التوحید فی الذات ۳
معنى کونه تعالى واحداً
الوحده على قسمین :
۱ـ الوحده العددیه : وهی عباره عن کون شیء واقعاً تحت مفهوم عام وجد
منه مصداق واحد ، وذلک مثل مفهوم الشمس الذی هو مفهوم وسیع قابل للإنطباق
على کثیر ، غیر أنّه لم یوجد فی عالم الحسّ منه إلاّ مصداق واحد مع إمکان وجود
مصادیق کثیره له . وهذا هو المصطلح علیه بـ « الواحد العددی» .
۲ـ الوحده الحقیقیه : وهی عباره عن کون الموجود لاثانی له ، بمعنى أنّه لا
یقبل الاثنینیه ، ولا التَکَثّر ولا التکرر . وذلک کصرف الشیء المجرد عن کل
خلیط. مثلاً: الوجود المطلق عن کل قید ، واحد بالوحده الحقه ؛ لأنّه لا ثانی
له ؛ لأَنّ المفروض ثانیاً ـ بما أنّه لا یتمیّز عن الأوّل ـ لا یمکن أن یعد شیئاً آخر ، بل
یرجع إلى الوجود الأَوّل.
وعلى ضوء ذلک ، فالمراد من کون الشمس واحده هو أنّها واحده لا اثنتان ، ولا
ثلاث ، ولا… ولکن المراد ، من کون الوجود المطلق ، ـ منزهاً عن کل قید ـ
واحدٌ ، أنّه لا ثانی له ، ولا مثیل ، ولا شبیه ، ولا نظیر ، أی لا تتعقل له الإثینیه والکثره ؛ لأن
ما فرضته ثانیاً ، بحکم أنّه منزه عن کل قید وخلیط یکون مثل الأوّل ، فلا یتمیّز ، ولا
________________________________________
(۱۳)
یتشخص ، فلا یکون متحققاً ؛ لأنّ الکثره رهن دخول شیء مغایر فی حقیقه
الشیء ، مثلاً : البیاض بما هو بیاض ، لا یتصور له الاِثنینیه ، إلاّ إذا دخل فیه شیء
غیره ، کتعدد المحل ، فیتعدد البیاض ، ولولا ذلک لصار البیاض صرف الشیء ،
وهو غیر قابل للکثره . یقول الحکیم السَبْزَواری فی هذا الصدد:
وَمَالَهُ تَکثُّرٌ قَدْ حَصَلا * فَفِیهِ ما سِواءُ قَدْ تَخَلّلا
إِنَّ الوُجُودَ مَا لَهُ مِنْ ثَان * لَیْسَ قُرىً وَراءَ عَبَّادانِ(۱)
والمراد من کونه سبحانه واحداً ، هو الواحد بالمعنى الثانی ، أی لیس له
ثان ، ولا تتصور له الإثنینیه والتعدد.
ولأجل ذلک یقول سبحانه فی تبیین هذه الوحده: { وَلَمْ یَکُنْ لَهُ کُفُوًا أَحَدٌ } ، أی واحدٌ لا نظیر له.
والعجب إنَّ الإمام أمیرالمؤمنین علیاً ـ علیه السَّلام ـ قام بتفسیر کونه تعالى
واحداً ، عندما کان بریق السیوف یشد إلیه العیون ، وضربات الطرفین تنتزع
النفوس والأرواح فی معرکه (الجمل) ، فأحسّ ـ علیه السَّلام ـ بأنَّ تحکیم
العقیده ، وصرف الوقت فی تبیینها لا یقصر فی الأَهمیه عن خوض المعارک ضد أهل
الباطل.
روى الصدوق أنّ أعرابیاً قام یوم الجمل إلى أمیر المؤمنین ـ علیه السَّلام ـ
فقال : « یا أمیر المؤمنین أتقول إنَّ الله واحد ، قال فحمل الناس علیه ، وقالوا: یا
أعرابی أماترى ما فیه أمیر المؤمنین من تقسم القلب ، فقال أمیر المؤمنین: دعوه ،
فإنَّ الذی یریده الأَعرابی هو الذی نریده من القوم »… ثمّ قال شارحاً ما سأل عنه
الأعرابی: « وقول القائل واحد ، یقصد به باب الأَعداد ، فهذا ما لا یجوز ؛ لأنَّ ما
لا ثانی له ، لا یدخل فی باب الأعداد ، أماترى أنَّه کفّر من قال: «ثالث
ثلاثه » ».
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) شرح المنظومه : ص ۳۳۳٫
________________________________________
(۱۴)
ثمّ قال : « معنى هو واحد : أنَّه لیس له فی الأَشیاء شَبَه ، کذلک ربنا. وقول
القائل إنّه عزّ وجلّ أحَدِیُّ المعنى یعنی به ، أنّه لا ینقسم فی وجود ولاعقل ولاوهم ،
کذلک ربنا عزّ وجلّ » (1).
فالإمام ـ علیه السَّلام ـ لم یکتف ببیان المقصود من توصیفه سبحانه بأنّه واحد ،
بل أشار إلى معنى آخر من معانی توحیده ، وهو کونه أحَدِىَّ الذات ، الذی
یهدف إلى کونه بسیطاً لا جزء له فی الخارج والذهن . وهذا المعنى هو الذی نطرحه
على بساط البحث فی القسم الثانی من التوحید الذاتی .
إذا عرفت ذلک فلنرجع إلى بیان البراهین العقلیه على توحیده سبحانه بمعنى
کونه واحداً لا ثانی له.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) توحید الصدوق: ص ۸۳ ـ ۸۴٫