرآن فی تنظیم الشؤون الاجتماعیه للمجتمع ، ویلفت انتباهنا إلیه ؛ لئلا نغفل عنه ، فبعد قوله ( علیه السلام ) إنّ القرآن داء لدائکم وعلاج لمشکلاتکم یقول : ( ونظم ما بینکم ) ، أی فی القرآن نظم شؤونکم والعلاقات فیما بینکم ، ربّما یعنی أنّکم إن کنتم تنشدون النظام المنشود والمعقول ، الذی ینال جمیع أبناء المجتمع حقوقهم المشروعه تحت ظلاله ، فعلیکم أن تنظّموا أمورکم على أساس تعلیمات القرآن .
لا یخفى على الواعین أنّ عباره ( ونظم ما بینکم ) تقصد الشؤون والعلاقات
الصفحه ۳۰
الاجتماعیه للأفراد ، فبالرغم من أنّ الأفراد مکلّفون أیضاً بتنظیم أمورهم الشخصیه والفردیه على أساس توجیهات القرآن ، لکن عباره ( ونظم ما بینکم ) لا تشمل نظام الأمور الشخصیه للأفراد ، کما لا یخفى على اللغویین أنّ علیاً ( علیه السلام ) یروم فی المقاطع موضع البحث بیان دور الأبعاد الاجتماعیه للقرآن الکریم ، وببیانه ( علیه السلام ) لهذا الأمر من أنّ نظمکم الاجتماعی یکمن فی القرآن الکریم ، إنّما یقول للمسلمین ولأتباعه : یجب أن تنظّموا أمورکم السیاسیه وعلاقاتکم الاجتماعیه على أساس القرآن .
من الواضح أنّ هذه الوصفه السماویه الشافیه لا تداوی داءً من الأمراض الاجتماعیه التی یعانی منها مجتمعنا ، ما دامت تعد لدى مسؤولی النظام الإسلامی إرشادات أخلاقیه غیر واجبه التنفیذ ، ولا تکون موضع قناعه واعتقاد وإیمان قلبی عندهم ، وببیانه ( علیه السلام ) لأمور حساسه فی سیاسه النظام الدینی ، إنّما یبیّن حقائق یتعذر بدون استثمارها الوصول إلى مجتمع إنسانی یقوم على أساس القسط والعدل ، وینال فیه جمیع الناس حقوقهم وتکاملهم المنشود .
بناءً على هذا ، أنّ أهم وأجدى عامل هو عامل إیمان واعتقاد وقناعه المسؤولین ، وأرباب الحکم بالبرامج والسیاسات العامه للقرآن الکریم ، فما لم یکن لدیهم إیمان قلبی ، واعتقاد راسخ بالقرآن ، وفاعلیه توجیهاته ، لحل مشکلات المجتمع وتوفیر السعاده للناس ، فإنّهم لا یکتفون بأَلاّ یجعلوا القرآن قدوتهم فی العمل بل لا یقدمون على فهم معارف القرآن أیضاً ، وبما أنّهم یحکمون فی بلد إسلامی وعلى شعب مسلم ربّما یسمّون أنفسهم مسلمین ، ویطلقون على حکومتهم اسم حکومه إسلامیه ، على صعید الظاهر والشعار ؛ لغرض الحفاظ على مکانهم بین أبناء شعبهم وسائر الشعوب الإسلامیه ، فی حین أنّ الأنموذج الحکومی الوحید الذی لیس وارداً بالنسبه إلیهم هو الحکم على أساس قوانین الإسلام والأنموذج المنبثق عن القرآن ، بید أنّ تغرّب الحکومات التی تسمّى إسلامیه عن الدین والثقافه القرآنیه لا سیما فی مجال السیاسه وإداره المجتمع لیس
الصفحه ۳۱
بالأمر الذی یجهله المسلمون ؛ لأنّ جمیع الشعوب الإسلامیه تعلم أنّ الأنظمه الحکومیه فی بلدانهم لیست إسلامیه ، وأنّ الثقافه والعقلیه الحاکمه على المسؤولین الحکومیین ، تختلف کلیاً عن العقلیه والأنموذج الذی یتبلور على أساس الثقافه القرآنیه .
إنّ ما یدفع المرء للدهشه والتعجب ، وبنفس الوقت هو موضع أسف وقلق ، الوضع الثقافی الحاکم على بلدنا الإسلامی العزیز إیران ، ففی بلد ثار وانتصر على أساس تعالیم القرآن والثقافه الدینیه وبقیاده الولی الفقیه ، من المؤسف والمقلق حقاً أن تُدلّل أحادیث ومواقف وممارسات بعض المسؤولین فی القطاع الثقافی ، على أنّهم لا یمتلکون معرفهً کافیهً بهذا الکتاب السماوی ، ولا یرون الأنموذج الحکومی المنبثق عنه أکثر کفاءه من کل أنموذج آخر شرقی أو غربی ، فهؤلاء دائمو التراجع عن أصول الثوره الإسلامیه والقیم الدینیه ؛ وبسبب افتقارهم للإیمان الکافی والیقین القلبی ، یصرّحون دون خجل تارهً بالتلویح ، وأخرى بالتصریح ، قائلین لقد ولّى زمن حاکمیه القرآن وفاعلیه الثقافه الدینیه على صعید الحکم ، ولا حاجه للمجتمع البشری فی هذا الزمان للوحی الإلهی ، وهو لوحده قادر على طرح مناهج أفضل لإداره المجتمع وتوفیر الأمن وإقرار النظام .
کان مناسباً أن نشیر إلى ظلم الأنظمه الحکومیه القائمه فی العالم ، والکوارث والجرائم التی تُقترف بحق الشعوب باسم الأنظمه المتطوره المتحضره ؛ لینکشف أکثر خَواء الکلام الآنف الذکر ، وعدم إیمان وانهزامیه القائلین به ، لکنّنا لکی لا نبتعد عن صلب الموضوع ، ونتجنّب الإطاله فی الحدیث ، نغض الطرف عن الحدیث عن الإجحاف ، وهضم حقوق البشر والظلم والجریمه ، وانعدام الأمن الموجود فی الأنظمه الوضعیه .
على أیه حال إنّما تتجلّى کفاءه الحکومه القائمه على أساس تعالیم القرآن فی توفیر القسط والعدل والنظام فی المجتمع ، عندما یکون لدى المسؤولین وأرباب الحکم قناعه
الصفحه ۳۲
ویقین قلبی بها ، ویضعون قوانین القرآن وتعالیمه نصب أعینهم على الصعید العملی ، وإلاّ فلن یحکم على المجتمع ، وعلیه فإنّ حاکمیه القرآن فی المجتمع رهن بإیمان کوادر الحکومه ، واعتقادهم القلبی بهذا الکتاب السماوی ، وهذا الأمر بدوره منوط بمعرفتهم بهذه الوصفه الإلهیه الشافیه ، وشعورهم بالحاجه للدین والحکومه الإلهیه ، وهذا الشعور لا یتأتى إلاّ بخلق روح العبودیه وإزاله روح الاستکبار والتعالی فی مقابل حاکمیه الله سبحانه وتعالى ، فروح الاستکبار هی تلکم الروح المذمومه التی هبطت بالشیطان من رحاب التشرف بمرتبه الملائکه والقرب من عرش الله وتسبّبت بشقائه الأبدی .
جدیر فی هذا المجال أن نصغی لکلام علی ( علیه السلام ) فی الخطبه ۱۷۵ التی یبیّن فیها العواقب الوخیمه للابتعاد عن القرآن الکریم ، فهذا الکلام إنذار للذین یصفون أنفسهم أتباعاً لعلی ( علیه السلام ) من جهه ، ومن جهه أخرى یرون عدم کفایه القرآن والأنموذج الحکومی المنبثق عنه لإداره المجتمع البشری المعاصر ، ویرجّحون النتاجات الفکریه الناقصه للإنسان على الحکومه الولائیه للقرآن فی رسم السیاسات الحکومیه ، على أمل أن یزداد جمیع أبناء شعبنا ـ لا سیما المخطّطین والمتصدین للشؤون الحکومیه فی ظل هذه التعلیمات ـ إیماناً بضروره محوریه القرآن فی المجتمع الإسلامی ، وتوظیف تعالیمه فی میادین العمل .