التوحیدفی الصفات ۱
الثالث : نظریه الإِمامیه : عینیه الصفات والذات
هذه النظریه لا تعنی نظریه النیابه ، فإنّ تلک مبنیه على نفی العلم
والقدره عنه سبحانه ، غیر أن ما یترقب منهما یترتب على ذاته سبحانه ، وقد
اشتهر قول تلک الطائفه : « خذ الغایات واترک المبادی » ، فما هو المطلوب
من العلم تقوم به الذات ، وإن لم یکن فیها علم ولا قدره . أُولئک هم
المعروفون بنفاه الصفات ، وقد فروا من مضاعفات القول بالصّفه أعنی
الترکب ، إلى نفی الصفات رأساً ، وهو أشبه بالفرار من المطر إلى تحت
المیزاب.
وأمّا نظریه العینیه فهی تعترف بوجود العلم والقدره فی مقام الذات ،
ولکن تدّعی أن العرضیه لیست أمراً لازماً للعلم ، بل تاره یکون عرضاً ،
وأُخرى یکون جوهراً کعلم النفس بذاتها ، وثالثه فوق العرض والجوهر فیکون
واجباً قائماً بنفسه ، فهذا یباین نظریه نفاه الصفات مباینه الشرق للغرب.
والدلیل على العینیه هو أنَّ القول باتحاد ذاته سبحانه مع صفاته یوجب
غناؤه فی العلم بما وراء ذاته عن غیره ، فیعلم بذاته کل الأشیاء من دون
حاجه إلى شیء وراء الذات ، وهذا بخلاف القول بالزیاده ؛ فإنّه یستلزم افتقاره
سبحانه فی العلم بالأشیاء ، وخلقه إیّاها إلى أمور خارجه عن ذاته ، فهو یعلم
بالعلم الذی هو سوى ذاته ، ویخلق بالقدره التی هی خارجه عن حقیقته ،
ویحیا بحیاه غیر ذاته ، والواجب سبحانه منزه عن الإِحتیاج إلى غیر ذاته ،
فهو غنی فی ذاته وفعله عمّن سواه ، والأَشاعره وإنْ کانوا قائلین بأَزلیه
الصفات مع زیادتها على الذات ، لکن الأَزلیه لا تدفع الفقر والحاجه عنه ؛
لأنّ الملازمه غیر العینیه فکون ذاته سبحانه ملازمه لهذه الصفات المغایره من
الأزل غیر کونها نفس هذه الصفات.
وباختصار : إنَّ کون الصفات عندهم غیر الذات عین القول بحاجته
فی العلم والإِیجاد إلى غیر ذاته ؛ فإنّ نتیجه فصل الذات عن الصفات هی إنّه
________________________________________
(۳۹)
یستعین فی تحصیل العلم بعلم منفصل ، وفی الإیجاد بقدره خارجه عن
ذاته . وبالجمله : إنَّ التحرّز عن تعدد القدماء أوّلاً ، وحاجته سبحانه فی مقام
الفعل إلى غیر ذاته ثانیاً ، یجرنا ـ مع الاعتراف بأنَّ له سبحانه أوصافاً من علم
وقدره وغیرهما ـ إلى القول بعینیه الصفات والذات.
بساطه الذات وتعدد الصفات کیف یجتمعان؟
لقد قادتنا البراهین السابقه إلى بساطه الذات الإلهیه ، وخلوها عن أی
نوع من أنواع الترکیب العقلی الخارجی ، وهنا یطرح هذا السؤال نفسه وهو :
کیف یجتمع تعدد الأسماء والصفات مع بساطه الذات؟ ألیس یستلزم تعدد
الصفات ترکُّب الذات الإِلهیه من صفات متعدده؟
والجواب عن ذلک بوجهین:
الأوّل: إنَّ السؤال إنّما یتوجه إذا کان کل واحد من هذه الصفات
یشکّل جزءاً خاصاً ، ویحتل موضعاً معیناً من ذاته سبحانه ، وحینئذٍ یمکن القول
بأنّه یستلزم الترکیب فی ذاته سبحانه ، ولکن إذ قلنا بأنَّ کل واحد من هذه
الصفات یشکل تمام الذات برمتها وأسرها ، فحینئذٍ لا یبقى مجال لتصور
الترکیب فی شأنه تعالى ؛ إذ لا یمتنع کون الشیء على درجه من الکمال
یکون فیها کلّه علماً ، وکلّه قدره ، وکلّه حیاه ، دون أن تظهر أیه کثره فی
ذاته . نعم ، لو کانت هناک کثره ، فإنَّما هی فی عالم المفهوم دون الواقع
الخارجی ؛ إذ عندئذٍ تکون ذاته سبحانه مصداق العلم ومطابقه ـ وفی الوقت
نفسه ـ مصداق القدره ومطابَقَها ، بلا مغایره ولا تعدد.
ولتقریب هذا المعنى نشیر إلى مثال فی عالم الممکنات ، وهو أنَّ
الإِنسان الخارجی بتمام وجوده مخلوق لله سبحانه ، وفی الوقت نفسه معلوم له
سبحانه ، فمجموع الوجود الخارجی ، کما هو مصداق لقولنا إِنَّه مخلوق لله
ومطابَق له ، مصداق ومطابَق لقولنا إنَّه معلوم للّه ، من دون أنْ یُخصَّ جزء
________________________________________
(۴۰)
بکونه معلوماً وجزء بکونه مخلوقاً ، بل کله معلوم لله فی عین کونه مخلوقاً له ،
ولیست جهه المعلومیه فی الخارج غیر جهه المخلوقیه.
وباختصار : یصح انتزاع المفاهیم الکثیره من الواحد البسیط البحت ،
وهذا على التقریب کالنّور ؛ فإنَّ الإِضاءه والحراره من خواصّ النور ، ولیست
الأُولى مختصه بناحیه من وجوده ، والثانیه بناحیه أُخرى منه ، بل النور بتمامه
مضیء ، کما أنَّه بتمامه حار ، فالشیء الخارجی ـ أعنی : النور ـ مصداق
لمفهومین ؛ المضیء والحار.
الثانی: إنَّ وجوده سبحانه هو الکمال المطلق والوجود الأَتم ، وأمَّا
انتزاع المفاهیم الکثیره مثل العالم والقادر ، فإنّما هو بالنظر إلى تجلیاته
المختلفه فی العالم الإِمکانی . فإن إِتقان الفعل وظرافته دلیل کونه قادراً ،
کما أنَّ الصنع على سنن معقده آیه کونه عالماً بهذه السنن والنُّظُم ،
وهکذا . فتجلّیه سبحانه على العالَم بالشؤون المختلفه صار سبباً لانتزاع
مفاهیم کثیره منه ، هذا.
ولکنَّ الجواب الأوّل أتقن وأنسب بالأُسس التی قدمناها.
عینیه الصفات والذات فی النّصوص الإِسلامیه
إنَّ عینیه الصفات والذات ممّا قادنا إلیه العقل ، وتضافرت علیه السنّه عن
سیّد الموحدین أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب ، فهو سلام الله علیه أوّل مَن
أصْحرَ بالحقیقه ، وجَهَرَ بها فی تلک العصور التی لم یکن فیها خبر عن نظریه
المعتزله (النیابه) ، ولا الأشاعره (الزیاده).
قال أمیر المؤمنین: « وَکَمَالُ الإِخْلاصِ له نَفْیُ الصِفاتِ (الزائده)
عَنْهُ ، لِشَهادَهِ کُلِّ صِفَه أنّها غَیْرُ المَوْصُوفِ ، وَشَهادَهِ کُلِّ مَوْصُوف أنّهُ غَیْرُ
الصِّفَهِ ، فَمَنْ وَصَفَ اللّهَ (أی بوصف زائد على ذاته) فَقَدْ قَرَنَهُ (أی قرن
________________________________________
(۴۱)
ذاته بشیء غیرها) ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنّاهُ ، وَمَنْ ثَنّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ
جَهِلَهُ » (1).
وفی هذا الکلام تصریح بعینیه الصفات للذات ، وفیه إِشاره إلى برهان
الوحده ، وهو أنَّ القول باتحاد صفاته مع ذاته یوجب تنزیهه تعالى عن
الترکیب والتجزئه ، ونفی الحاجه عن ساحته ، ولکن إذا قلنا بالتعدد والغیریّه ،
فذلک یستلزم الترکیب ویتولد منه التثنیه ، والترکیب آیه الحاجه ، والله الغنی
المطلق لا یحتاج إلى من سواه.
وقال الإِمام الصادق ـ علیه السَّلام ـ : « لَمْ یَزَلِ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ رَبُّنَا ،
والعِلمُ ذاتُهُ ولا معلوم ، والسمعُ ذاتهُ ولا مسموع ، والبَصَرُ ذاتُه ولا مُبْصَر ،
والقُدْرَهُ ذاتُهُ ولا مَقْدُور» (2).
والإِمام ـ علیه السَّلام ـ یشیر إلى قسم خاص من علمه سبحانه ـ وراء
عینیه صفاته وذاته ـ وهو وجود علمه بلا معلوم ، وسمعه بلا مسموع . وما هذا
إلا لأجل أنَّ ذاته من الکمال والجمال إلى حدّ لا یشذّ عن حیطه وجوده أی
شیء ، وتشریح هذا القسم من العلم یطلب من الکتب الفلسفیه.
وهناک روایات أُخرى عن العتره الطاهره یقف علیها مَن خاض
أحادیثهم ، وقد جمعها الشیخ الصدوق فی کتاب (التوحید) ، والعلامه
المجلسی فی )کتاب البحار) ، وکل ذلک یدل على أنَّ الأُمه أخذت التوحید
فی هذه المجالات عن باب علم النبی علی بن أبی طالب ـ علیه السَّلام ـ ،
وأنّ المعتزله أخذوا ما قالوا به من التَّوحید من ذلک المصدر ، کیف وهم عیال
علیه فی تلک المباحث کلها (۳).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) نهج البلاغه : الخطبه الأُولى.
(۲) التوحید للصدوق : ص ۱۳۹٫
(۳). إنَّ حیاه المعتزله العلمیه تدل على أنَّ رئیسهم واصل بن عطاء تتلمذ على أبی هاشم ابن
محمّد بن الحنفیه ، وهو على أبیه عن علی ـ علیه السَّلام ـ . وقد أوضح الأستاذ دام ظله انتهاء
أصول المعتزله إلى علی ـ علیه السَّلام ـ فی موسوعته الکبیره « مفاهیم القرآن» فلاحظ ، ج ۴،
ص ۳۷۹ ـ ۳۸۱٫