فی معالم الإیمان والکفر

0

الأصلُ العشرون بعد المائه: حدّ الإیمان والکُفر
إنّ حدَّ «الإیمان» و «الکُفر» من المباحث الکلامیّه والإعتقادیه الهامّه جدّاً.
فالإیمان فی اللُّغه یعنی التّصدیق و «الکُفر» یعنی السَتر، ولهذا یُقال للزارع «کافر» لأنّه یستر الحبَّهَ بالتراب، ولکن المقصود من «الإیمان» فی المصطلَح الدینیّ (وفی علم الکلام والعقیده) هو الإعتقاد بوحدانیَّه الله تعالى، والآخره ورساله النبی الخاتم محمّد المصطفى ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ .
على أنَّ الإیمان برساله النبیّ الخاتِم یشمُلُ الإیمانَ بِنبوّه الأنبیاء السابقین علیه، والکتب السّماویه السابقه، وما أتى به نبیُّ الإسلام من تعالیم وأحکام إسلامیّه للبشر من جانب الله أیضاً.
إنّ المکان الواقعی والحقیقی للإیمان هو قلب الإنسان وفؤادُه کما یقول القرآن:
( أُولئِکَ کَتَبَ فی قُلُوبِهِمُ الإِیمَانَ) ([۱] ) . کما أنّه یقول لسُکّان البَوادی الذِین استسْلَمُوا لِلحاکمیّه الإسلامیه وسلطتها من دون أن یَدخلَ الإیمانُ فی أفئدتِهِم:
( وَلَمَّا یَدْخُلِ الإیمانُ فی قُلُوبِکُمْ) ([۲] ) .
ولکنّ الحکمَ بإیمان الشخص مشروطٌ بأن یعبّر عن ذلک بِلسانه وإقرارِهِ اللفظی أو یُظهِرَه بطریق آخر، أو لا یُنکر اعتقادَه به على الأقل، وذلک لأنّ فی غیر هذه الصوره لا یُحکم بإیمانِهِ کما قال :
( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَیْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) ([۳] ) .
فی ضوءِ هذا یکونُ قد تبیَّنَ معنى «الکفر» وحدّه أیضاً، فاذا أنکر شخصٌ وحدانیّهَ الحقِّ تعالى، أو أنکرَ یومَ القیامه، أو رساله النبیّ الأکرم ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ حُکِمَ بکفره حتماً، کما أنّ إنکار أحد مسلّمات الدین المحمدیّ وضروریّاته التی یکون إنکارها مستلزِماً لإنکار رسالهِ النبیّ ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ بشکل واضح یجعلُ الإنسانَ محکوماً بالکفر أیضاً.
فعندما أعطى رسولُ الله ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ الرایه لعلی ـ علیه السَّلام ـ لفتحِ قِلاعِ خیبر، وأخبرَ الناسَ بأن حاملَ هذه الرایه سیفتح خیبراً، فی هذه اللحظه قال الإمامُ علیٌ ـ علیه السَّلام ـ لرسول اللهِ ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ : یا رسولَ الله على مَ أُقاتلهُمْ؟؟
فقال النبیُّ ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ : «قاتِلْهُمْ حَتّى یَشهَدُوا أنْ لا إِله إلاّ اللهُ وأنّ محمداً رسولُ الله، فإذا فَعَلُوا ذلک فقد مَنَعوا مِنْکَ دِماءَهُمْ وأموالَهم إلاّ بحقها، وحسابُهم على الله».([4] )
وسَأَلَ شخصٌ الإمامَ الصادق ـ علیه السَّلام ـ فقال: ما أدنى ما یکونُ به العَبدُ مُؤمِناً؟
قالَ ـ علیه السَّلام ـ : «یَشْهَد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ مُحمداً عبدُهُ ورسولهُ، ویُقرّ بالطّاعَهِ، ویعرف إمامَ زمانِهِ، فاذا فَعل ذلکَ فَهُو مؤمِنٌ».([5] )
الأصلُ الواحدُ والعشرون بعد المائه: الإیمان مشروط بالالتزام بالعمل الصالح
إنّ حقیقهَ الإیمان وان کانت هی الإعتقاد القلبی (المشروط بالإظهار أو عدم الإنکار على الأقلّ) ولکن یجب ان لا یُظَنَّ أنّ هذا القَدَر من الإیمان کاف فی فلاحِ الإنسانِ، بل یجب على الشَخْصِ أن یَلتَزِمَ بلوازم الإیمان وآثاره العَمَلیّه أیضاً.
ولهذا فقد وُصِف المؤمنُ الواقعی وعُرّف فی کثیر من الآیات والرّوایات بأنه الملتزم بآثار الإیمان، والمؤدّی للفرائض الإلهیّه.
فقد اعتبر القرآنُ الکریمُ فی سوره «العصر» کلّ الناس فی خسر إلاّ من اتّصف بالصّفات التالیه حیث قال:
( إِلاَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالحَقّ وَتَواصَوْا بِالصَّبرِ) ([۶] ) .
وقد روى الإمامُ الباقر ـ علیه السَّلام ـ عن الإمام علی ـ علیه السَّلام ـ أن رجلاً قال له: من شهد أن لا إله إلاّ اللهُ وأنّ محمّداً رسولُ الله ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ کانَ مؤمناً؟
قال: «فأینَ فرائضُ الله»؟([۷] )
وَقال ـ علیه السَّلام ـ أیضاً: «لو کانَ الإیمان کلاماً، لم ینزلْ فیه صومٌ، ولا صلاهٌ، ولا حلالٌ، ولا حرام».([8] )
فیُستنتَج من البَیان السابق أنّ الإیمان ذو مراتب ودَرَجات، وأنّ لکلِ مرتبه أثراً خاصّاً بها، وأن الاعتقاد إذا اقترن بالإظهار أو عدم الإنکار على الأقل، کان أضعف مراتب الإیمان وأدونها، وتترتّب علیه سلسلهٌ من الآثار الدِینیّه، والدنیویّه، فی حین أن المرتبه الأُخرى للإیمان التی توجب فلاحَ الإنسان فی الدنیا والآخره رهنٌ للإلتزام بآثاره العملیّه.
والنقطه الجدیرهُ بالِذّکر هی أنّ بعضَ الروایات اعتبرت العَمَلَ بالفرائض الدینیّه رکناً من أرکان الإیمان، فقد روى الإمامُ الرضا ـ علیه السَّلام ـ عن رسولِ الله ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ أنّه قال: «الإیمان معرفه بالقلب وإقرارٌ باللسان وعملٌ بالأرکان»([9] ).
وفی بعضِ الرّوایات جُعِلَت أُمور، مثل إقامه الفرائض، وأداء الزکاه والحج، وصومِ شهرِ رمَضَان، إلى جانب الشهادتین أیضاً.([۱۰] )
إنّ هذه الروایات إمّا هی ناظرهٌ إلى أنّه یمکن تمییز المسلم عن غیر المسلم بواسطه هذهِ الأَعمال، أو أنّ ذکرَ الشهادتین إنّما یکونُ سبباً للنجاه وموجباً للفلاح إذا اقترنَت وانضمّت إلى أعمال شرعیه أهمُّها وأبرزُها: الصلاهُ، والزکاهُ، والحجُ، والصوم.
بالنَظَر إلى هذین الأصلین یجب أن لا تُکَفِّرَ أیَّهُ فِرقه من فِرَقِ المسلمین الفرقهَ الإسلامیه الأُخرى التی تخالفُها فی بعض الفرُوع، لأنّ ملاکَ «الکُفر» هو أنْ ینکرَ الشخصُ أحدَ الأُصول الثلاثه، أو إنکار ما یلزَمُ من إنکاره إنکار أحَدِ الأُصول الثلاثه المذکورَه، وهذه الملازمه إنّما تتحقَّق إذا کان حکمُ ذلک الشیء بدیهیّاً من وجهه نظرِ الشَرع، وواضحاً جِدّاً إلى درجه أنّه لا یستطیع أنْ یجمعَ بین إنکاره والاعترافِ بالأُصول الثلاثه.
وعلى هذا الأساس ینبغی للمسلمین أن یحفظوا فی جمیع المراحل أُخوَّتَهم الإسلامیَّه، ولا یَسْمَحُوا بأنْ یَصیرَ الاختلافُ فی الأُمور المتعلّقه بالاُصولِ سبباً للنزاع، وربّما لتفسیقِ أو تکفیر فرقه لأُخرى، وأن یکتفوا فی الاختلافات الفکریّه والعقیدیّه بالحوار العلمیّ والمناقشه الموضوعیّه، ویتجنَّبوا إقحام التعصُّب غیر المنطقیّ، والإتهام والتحریف فی هذا المجال ابقاءً على الصّفاء والمودّه بین المسلمین.
الأَصلُ الثانی والعشرون بَعدَ المائه: لا یجوز تکفیر المسلم المعتقد بالأُصول الثلاثه
إنّ المسلمین فی عالمنا الراهن یتّفقون فی الأُصُول الأساسیه الثلاثه([۱۱] )، فیلزمُ أنْ لا یکفِّرَ فریقٌ فریقاً آخر بسبب الاختلاف فی بعض الأُصولِ، أو الفروع الأُخرى، وذلک لأَنَّ الکثیرَ من الأُصول المختَلف فیها، هی فی الحقیقه من القضایا الکلامیّه التی طرِحَت على بساط البحثِ والمناقشه بین المسلمین فیما بعد، ولکَلِّ فریق منهم أدلّتهُ وبراهینهُ فیها.
وعلى هذا لا یُمکن أن یُتّخَذَ الاختلافُ فی هذه المسائل وسیلهً لتکفیر هذه الفرقه، أو تلک أو ذریعه لتفسیق هذه الطائفه، أو تلک، ولا سبباً لِتفتیت وحدهِ المسلمین.
إنّ أفضلَ الطُرق لحلّ هذا الإختلاف هو الحوارُ العلمیُّ بمنأى عن العَصَبیّات الجافّه، وَالمواقف المتزمّته وغیر الموضوعیه.
یقول القرآنُ الکریمُ فی هذا الصَّدَد:
( یا أیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِیلِ اللهِ فَتَبَیَّنُواْ وَلاّ تَقُولُوا لِمَنْ أَلقَى إِلَیْکُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً) ([۱۲] ) .
ولقد صرّح النبیُ الأکرمُ ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ بعد ذکرهِ لأهَمّ أُسُس الإسلامِ وأُصُوله، بأنَّه لا یحقُّ لمسلم أنْ یُکفّرَ مُسلماً آخر لارتکابه معصیه، أو یرمیَه بالشرک، إذ قال:«لاتُکَفّروُهُمْ بِذَنب ولاتَشْهَدُوا علیهِم بِشِرْک»([13] ).
الأصلُ الثالث والعشرون بعد المائه: البدعه
«البِدعه» فی اللغه تعنی العَمَل الجدید والذی لاسابق له، الذی یبیّن نوعاً من الحُسن والکمال فی الفاعل، فلفظ «البدیع» من صفات الله کما نعلم کما، قال تعالى:
( بَدِیعُ السَّمَوتِ وَالأَرضِ) ([۱۴] ) .
وأمّا المفهومُ الإصطلاحیّ للبدعه، فهو أیضاً نسبهُ ما لیس من الشریعه إلى الشریعه، وأکثر التعاریف اختصاراً للبدعه الإصطلاحیّه هو: «إدخالُ ما لیسَ مِنَ الدّیِنِ فی الدینِ».
إنَّ الابتداع فی الدین من الذُنوب الکبیره، وهو مما لا شک قط فی حرمته فقد قال رسولُ الله ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ : «کلُّ مُحدَثَه بِدعَه وکلُّ ضَلاله فی النّار»([15] ).
والنقطهُ المهمّه الوحیدهُ فی مسأله البِدعه هی أن یُحدَّدَ مفهومُ «البِدعه» بصوره جامِعه ومانِعه لیمکن تمییزُ ما هو بدعهٌ عمّا لیس ببدعه.
وفی هذا الصَّعید، ولإزاله الإبهام عن حقیقه «البدعه» یجب الالتفات والانتباه إلى نقطتین:
۱٫ إنّ البِدعه نوعٌ من التصرّف فی الدِین، وذَلک بإحداث الزیاده أو النقص فیه. وعلى هذا الأساس إذا لم یَکُن إحداثُ شیء، مما یرتبطُ بالدِّین والشریعه، بل کان أمراً عادیّاً أو عُرفیّاً لم یکن بدعهً (وإن کانت مشروعیّته مشروطه بأن لا یکونَ الابتداع والإبتکار المذکور محرَّماً أو ممنُوعاً فی الشرع بدلیل خاص).
وللمثال: إن البشریّه تبتکرُ باستمرار أسالیب جدیده فی مجال المسکن والمَلبس وغیر ذلک من وسائل العیش وخاصّه فی عصرنا الحاضر الذی تتطور فیه الأسالیب والأدوات المستخدَمه فی المعیشَه باستمرار، وبشکل متواصل ونضربُ على ذلک مثلاً أنواع النزهه والریاضه الجدیده، بل والمتجدّده على الدوام.
إنّ من البدیهی أنّ کلَّ هذه الأشیاء والأُمور نوعٌ من البدعه والأُمور البدیعه (بمعنى ما لم یکن له سابق) ولکنها لا صله لها بالبدعه المصطلَح علیها شرعاً.
إنّما تتوقَّفُ حلیّتُها وحلیّهُ الاستفادهِ منها ـ کما قلنا ـ على أن لا تکونَ مخالِفهً لأحکام الشَرع وموازینه.
فمثلاً اختلاط الرجلِ والمرأه من دون حجاب فی المجالس، والمحافل ـ الذی هو من مستورَدات الغرب الفاسد، ومعطیات ثقافته المنحرفه ـ حرامٌ، إلاّ أنّه لیس ببدعَه، لأنّ الذین یشترکونَ فی هذه المحافل لا یأتونَ بهذا العمل باعتباره عملاً أقرّ الشرعُ الإسلامیُ صحَّته وقرَّره، بل ربما أتَوا به من بابِ اللاّمبالاه مع الإعتقاد بأنّه مخالفٌ للشرع ولهذا ربما تنبَّهوا وعادوا لرشْدهِمْ فقرّرُوا بجدیّه ترکَه، وعدم الإشتراک فیه.
وإنطلاقاً من التوضیح السابقِ إذا عیَّنَ شعبٌ مّا یوماً، أو بعض ا لأیّام للفَرحَ والإبتهاج والاجتماع، ولکن لا بقصد أنّ الشَرع أمرَ بهذا لم یکن مثل هذا العمل (بدعه) وإن کانت حلیّهُ أو حرمه هذا العمل من جهات أُخرى یجب أن تقع محطّاً للبحث والدراسه.
من هنا اتّضح أنَّ الکثیرَ من مبتکرات البشر، وبدائعه، فی مجال الفنّ والریاضه، والصناعه وغیر ذلک خارجٌ عن نطاق البدعه الاصطلاحیه، وما یقالُ حول حرمَتها، أو حلیّتها، إنّما هو ناشئ من جهات أُخرى ولهما ملاکٌ ومقیاسٌ خاص.
۲٫ إنّ أساس «البدعه» فی الشرع یرجع إلى نقطه واحده وهی الإتیان بعمل بزعم أنّه أمرٌ شرعیٌّ أمَرَ به الدین فی حین لا یوجد لمشروعیته أیُّ أصل ولا ضابطه، ولکن اذا أَتى بعمل على أنّه أمر شرعی ویدل على مشروعیته دلیل شرعی (بشکل خاص، أو بصوره کلیّه وعامّه) لم یکن ذلک العملُ بدعهً.
ولهذا قالَ العالِمُ الشیعیُّ الکبیرُ العلاّمهُ المجلسی: «البدعه فی الشرع ما حَدَثَ بعد الرَسول ولم یکن فیه نصٌّ على الخصوصِ ولا یکونُ داخلاً فی بعضِ العمومات».([16] )
وقال ابن حجر العسقلانیّ: «البِدعه ما أُحدِثَ ولیسَ لهُ أصلٌ فی الشَرعَ. وما کان له أصلٌ یدل علیه الشرع فلیس بِبِدعه»([17] ).
فإذا کان العملُ الذی نَسَبْناه إلى الشرع یستندُ إلى دَلیل خاصّ، أو ضابطه کلیّه فی الشرع لم یکن بدعهً حتماً.
والصورهُ الأُولى (أیْ وجود الدلیل الخاص) لا یحتاج إلى بیان.
إنّما المهم هو القِسم الثانی لأنّه ربَّ عَمَل کانَ فی ظاهرهِ عَملاً مبتدَعاً جدیداً ومبتکراً، ولم تکن له سابقهٌ فی الإسلام، ولکنّه فی معناه وحقیقتهِ یدخُلُ تحت ضابطه أقرَّها الشرعُ الإسلامیُّ بصوره کلیّه.
ولِلمثال: یمکنُ الإشاره إلى التجنیدِ الإجباریّ العامّ المتداوَلِ الیوم فی أکثر بُلدانِ العالم.
فإنَّ دعوهَ الشباب إلى خدمه العَلَم کوظیفه دینیه، وإن کانت فی ظاهرها عَمَلاً مبتکراً ومبتدعاً إلاّ أنّها حیث تنخرطُ تحت أصل أو قاعده دینیّه لا تُعدّ بِدعه، وذلک لأنّ القرآنَ الکریمَ یقول:
( وأعِدّوا لهُمْ ما استَطعتُمْ من قُوَّه) ([۱۸] ) .
ومن البدیهیّ أنّ التربیه العَسکرِیّه العامه للشباب ـ تُعدُّ فی ظلّ التحوُّلات والتَطَوّرات والأجواء العالمیّه ـ سبباً للتهَیّؤ الأکثر فی مقابلِ العدوّ المتربّص، والعملُ بروح الآیه المذکوره فی عصرنا الراهنِ یقتضی هذا الأمر. فی ضوء البیان السابق یمکن حلّ ومعالجه الکثیر من الشُبهات التی تقیّد البعضَ وتعیقهم عن الحرکه.
ونضرب لذلک مثلاً: ما یقومُ به جماهیرُ المسلمین العظمى من الإحتفالِ بمولدِ النبیّ الأکرم ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ ویراهُ البَعض أو یسمّونه بِدعه، فی حین لا ینطبق علیه عنوان البدعه وملاکُها، فی ضوء ما قلناه، لأنّه على فرضِ أنّ هذا النمطَ من التکریم وإظهار المحبّه والتکریم لم یَردْ فی الشرع بخصوصهِ. ولکنَّ موَدّه النبیّ ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ وحُبَّه وحبَّ أهل بیته المطهَّرین سلام الله علیهم أجمعین یُعتبر أحد أُصول الإسلام الضروریّه وتُعتَبَر هذه الإحتفالات والإجتماعات الدینیه البهیجه مِن مظاهر ذلک الأصل الکلیّ ونعنی المحبه والموده للنبی وآله.
فقد قال رسولُ الله ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ : «لا یؤمِنُ أحدُکم حتّى أکونَ أحبَّ إلیه مِن مالِهِ وأهْلِهِ والناسِ أجمعین»([19] ).
ولا یخفى أن الذین یُظهِرُون البَهجه والفرح فی موالید رسول الله ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ وأهل بیته الطاهرین، ویقیمون لأجل هذه الغایه، الاحتفالات والمجالس لا یهدفون من إقامه الإحتفال فی هذه الأیام إلى أنّ هذه الأعمال منصوصٌ علیها ومأمُور بهِا شرعاً بعینها وشکلها الراهن، بل یفعلون هذه الأعمال باعتقاد أنّ حُبَّ النبی ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ والمودّه لرسول الله وأهل بیته أصلٌ کلّیٌ وَرَدَ التأکید علیه فی الکتاب والسُّنه بتعابیر مختلِفه ومتنوّعه. إنّ القرآنَ الکریم یقول: ( قُلْ لا أسْئَلُکُمْ عَلیه أجراً إلاّ المودّه فی القَربى) ([۲۰] ) .
وهذا الأصلُ یمکن أن تکونَ له تجلیاتٌ ومظاهرُ مختلِفه ومتنوّعه، منها إقامه هذه الاحتفالات البهیجه على حیاه المسلمین الفردیّه والإجتماعیه، فأنّ إقامه الإحتفالات، فی الحقیقه مما یذکّرِ بنزول الرحمهِ والبرکهِ الإلهیّه فی هذه الأیّام، وهی نوعٌ من أنواع الشُکر لله تعالى أو عملٌ باعث علیه، وهذا المطلب (إی اقامه الاحتفال فی یوم نزول الرحمه والفیضِ الربانیّ) کان فی حیاه الأُمم السابقه أیضاً کما یصرّحُ بذلک القرآنُ الکریمُ.
فقد طلَبَ النبیُّ عیسى ابنُ مریم ـ علیه السَّلام ـ مائدهً سماویّه تنزلُ علیه وعلى حواریّیه لیکونَ یومُ نزول تلک المائده عیداً للجیل الذی کان یعیش بینهم، وللأجیال اللاحقه کما یقولُ تعالى:
( قَالَ عِیسَى ابْنُ مَرْیَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَیْنَا مَائدَهً مِنَ السَّمَاءِ تَکُونُ لَنَا عِیداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَءَایَهً مِنکَ) ([۲۱] ) .
أضف إلى ذلک انّ الله تعالى یقول فی آیه أُخرى فی مجال تکریم النبی الأکرم ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ :
( فَالَّذِینَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِی أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ([۲۲] ) .
فإنّ الله تعالى یأمر الناسَ فی هذه الآیه بأربعه أُمور:
۱٫ الإیمان بالنبیّ (آمَنُوا بهِ).
۲٫ تکریم النبیّ وتعظیمه (عَزّرُوهُ).
۳٫ نصرته (نَصَرُوه).
۴٫ إتّباع القرآن (واتَّبَعُوا النُّور الذی أُنزِل مَعَهُ…).
فلزومُ التکریم والتعظیم للنبیّ کما هو واضح أصلٌ دینیٌّ وقرآنیّ، وله فی کل زمان مصادیق ومجالی خاصّه: فالصلاهُ والسلام على النبیّ وأهلِ بیته عند ذکر اسمِهِ، وإظهارُ الفرح والابتهاج یومَ ولادته وبعثته، وکذا إعلانُ الحزنِ والأسى فی مأتمه ومأْتم أهل بیته، وحفظُ آثارِ النبیّ وتعمیر مرقده الطاهر وحفظُ آثار أهل بیته، وتعمیرُ مراقدهم الطاهره، کلّها وکلُّها مصادیقُ لإظهار المودّه والمحبّه للنبیّ الأکرم وعترتِهِ الطاهره صلواتُ الله علیهم أجمعین.
على أنّه یجب أن لا یتصوَّر أحَدٌ بأنّ محبّه النبیّ وأهل بیته ومودّتَهم تنحصرُ فی هذه الأُمور فقط، بل یجب الإنتباه إلى أنّ اتّباعَهم فی أقوالهم وأفعالهم، والذی جاءَت الأشاره إلیه فی الآیه أدناه أیضاً هو من أظهر مصادیق محبّتهم ومودّتهم، کما انّه سببٌ لنیلِ العِنایه الإلهیّه واللطفِ الربانیّ کما قال: ( قُلْ إِن کُنتُمْ تُحِبوُّنَ اللهَ فَاتَّبِعُونی یُحبِبْکُمُ اللهُ وَیَغْفِرْ لَکُمْ ذُنُوبَکُم) ([۲۳] ) .
والبِدعَه ـ کما أسلَفْنا ـ عبارهٌ عن نوع من التصرّف فی الدّین من دون أن یکون له مستندٌ صحیحٌ (خاصٌّ أو کلِّیٌ عامٌّ) فی الشرع، ویجب التنویه بأنّ روایات أئمهّ أهلِ البیت ـ علیهم السَّلام ـ ـ بحکم حدیث الثقلین المتواتر ـ تُعَدُّ من مصادر الشریعه، وأدلّهِ الأَحکام الدینیّه وعلى هذا الأساس إذا صرَّحَ الأئمهُ المعصومُون ـ علیهم السَّلام ـ بجواز أو عدم جواز شیء کان اتّباعهم فی ذلک اتّباعاً للدِین ولم ینطبق علیه عنوانُ الإبتداع والإحداث فی الدّین.
وفی الخاتمه نُذَکّر بأنّ «البدعه» بمعنى التَصَرُّف فی الدین من دون إذن الله سبحانه کان ولا یزال عَمَلاً قبیحاً وحراماً وقد أشار إلیه القرآن بقوله:
( ءَاللهُ أَذِنَ لَکُمْ أمْ عَلى اللهِ تَفْتَرُونَ) ([۲۴] ) .
وعلى هذا الأساس لا یصحُّ تقسیم البِدعه (بهذا المعنى) إلى القبیح والحَسَن والحرامِ والجائزِ، بل کلُّها (بهذا المعنى) حرامٌ غیر جائز.
نعم البِدعه بمعناها اللغویّ العامّ (أی الإتیان بأشیاء حدیثه فی أُمور المعیشه من دون نسبه ذلک إلى الشرع) یمکن أن تکون له صُوَرٌ مختلفه ومتنوّعه، وتکون مشمولهً لأَحد الأحکام التکلِیفیّه الخمسه: (الوجوب والحرمه والکراهه والإستحباب والإباحه).
الأصلُ الرابع والعشرون بعد المائه: التقیه
إنَّ أحَدَ التعالیم القرآنیّه هو أن یکتم الإنسانُ المسلمُ عقیدتَه إذا تعرَّضَ فی نفسه، أو عِرضِه أو مالِه لِخطر لو أظهرها، ویُسمّى هذا العَمل فی لسانِ الشَرع والمصطلَح الشرعیّ بالتقیّه.
إنّ جوازَ «التَقیَّه» لا یحظى بالدَّلیل النقلیّ فحسب، بل إنّ العقلَ یحکم أیضاً بصحّته ولزومه، ویَشهَد بذلک فی شرائط حسّاسه، وخطیره، لأنّ حفظ النَّفس، والمالِ، والعِرض، واجبٌ، ولازمٌ من جهه، وإظهارَ العقیده والعمل وفقَ تلک العقیده وظیفهٌ دینیّهٌ من جانب آخر، ولکن إذا جرَّ إظهارُ العقیدهِ إلى الخطر على النّفس والمال، والعرض، وتعارضت هاتان الوظیفتان عَملیّاً، حکم العقلُ السلیمُ بأن یُقدِّم الإنسانُ الوظیفهَ الأهمّ على المهمّ.
والتقیه ـ فی الحقیقه ـ سلاحُ الضُّعفاء فی مقابل الأقویاء القُساه، ومن الجَلیّ أنّه إذا لم یکن خطرٌ ولا تهدیدٌ لم یکتم الإنسانُ عقیدَتَه، کما لم یَعَمل على خلافِ معتقَده.
ینصُّ القرآنُ الکریمُ فی شأن عَمّارِ بن یاسر على عدم البأس عمّن یَقعُ فی أیدی الکفار، ویُظهرُ کلمه الکفر على لِسانِه للخلاص والنجاه، وقلبُه عامرٌ بالإیمان مشحونٌ بالإعتقاد الصِحیح:
( مَن کَفَرَ باللهِ مِن بَعْدِ إیمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُکْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنٌّ بِالإِیمانِ) ([۲۵] ) . وَیقولُ فی آیه أُخرى:
( لاَّ یَتَّخِذِ المُؤمِنُونَ الکافرِینَ أَولیَاءَ مِن دُونِ المُؤمِنِینَ وَمَن یَفْعَل ذلِکَ فَلَیْسَ مِنَ اللهِ فی شیء إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُم تُقاهً وَیُحَذِّرُکُمُ اللهُ نَفْسَهُ وإلى اللهِ المَصِیرُ) ([۲۶] ) .
إنّ المفَسّرِین المسلمین یَتّفقون ـ عند ذِکرِ وتفسیرِ هاتین الآیَتین ـ على أنّ أصل «التَقیّه» أصلٌ مشروع.
ومن طالَعَ ـ ولو على عَجَل ـ ما جاء فی التفسیر والفقه الإسلامیّ فی هذا المجال عَرفَ بوضوح أن أصلَ «التقیّه» من الأُصول الإسلامیّه، ولا یمکن تجاهلُ الآیتین المذکورَتین أعلاه، ولا عَمَل مؤمنِ آل فرعَون فی کتمان إیمانِه([۲۷] ) وإنکار «التقیّه» بالمرَّه.
والجَدیر بالذّکر أنّ آیاتِ «التقیّه» وإن وَرَدَت فی مجال التَقیّه من الکافر إلاّ أنّ الملاکَ (وهو حِفظ نفسِ المسلم ومالهِ وعرضهِ فی الظروف الحسّاسه والخطیره) لا یختصُّ بالکفار، فَلَو استوجَبَ إظهار الشخص لعقیدته، أو العَمَل وفقها عندَ المسلمین، خوفَ ذلک الشخص على نفسهِ أو مالهِ أو عرضهِ أی احتَملَ بقوه تعرّضها للخَطَر من جانبِ المسلمین، جرى فی المقام حکمُ «التقیّه» أی جاز له التقیّه من المسلمین کما جاز له التقیّه من الکفار، وذلِکَ لوحده العلّه والمِلاک، وتحقّق الأمر الموجب للتقیّه. وهذا هو ما صَرَّحَ الآخرون به أیضاً فهذا هو الفخر الرازی یقول: إنّ مذهب الشافعی(رضی الله عنه)انّ الحالهَ بَین المسلمین إذا شاکَلتْ الحالهَ بَین المسلمِین والمشرکین حَلَّتْ التقیّهُ محاماهً على النفسِ.
وقال: التقیّهُ جائزهٌ لصونِ النَّفسِ، وهل هی جائزهٌ لصونِ المال؟ یُحتَمل أنْ یُحْکَمَ فیها بالجواز لقولهِ ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ : «حُرْمَهُ مالِ المُسْلِمِ کَحُرمهِ دَمِهِ» ولقولِهِ ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ : «مَن قُتِلَ دُون مالِهِ فَهُوَ شَهِیدٌ»([28] ).
وقال أبو هریره: حَفِظْتُ مِن رسُول الله ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ وِعائَین، أمّا أحَدُهما فَبَثَثْتُهُ فی النّاس، وأمّا الآخرَ فَلَوْ بَثَثْتُهُ لقُطِعَ هذا البَلعُومُ.([۲۹] )
إنّ تاریخَ الخُلَفاء الأُمویّین والعَباسییّن زاخرٌ بالظلمِ والعَسْفِ، والحیْفِ والجَور.
ففی تلکَ الأیّام لم تکنِ الشیعهُ وحدَهم هُمُ المطرودُون، والمحجور علیهم بسببِ إظهار عقائِدِهم، بل سَلَکَ أغلَبُ محدّثیِ أهلِ السُّنّه فی عَصرِ المأمون أیضاً مَسْلَکَ التقیّه فی محنه «خَلْقِ القرآنِ» وَلم یخالف المأمونَ فی خَلْق القرآنِ وحُدُوثهِ بعدَ صُدُور المرسُوم الخلیفی العامّ، سوى شخص واحد، وقصَّتُهُ معروفهٌ فی التاریخ وعامّه المحدّثین تظاهروا بالوفاق تقیّهً.([۳۰] )
الأصلُ الخامسُ والعشرون بعد المائه: التقیه واجبه فی بعض الحالات فقط
إنّ التقیّه ـ حسبَ منطِقِ الشِیعَه ـ واجبه فی ظروف خاصَه، إلاّ أنّها مُحرَّمهٌ فی بعضِ الشروطِ أیضاً، ولا یجوز للإنسانِ فی مثل هذهِ الشُروط أنْ یَستخدمَ التقیّه بحجّه أنّه قد یتعرّض نفسُه، أو مالهُ أو عرضُه للخطر.
فَقَد یَتَصوَّرُ بعضٌ أنّ الشِیعه یوجبونَ التَقیّه دائماً وفی جمیع الحالات والظروف والأوضاع، والحال أنّ هذا تصوّرٌ خاطِئٌ، فإنّ سیرهَ أئمّه أهلِ البیت ـ علیهم السَّلام ـ لم تکنْ هکذا، لأنّهم، وبغیه رعایهِ المصالحِ والمفاسِدِ کانوا یَسلکون فی کلّ زمان موقفاً خاصّاً، وأُسلوباً مناسباً ولهذا نجدُهم کانُوا تارهً یتّخذون مَسلَک التقیّه اُسلوباً، وتاره أُخرى کانوا یُضحُّون بأنفسِهم وأموالِهم فی سبیلِ إظهارِ عَقیدتهم.
ومما لا شک فیه أنّ أئمَّهَ الشّیعَه استشهدوا بالسَیف أو السُّمّ على أیدی الأعدْاء فی حین أنّهم لو کانُوا یُصانِعُونَ حُکّام عصورهم ویجاروُنهم، لمَنحهمْ أُولئِک الحکّام أعلى المناصب، وأسمَى المَراتب فی حکوماتِهم ولکنهم کانُوا یَعلموُن أنّ التقیّه قبال أُولئک الحُکّام (کیزید بن معاویه مثلاً) کان یؤدّی إلى زوال الدّین، وهلاک المذهب.
وفی مِثل هذهِ الشُروط أمام القاده الدینیّین المسلِمین نوعان من الوظیفه:
أن یسلکوا مَسلَک التقیّه فی ظروف خاصَّه، وأنْ یحملوا حیاتهم على أکفّهِمْ ویَستَقْبلوا الموتَ فی ظروف أُخرى، أی إذا وَجَدوا أساس الدِین فی خطر جدّی.
وفی الخاتمه نذکّرُ بأنّ التقیّهَ أمرٌ شخصیٌ ویَرتبط بوضعِ الفرد، أو الأفراد الضعفاء العاجزین فی مقابل العدوّ الغاشِم. فإنّ مثل هؤلاءِ إذا لم یَعْمَلوا بالتقیّه فَقَدوا حیاتهم مِن دون أن یترتب أثرٌ مفیدٌ على مقتَلِهِمْ.
ولکن لا تجوز التقیّه مطلقاً فی بیان معارف الدین وتعلیم أحکام الإسلام مثل أن یکتُبَ عالمٌ شیعیٌ کتاباً على أساس التقیّه، ویذکرَ فیه عقائدَ فاسده، وأحکاماً منحرفه على أنّها عقائدُ الشیعه وأحکامُهم.
ولهذا فإننّا نرى علماءَ الشیعه أظهروا فی أشدّ الظروف والأحوال، عقائِدَهُمُ الحقَّه، ولم یحدُثْ طیلهَ التاریخ الشیعیّ ولا مره واحدهً أن أقدَمَ علماءُ الشیعه على تألیف رساله أو کتاب على خلافِ عقائدِ مذهبهِم، بحجّه التقیّه، وبعباره أُخرى: أن یقولوا شیئاً فی الظاهر، ویقولُوا فی الباطن شیئاً آخر ، ولو أن أحَداً فَعَلَ مِثلَ هذا العملِ وسَلَکَ مثلَ هذا المسلَکَ أُخرِجَ من مجموعهِ الشیعهِ الإمامیَّه.
وهنا نوصی الّذین یصعُب علیهم هضمُ مسأله التقیّه، وتقبُّل هذه الظاهره، أوخَضَعُوا لِتأثیر دعایات أعداءِ التشیُّع السیّئه، بأنْ یطالِعوا ـ ولو مرّهًـ تاریخَ الشیعه فی ظلّ الحُکُومات أُموِیّهً، وعبّاسیّهً، وفی عصر الخلفاء العثمانیّین فی الاناضول والشامات، لِیَعلَموا بَهاضهَ ما قَدَّمهُ هذا الفَریقُ من الثَمن للدّفاع عن العَقیده وبِسَبب اتّباع أهلِ البَیت ـ علیهم السَّلام ـ ، وجَسامهَ ما قدّموه من تضحیات، وقرابین، وعظمهَ ما تحمّلوه من مصائبَ مرّه، حتى أنّهم ربّما هَجَرُوا بیوتهم ومنازلهم ولجأوا إلى الجبال.
لقد کانَ الشیعه على هذه الحال مع ما کانوا علیه من التقیّه، فکیف إذا لم یُراعُوا هذا الأصل..ترى هل کانَ یبقى من التَشیُّع الیومَ إذا لم یَتّقوا، أثرٌ أو خَبَرٌ؟
وأساساً لابُدَّ مِن الإنتباه إلى نقطه مهمّه وهی أنّه إذا استوجَبَت التقیّه لَوماً فإنّ هذا اللومَ یجب أن یُوجَّهَ إلى من تَسبَّبَها، لأنّ هؤلاء بَدَل إجراء العَدل ومراعاه الرأفهِ الإسلامیّه أوجَدوا أصعَب ظروف الکَبت السیاسی والمذهبی ضِدّ أتباع أهل البیت النبویّ، لا أن یُلامَ مَن لَجَأ إلى التقیّه اضطراراً وحفاظاً على نُفُوسهم وأموالِهِم وأَعراضِهِمْ.
والَعَجَبُ العجاب فی المقام هو أن یتوجَّه البعضُ باللَّوم والنقد إلى العاملین بالتقیّه المظلومین ووصفهم بالنفاقِ بدل توجیه ذلک إلى مسبّبی التقیّه، أی الظالمین، هذا مضافاً إلى أنَّ «النفاق» یختلف عن «التقیّه» کاختلافِ المتناقضین، والبَونُ بینهما شاسع وبعیدٌ بُعدَ السَّماءِ عن الأرض.
فالمنافِقُ، یُبْطِنُ الکُفْرَ فی قَلبهِ ویُظهِرُ الإیمانَ لِغَرض التجسس على عورات المسلمین أو الوصول الى منافع لا یستحِقها، فی حین یکونُ قلبُ المسلم فی حال التقیّه مفعماً بالإیمان، وإنما یُظهرُ خلاف ما یعتقد لعلّه الخوف من الأذى، والاضطهاد.
الأصلُ السادسُ والعشرون بعد المائه :التوسّل
إنّ حیاهَ البَشَر قائمهٌ على أساس الاستفاده من الوسائل الطبیعیّه والإستعانه بالأسباب، التی لِکلّ واحد منها أثرٌ خاصٌ.
فَکُلُّنا عندما نعطش نشربُ الماء، وعندما نجوعُ نأکلُ الطعام، وعندما نرید الانتقالَ من مکان إلى آخر نستخدم وسائلَ النَقل، وعندما نرید إیصال صوتنا إلى مکان نستخدم الهاتفَ، لأنّ رفعَ الحاجه عن طریق الوسائل الطبیعیّه ـ بشرط أن لا نعتقد بإستقلالها فی التأثیر ـ هو عینُ «التوحید» ومن صمیمه.
فالقرآنُ الکریمُ وهو یُذکّرُنا بقصّه ذی القرنین فی بنائه للسدِّ یُخبرُنا کیف طلب العونَ والمعونه من النّاس إذ قال: ( فَأَعِینُونِی بِقُوَّه أَجْعَلْ بَیْنَکُمْ وَبَیْنَهُمْ رَدْماً) ([۳۱] ) .
وإنّ الذین یُفسّرُون الشرکَ بالتعلُّق والتوسُّل بغیر الله، إنَّما یصحُّ کلامُهم هذا إذا اعتقد الإنسانُ بتأثیرِ الوسائل والأسباب على نحوِ الإستقلال والأصالهِ.
وأمّا إذا اعتقد بأنَّها تؤثّر بإذن الله فإنّه سینتهی حینئذ إلى نتیجه لا تُخرِجُه عَن مسیرِ التوحید.
ولقد قامَت حیاهُ البشریه من أوّل یوم على هذا الأساس والقاعده أی على الاستفاده من الوسائل والوسائط الموجوده، ولم یزل یتقدم فی هذا السبیل.
والظاهر أنّ التَوَسُّل بالأسباب والوسائلِ الطبیعیّه لِیس مَحَطّاً للمناقشه والبحث، إنّما الکلام هو فی الأسباب غیر الطبیعیّه التی لا یعرفها البَشرُ، ولا سبیلَ له إلیها إلاّ عن طریق الوحی.
فإذا وُصِفَ شیءٌ فی الکتاب والسُّنه بالوسِیلِیَّهِ کانَ حکمُ التوسّل به نظیر حکم التوسّلِ بالأُمور الطبیعیّه.
وعلى هذا الأساس فإنّنا إنّما یجوز لنا التوسل بالأسباب غیر الطبیعیّه إذا لاحَظنا مطلبین:
۱٫ إذا ثَبَتَ کونُ ذلک الشیء «وسیلهً» لنیل المقاصد الدنیویّه أو الأُخرویه بالکتاب أو السنه.
۲٫ إذا لم نعتقد بأیّه أصاله أو استقلال للوسائل والأَسباب، بل اعتبرنا تأثیرها منوطاً بالإذنِ الإلهی والمشیئهِ الإلهیّه.
إنّ القرآنَ الکریمَ یدعونا إلى الإستفاده من الوسائل المعنویه إذ یقول:
( یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلیْهِ الوَسِیلَهَ وجاهِدُوا فِى سَبِیلِهِ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ) ([۳۲] ) . هذا ویجب الإنتباهُ إلى أنّ «الوسیله» لا تعنی (التقرُّب) بل تعنی الشیء الذی یوجب التقرّبَ إلى الله، وأحَد هذه الطرق هو الجهادُ فی سبیل الله الذی ذُکِرَ فی الآیه الحاضِره کما یمکن أن تکون أشیاء أُخرى وسیله للتقرّب أیضاً.([۳۳] )
الأصلُ السابعُ والعِشرون بعد المائه: التوسُّل بأسماء الله الحسنى ودعاء الصالحین
ثَبَت فی الأصلِ السابقِ أنّ التوسّلَ بالأسباب الطبیعیّه، وغیر الطبیعیّه (بشرط أن لا تُصبَغ بصبغه الأصاله ولا یعتقد فیها بالإستقلال فی التأثیر) عینُ التوحید، ولاشک فی أنّ القیام بالواجباتِ والمستحبّاتِ، کالصَّلاه والصَّوم والزَّکاه والجِهاد فی سبیل الله وغیر ذلک وسائل معنویّه تُوصِل الإنسان إلى المقصد الأسمى، ألا وهو التقرّبُ إلى الله تعالى.
فالإنسان فی ظلّ هذه الأعمال یجد حقیقه العبودیَّه، ویتقرّب فی المآل إلى الله تعالى.
ولکن یجب الإنتباهُ إلى أنّ الوسائل غیر الطبیعیّه لا تنحصر فی الإتیان بالأعمالِ العباد

Leave A Reply

Your email address will not be published.