التوحید فی الخالقیه ۲

0

نظریه الأشاعره فی التوحید فی الخالقیه
ذهبت الأشاعره إلى أنَّ المراد من التوحید فی الخالقیه هو حصر الخلق
والإِیجاد على الإِطلاق بالله سبحانه ، وأنّه لیس فی صفحه الوجود مؤثر وموجد
وخالق إلاّ الله سبحانه ، وأمَّا غیره ، فلیس بمؤثر ، ولا خالق لا على وجه
الاستقلال ، ولا على وجه التبعیه.
وعلى ذلک الأساس أنکرت العلّیه والمعلولیه ، والتأثیر والتأثّر بین
الموجودات الإِمکانیه ، فزعمت أنَّ آثار الظواهر الطبیعیه کلها مفاضه منه
سبحانه ، من دون أن یکون هناک رابطه بین الظاهره المادیه وآثارها ، فعلى
مذهبهم « النار حارّه » بمعنى أنَّه جرت سنَّه الله على إیجاد الحراره عند وجود
النار مباشره من دون أنْ تکون هناک رابطه بین النار وحرارتها ، والشمس
وإضاءتها ، والقمر وإنارته ، بل الله سبحانه جرت عادته على إیجاد الضوء
والنور مباشره عقیب وجود الشمس والقمر من دون أنْ یکون هناک نظام وقانون
تکوینی باسم العلّیه والمعلولیّه . وعلى ذلک فلیس فی صفحه الوجود إلاّ عله
واحده ، ومؤثر واحد ، یؤثر بقدرته وسلطانه فی کل الأشیاء ، من دون أن
یُجری قدرته ، ویُظهر سلطانه عن طریق إیجاد الأسباب والمؤثِرات . بل هو
بنفسه الشخصیه قائم مقام جمیع ما یتصور من العلل و الأسباب التی کشف
عنها العلم طیله قرون.
هذا ما یتبناه الأشعری وأتباعه . ناسبین إیّاه إلى أهل السنه والجماعه ،
________________________________________
(۴۶)
فهم لا یقیمون للعلل الطبیعیه وزناً ، فعامل الحمى فی المریض هو الله
سبحانه ، ولیس للجراثیم دور فی ظهورها فیه ، ومثل ذلک سائر الظواهر
الطبیعیه من تفتح الأزهار ، ونمو الأشجار، فالکل مخلوق لله سبحانه بلا
واسطه ، ولا تسبیب سبب من الأسباب.
وعلى هذا الأصل جعلوا أفعال العباد مخلوقه لله سبحانه مباشره ، ولم
یقیموا للقدره الحادثه فی العبد وزناً ، ولم یعترفوا بتأثیرها فی فعله ، فصار کل ما
فی الکون من آثار الفاعلین ، عالمین کانوا أم لا ، صادراً منه سبحانه مخلوقاً
له (۱).

تحلیل نظریه الأَشاعره
إنَّ تفسیر التوحید فی الخالقیه بهذا المعنى ، بما أنَّه لا یستند إلى دلیل
عقلی بل یستند إلى ظواهر الآیات التی وقفت علیها ، فلا مناص فی تحلیله
من الرجوع إلى نفس الذکر الحکیم حتى یعلم أنَّه غیر معترف بهذا التفسیر
بل ینکره جداً.
إنَّ الآیات القرآنیه تعترف بوضوح بقانون العلیّه والمعلولیّه بین الظواهر
الطبیعیه ، وتسند الآثار إلى موضوعاتها ـ وفی الوقت نفسه تسندها إلى الله
سبحانه ـ حتى لا یغتر القارئ بأنَّ آثار الموضوعات متحققه من تلقاء نفسها .
والآیات الوارده فی هذا المجال کثیره ، نکتفی بالقلیل منها.
۱ ـ قال سبحانه: { وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا
لَکُمْ }(۲).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) سیأتی البحث والتحلیل فی خصوص هذه الناحیه فی مباحث الجبر والتفویض فی الفصل
السادس من الکتاب، بإذنه تعالى.
(۲) سوره البقره: الآیه ۲۲٫
________________________________________
(۴۷)
۲ ـ وقال عزّ مِنْ قائِل : {أَوَلَمْ یَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ
فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْکُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ یُبْصِرُونَ}(۱).
فالکتاب العزیز یصرّح فی هاتین الآیتین بجلاء بتأثیر الماء فی الزرع ؛ إذ
إنَّ الباء فی « به» فی الموردین بمعنى السببیه . وأوضح منهما الآیه التالیه.
۳ ـ قال سبحانه :{وَفِی الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ
وَزَرْعٌ وَنَخِیلٌ صِنْوَانٌ وَغَیْرُ صِنْوَانٍ یُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى
بَعْضٍ فِی الأُکُلِ إِنَّ فِی ذَلِکَ لآیاتٍ لِقَوْمٍ یَعْقِلُونَ}(۲).
فإِنَّ جمله : { یُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ } کاشفه عن دور الماء وأثره فی إِنبات
النباتات وإِنماء الأَشجار ، ومع ذلک یتفضل بعض الثمار على بعضها. ومَن
أمعن النظر فی القرآن الکریم یقف على کیفیه بیانه للمقدمات الطبیعیه لنزول
الثلج والمطر من السماء من قبل أنْ یعرفها العلم الحدیث ، ویطّلع علیها
بالوسائل التی یستخدمها لدراسه الظواهر الطبیعیه ، واکتشاف عللها
ومقدماتها . ویتضح ذلک بدراسه الآیتین التالیتین:
۴ ـ قال سبحانه: { اللَّهُ الَّذِی یُرْسِلُ الرِّیَاحَ فَتُثِیرُ سَحَابًا فَیَبْسُطُهُ فِی
السَّمَاءِ کَیْفَ یَشَاءُ وَیَجْعَلُهُ کِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ یَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ
مَنْ یَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ یَسْتَبْشِرُونَ}(۳).
فقوله سبحانه: { فَتُثِیرُ سَحَابًا } صریح فی أنَّ الریاح تحرک السَّحاب ،
وتسوقها من جانب إلى جانب.
۵ ـ قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ یُزْجِی سَحَابًا ثُمَّ یُؤَلِّفُ بَیْنَهُ ثُمَّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) سوره السجده: الآیه ۲۷٫
(۲) سوره الرعد: الآیه ۴٫
(۳) سوره الروم: الآیه ۴۸٫
________________________________________
(۴۸)
یَجْعَلُهُ رُکَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ یَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَیُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِیهَا
مِنْ بَرَدٍ فَیُصِیبُ بِهِ مَنْ یَشَاءُ وَیَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ یَشَاءُ یَکَادُ سَنَا بَرْقِهِ یَذْهَبُ
بِالأَبْصَارِ}(۱).
فالآیه الرابعه تُسند حرکه السحاب إلى الریاح وتقول : { فَتُثِیرُ سَحَابًا } ،
وهذه الآیه تسندها إلى الله سبحانه وتقول: { أَنَّ اللَّهَ یُزْجِی سَحَابًا } ، وکلا
الإِسنادین صحیح ، حیث إنَّ الریاح جند من جنوده سبحانه ، وسبب من أسبابه
التی تعلقت مشیئته على نزول الفیض من طریقها ، ولأجل ذلک یَعُدّ فِعْلَها
فِعْلَهُ . والکُلّ قائم به قیام الممکن بالواجب.
۶ـ قال سبحانه:{ وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَهً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَیْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ
وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ کُلِّ زَوْجٍ بَهِیجٍ}(۲).
فالآیه تصرح بتأثیر الماء فی اهتزاز الأَرض وربوتها ، ثمّ تصرح بإنبات
الأَرض من کل زوج بهیج .
۷ـ قال سبحانه : {مَثَلُ الَّذِینَ یُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِی سَبِیلِ اللَّهِ کَمَثَلِ
حَبَّهٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِی کُلِّ سُنْبُلَهٍ مِائَهُ حَبَّهٍ وَاللَّهُ یُضَاعِفُ لِمَنْ یَشَاءُ وَاللَّهُ
وَاسِعٌ عَلِیمٌ }(۳).
فالآیه تسند إنبات السبع سنابل إلى الحبه.
وحصیله البحث : أنَّه سبحانه یسند الإِنبات فی هذه الآیات إلى الأَرض
والحبّ ، ولکنه یسند ـ فی الوقت نفسه ـ ذلک الفعل إلى ذاته ویقول :
{ وَأَنزَلَ لَکُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَهٍ مَا کَانَ لَکُمْ أَنْ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) سوره النور: الآیه ۴۳٫
(۲) سوره الحج: الآیه ۵٫
(۳) سوره البقره: الآیه ۲۶۱٫
________________________________________
(۴۹)
تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أََإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ یَعْدِلُونَ}(۱).
ویقول أیضاً: { وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِیهَا مِنْ کُلِّ زَوْجٍ
کَرِیمٍ}(۲). ولا اختلاف بین الآیات فی جمیع هذه المجالات ؛ إذ الفعل فعل
الله سبحانه بما أنَّه مُنشئ الکون وموجده ، ومسبب الأَسباب ومکونها . کما
هو فعل السبب ، لصله بینه وبین آثاره ، والأَسباب والعلل على مراتبها
مخلوقات لله مؤثرات بإذنه ، ولیس الإِسنادان فی درجه واحده وعَرْض
واحد ، بل أحدهما فی طول الآخر.
۸ـ قال سبحانه : { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَیْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِی
الأَرْضِ رَوَاسِیَ أَنْ تَمِیدَ بِکُمْ }(۳).
أی جَعَلَ على ظهر الأرض ، الجبال الثوابت لئلا تضطرب بکم ، فقد
نسب صیانه الإِنسان عن الاضطراب والمَیَدان إلى نفسه حیث قال :
{ وَأَلْقَى }. وإلى سببه حیث قال :{ رَوَاسِیَ أَنْ تَمِیدَ بِکُمْ } ، أی لغایه أن
تصونکم الرواسی عن مَیَدان الأرض بکم کرواسی السفن الصائنه لها عن
المَیدانَ والاضطراب . والکل یهدف إلى أمر واحد ، وهو الذی ورد فی قوله
سبحانه: { هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِی مَاذَا خَلَقَ الَّذِینَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِی
ضَلاَلٍ مُبِینٍ}( ۴). أی هذا الذی تشاهدونه فی السماء والأرض وما بینهما
من الأسباب والمسبَّبات کلّه مخلوق لله ، والأسباب جنوده والآثارُ آثار للسَّبَبِ
وللمسبِّبِ ( بالکسر) . ما ذکرناه تحلیل لنظریه الأشعری فی ضوء الوحی ، وقد
عرفتَ أن الوحی یردها بحماس.
وهناک تحلیل فلسفی لها ، وهو أنّه لا شکّ أنَّ کثیراً ممّا نجده من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) سوره النمل: الآیه ۶۰٫
(۲) سوره لقمان: الآیه ۱۰٫
(۳) سوره لقمان: الآیه ۱۰٫
(۴) سوره لقمان: الآیه ۱۱٫
________________________________________
(۵۰)
الموجودات الممکنه المادیه تتوقف فی وجودها على شروط لا تتحقق
بدونها ، کالإِنسان الذی هو ابن فلان ؛ فإن لوجود الابن توقفاً على وجود
الوالدین ، وعلى شرائط أخرى کثیره زمانیه ومکانیه ، فمن الضروری أنَّ ما
یتوقف علیه وجود الشیء یُعَدّ جزءاً من العله التامه . وعلى هذا ، لا یصح
عدّه سبحانه عله تامه وحدها لهذه الظاهره أی کون زید ابن فلان.
نعم هو بالنسبه إلى مجموع العالم عله تامه ؛ إذ لا یتوقف على شیء
غیره سبحانه ، وأمَّا سائر أجزاء العالم کوجود زید فهو سبحانه جزء العله التامه ؛
ضروره توقفه على ما هو قبله من العلل ، وما هو معه من الشرائط
والمُعِدّات (۱).
والذی یوضح ذلک أنَّ أَفعالاً لا یمکن إسنادها إلى الله سبحانه
مباشره کأکل زید وشربه ، ومشیه وقیامه وقعوده ؛ فإنَّ تحقق هذه العناوین
یتوقف على وجود زید وأعضائه من فمه ولسانه ، ورجلیه وعضلاته ؛ فإِنَّ لها دخاله
فی تحقق هذه الأَفعال ، فکیف یمکن إنکار دخالتها؟ فهذه الأَفعال لا تستند
إلا إلى الموجود المادی مباشره ، وإلى الواجب سبحانه على وجه التسبیب
والسببیه الطولیه (۲).
فمن وقف على مجموعه کبیره من الآیات فی هذا المجال لم یشکّ فی
أنَّ القرآن یعترف بناموس السببیه بین الأشیاء وآثارها ، وإِنّهاء کل الکون إلى
ذاته تبارک و تعالى . فلا یصح عندئذٍ حصر الخالقیه والعلیه الأَعم من الأَصلیه
والتبعیه بالله سبحانه ، وتصویر غیره من الأَسباب أُموراً عاطلهً غیر مفیده
لشیء. وجعل القدره الحادثه فی العبد شیئاً مقترناً بإیجاده سبحانه فعل
العبد . وعلى ذلک فیجب تفسیر حصر الخالقیه وتوحیدها على وجه یناسب
مع جمیع الآیات الماضیه التی تدل على الحصر ، وأنَّه لا خالق غیره ، وفی
الوقت نفسه یعترف بتأثیر العلل وإیجادها . وهذه هی النظریه التی نتلوها
علیک بإذنه سبحانه.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) المیزان : ج ۱۵، ص ۱۳۸٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.