موقف النبی تجاه الخلافه

0

 
الفصل الأول موقف النبی تجاه الخلافه
۱ – هل کان یعلم بأمر الخلافه ؟
هل تجد من نفسک المیل إلى الاعتقاد بأن النبی صلى الله علیه وآله کان لا یعلم بما سیجری بعده : من خلافات وحوادث من أجل الخلافه ؟
وهل تراه کان غافلا عما یجب فی هذا السبیل ؟ .

إذاً کان لک هذا المیل فلا کلام لی معک ، وأرجو منک – یا قارئی العزیز علی – أن تلقی الکتاب عندئذ عنک ولا تتعب نفسک بالاستمرار معی إلى آخر الحدیث ، لأنی افرض قارئی مسلما یؤمن بالنبی ورسالته ، ویعرف من تأریخه ما یکفیه فی طرد هذا الوهم .

فإن من یمت إلى الإسلام بصله العقیده لا بد أن یثبت عنده على الأقل أن صاحبه صرح فی مقامات کثیره بما ستحدثه أمته من بعده فقد قال غیر مره : ( ستفترق أمتی على ثلاث وسبعین فرقه فرقه ناجیه والباقون فی النار ) .
وأکثر من ذلک أنه لم یستثن من أصحابه إلا مثل همل النعم ، ثم هم یدخلون النار بارتدادهم بعده على أدبارهم القهقری ، أو یردون علیه الحوض فیختلجون بما أحدثوا بعده .
– ص ۳۳ –
وفی بعض الأحادیث : ( فیقال لی : إنهم لم یزالوا مرتدین على أعقابهم منذ فارقتهم ) ( ۱ ) واخبرهم أنهم یتبعون سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعوهم .

و ( الخلافه ) أمر کانت تحدثه به نفسه الشریفه ، ویشیر إلیها أنها ستکون ملکا عضوضا بعد الثلاثین سنه .
وثبت أنه قال : ( هذا الأمر لا ینقضی حتى یمضی اثنا عشر خلیفه کلهم من قریش ) .
وقال : ( من لم یعرف إمام زمانه مات میته جاهلیه ) . وقال . . . وقال . . . إلى ما لا یحصى .
وسیرته والأحادیث عنه – وما أکثرها – تشهد شهاده قطعیه على ما کان من اختلاف أمته ، وعلى أن الخلافه والإمامه من أولى القضایا التی کانت نصب عینیه .

۲ – هل وضع حلا للخلاف ؟
إذن کان صلى الله علیه وآله عالما بأن الدهر سیقلب لأمته صفحه مملؤه بالحوادث والفتن ، والخلافات والمحن ، وأن لا بد لهم من خلافه وإماره .
_______________________________

( ۱ ) صحیح مسلم ۸ : ۱۰۷ وغیره . ( * )
 
– ص ۳۴ –
فلا بد أن نفرض أنه قد وضع حلا مرضیا لهذا الأمر یکون حدا للمنازعات وقاعده یرجع إلیها الناس ، لتکون حجه على المنافقین والمعاندین ، وسلاحا للمؤمنین ، ما دمنا نعتقد أنه نبی مرسل جاء بشیرا ونذیرا للعالمین إلى یوم یبعثون ، فلم یکن دینه خاصا بعصره ، لیترک أمته من بعده سدى من غیر راع أو طریقه یتبعونها ، مع علمه بافتراق أمته فی ذلک .

ولا یصح من حاکم عادل أن یحکم بنجاه فرقه واحده على الصدفه من دون بیان وحجه تکون سببا لنجاتهم باتباعها ، وسببا لهلاک باقی الفرق بترکها .

لنفرض أن الحدیث والتأریخ لم یسجلا لنا الحل الذی نطمئن إلیه ، فهل یصح أن نصدقهما بهذا الاهمال ، ونوافقهما على أن النبی ترک أمته سدى ، وفی فوضویه لا حد لها یختلفون ویتضاربون ؟ ، ثم یتقاتلون ، وتراق آلاف آلاف الدماء السلمه ،
ساکتا عن أعظم أمر منی به الإسلام والمسلمون ، مع أنه کان على علم به ؟ .
ولو کنا نصدقها مستسلمین لکذبنا عقولنا وتفکیرنا ، فإن الإسلام جاء رحمه لینقذ العالم الإسلامی من الهمجیه والجاهلیه الأولى ، فکیف یقر تلک المجازر البشریه فی أقصى حدودها ، تلک المجازر التی لم یحدث التأریخ عن مثلها ولا عن بعض منها فی عصر الجاهلیین .
– ص ۳۵ –
فما علینا إلا أن نتهم التأریخ والحدیث بالکتمان وتشویه الحقیقه بقصد أو بغیر قصد .

ولئن لم یکن محمد نبیا مرسلا یعلم عن وحی ویحکم بوحی فلیکن – على الأقل – أعظم سیاسی فی العالم کله لا أعظم منه ، فکیف یخفى علیه مثل هذا الأمر العظیم لصلاح الأمه بل العالم بأسره مدى الدهر ، أو یعلم به ولا یضع له حدا فاصلا ؟ .

وهل یرضى لنفسه عاقل یتولى شئون بلده فضلا عن أمه ، أن یترکها تحت رحمه الأهواء واختلاف الآراء ولو لأمد محدود ، وهو قادر على إصلاحها أو التنویه عن إصلاحها ، إلا أن یکون مسلوبا من کل رحمه وإنسانیه ؟

حاشا نبینا الأکرم من جاء رحمه للعالمین ومتمما لمکارم الأخلاق وخاتما للنبیین ! وقد قال الله تعالى على لسانه بعد حجه الوداع : ( الیوم أکملت لکم دینکم ) . وقد وجدناه نفسه لا یترک حتى المدینه المنوره ، إذا خرج لحرب أو غزاه ، من غیر
أمیر یخلفه علیها ، فکیف نصدق عنه أنه أهمل أمر هذه الأمه العظیمه بعده إلى آخر الدهر ، من دون وضع قاعده یرجعون إلیها أو تعیین خلف بعده .

السقیفه : الشیخ محمد رضا المظفر ص ۳۶ –
۳ – إیکال الأمر إلى اختیار الأمه

لنختار الآن لحل هذه المشکله أنه صلى الله علیه وآله وسلم أو کل أمته إلى اختیارهم ، أو إلى اختیار أهل الحل والعقد منهم خاصه فی تقریر شئون الخلافه . فهل یصح هذا الفرض للحل ؟ .

أما أنا – أیها القارئ – لا أستطیع أن اقتنع بأن هذا الفرض یکون حلا مرضیا لهذه المشکله ، ولعلک أنت ترى مع من یرى أن تعیین الرئیس بالانتخاب من أرقى التشریعات الحدیثه وقد سبق إلیه الإسلام ، فهذا من مفاخره . فوجب علینا أن نبحث هذه
الناحیه العلمیه بدقه ، وأملی – کما هو مفروض – أنک تعطینی من نفسک النصف وتفکر معی تفکیرا حرا ، بعیدا عن تأثیر العاطفه التی تقضی علینا أن نتمسک بهذه المفخره للإسلام .

ولا ینبغی لنا أن نحاول هذه المحاوله ، فربما نلصق به ما لیس له ، ولعلها لا تثبت للبحث مفخره یمتدح بها ، فنکون قد نقضنا غرضنا الذی نریده من إثبات الفضیله للإسلام بالسبق إلى هذا التشریع . والذی أدعیه الآن أن إرجاع الأمه مدى الدهر
إلى اختیارها فی تعیین الرئیس لها هو عین الفوضویه التی أردنا التخلص منها فی البحث السابق ، ولیس معناه إلا إلقاء الأمه فی أعظم هوه من الخلاف لا حد لها ولا قعر .
– ص ۳۷ –
وسر ذلک أن الناس مختلفون متباینون ، لیس بینهم اثنان یتفقان فی فکر أو عاطفه أو ذوق أو عاده أو عمل ، حتى التؤمین ، إلا من التشابه القریب أو البعید من غیر اتفاق حقیقی ، کاختلافهم فی أجسامهم وسحنات وجوههم ، وتشابههم فی ذلک .

بل الناس مختلفون فی کل شئ من دقائق أجسادهم وأخلاقهم ونفوسهم وعاداتهم فلم یتفق لشخصین أن یتفقا تحقیقا حتى فی بصمه الأصابع ، حتى قیل إن کل فرد من الإنسان نوع برأسه .

وعلیه ، فیستحیل أن تتفق أهل بلده واحده على حکم واحد أو عمل واحد ، فضلا عن أمه کبیره کالأمه الإسلامیه على توالی الزمان . وبالأخص إذا کان الحکم مسرحا للعواطف والأغراض الشخصیه والتحیزات کالحکم فی الزعامه العامه .

ومن هذا نستنتج أن الرأی العام الحقیقی غیر موجود أبدا ، بل یستحیل وجوده لأیه أمه فی العالم ، ومن خطل الرأی أن یطلب الإنسان تکوین الرأی العام ، وتوحید اختیار الأمه بأسرها لأمر من الأمور ، على أن محاوله ذلک یستحیل أن تسلم من
منازعات دمویه واضطرابات شدیده إذا کان تکوینه یراد لأمر ذی شأن ، إلا أن یکون هنا حاکم یفصل بین المتنازعین بماله من القوه القاهره لمخالفیه ، کما هو موجود فعلا فی الانتخابات الجاریه عند الأمم المتمدنه ، فإن تحکیم الأکثریه ذات القوه الطبیعه خیر علاج على منازعاتهم فی الأمور العامه .
– ص ۳۸ –
وتحکیم الأکثریه فی الحقیقه فرار من محاوله تکوین الرأی العام الحقیقی ، بل هو اعتراف باستحالته ، ومع ذلک لم یسغن غالبا الرجوع إلى الأکثریه لیکون لها الفصل عن ملطفات ومؤثرات أخرى تنضم إلى قوته الطبیعیه ، أهمها سلطه الحکومه
والقانون العام القاضی بتحکیم الأکثریه الذی أصبح بحکم التقلید لا مسیطرا على معتنقیه . وبتوسیط أمثال هذه الأمور تمکن التسویه بین الأکثریه على رأی متوسط ، وإلا فالاتفاق الحقیقی على تفاصیل الأمور یستحیل حتى فی الأکثریه .

وهذا الرجوع إلى الأکثریه آخر ما توصل إلیه الإنسان بعد العجز عن تحصیل الاتفاق الحقیقی وبعد أن فشل البشر على ممر تلک القرون الطویله التی أنهکته بالتجارب القاسیه ، فوجد ذلک خیر ضمان للسلام فی الأمم . ولیس معنى ذلک أن الأکثریه
لا تخطأ ، کیف والجماعات دائما تفکر بأحط فکره فیها ، ومن مزایاها أنها خاضعه لسلطان العاطفه ، فهی علاج لفض المنازعات لیس إلا ، لا لضمان تحصیل الرأی المصیب .

وبهذا البیان نخرج إلى فکره أن تعیین الرئیس أو غیره بالانتخاب الذی هو من أرقی التشریعات الحدیثه معناه الرجوع إلى الأکثریه دائما التی أصبحت من التقالید المرعیه عند الناس فی هذا العصر ، وهذا لم یسبق إلیه الإسلام ، ومن یدعی أن النبی صلى الله علیه وآله أوکل أمته إلى اختیارهم
– ص ۳۹ –
فی تقریر شئون الخلافه لا یدعی أنه شرع قانون الأکثریه لأنه لیس لهذه الدعوى شاهد فی زبر الأولین ، على أنه – کما ذکرنا – لا یسلم من الخطأ ، فلا یسوغ لنا أن ننسبه إلى من لا ینطق إلا عن وحی ولا یرید إلا الحق .

وإذا ادعى أنه أوکل الأمر إلى اتفاق أمته واختیارهم جمیعا ، فمن خطل الرأی ، إلا إذا جوزنا علیه أن یطلب المستحیل أو تعمد إیقاع أمته فی منازعات دائمیه تفضی إلى إزهاق النفوس وإضعاف القوى المادیه والأدبیه ، ثم إلى ضعف کلمه الإسلام
فی الأرض . فتلخص أن هذا التشریع أعنی تشریع تعیین الإمام بالانتخاب لا یصح لنا أن ننسبه إلى منقذ البشریه من الضلاله إلى الهدى الذی لا ینطق إلا عن وحی ، سواء فسرناه بالأکثریه أو باتفاق الجمیع . * * *

ومهما حاولنا إصلاح هذا التشریع بتفسیر الأمه بأهل الحل والعقد منها خاصه ، فلا أجد هذه المحاوله تسلم من ذلک النقص البارز فإن أهل الحل والعقد وکبار الأمه هم بؤره الخلاف والنزاع . فإن الخاصه مع اختلاف نفوسهم وتباین نزعاتهم کسائر الناس ، لا ینفکون عن تحیزات فیهم أعظم منها فی غیرهم . ویندر أن یتجردوا من أهواء نفسیه وأغراض
– ص ۴۰ –
شخصیه ، تجعل کل فرد یشرئب إلى هذا المنصب الرفیع ما هئ له ووجد مجالا لارتقائه ، ولو عن غیر قصد ، بل عن رغبه نفسیه کامنه هی غریزیه لا یفطن لها صاحبها أو لا یعدها باطلا وخروجا عن محجه الصواب .
بل حب النفس قد یحمله على الاعتقاد بأن زعامته أصلح للأمه وأجدى ، فیوحی الهوى للنفس البرهان المقنع على صحه رأیه . وللمعتقد أن یعتقد أن الخلیفه أبا بکر تفطن إلى سوء عواقب هذا الشریع ، فأسرع إلى تعیین الخلیفه من بعده ،
بالرغم على جده هذا التشریع الذی به کان خلیفه ، وعلى ترکزه فی النفوس تتوقف صحه خلافته . کیف لا وقد شاهد هو الموقف فی بیعته یوم السقیفه ، وکان أدق من سم الخیاط ، مع غفله الناس یومئذ عن الأمر ، وانشغالهم بفاجعه نبیهم .

وهکذا حذا حذوه خلیفته ، فاخترع طریقه الشورى من سته أشخاص ، وهی تبعد کل البعد عن قاعده الرجوع إلى اختیار أهل الحل والعقد ، على أن وجدنا هؤلاء – وهم سته لا غیر – لم یتفقوا على رأی واحد ، فلعبت دورها التحیزات والعواطف ، فصغى رجل لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، على حد تعبیر الإمام علی بن أبی طالب .

ولا شک لم یخف على الخلیفه عمر استحاله حتى اتفاق الجماعه الصغیره ، فحکم فیها الأکثریه ، وعند التساوی فالکفه الراجحه التی فیها عبد الرحمن بن عوف . ومع ذلک
– ص ۴۱ –
حدد لهم الوقت بثلاثه أیام ، وأعطى السلطه التنفیذیه لغیرهم ، لیقهرهم على تنفیذ خطته . لماذا کل هذه القیود التی وضعها ، مع تهدیدهم بالقتل إن تأخروا عن الموعد ولم یبرموا العهد ؟ لا شک أنها کانت لقصد الابتعاد عن الخلاف والنزاع الطبیعی
لمثل هذا الأمر . إذا ألقى حبله على غاربه . وهنا وجدنا کیف أحکم عمر بن الخطاب وضع هذه الخطه ، اتقاء للخلاف والنزاع على الإماره الذی لا ینفک عاده عن إراقه الدماء ، فی وقت أراد ألا یتحمل تبعه تعیین شخص الخلیفه بعده ، أو أنه
فی الأصح لم یجد نفسه تمیل کل المیل إلا لتعیین أحد الثلاثه الذین قد ماتوا یومئذ ، وهم أبو عبیده بن الجراح ، وسالم مولى أبی حذیفه ، ومعاذ بن جبل . * * *

ولا أعجب أن یکون أبو بکر وعمر تفطنا إلى ما فی تشریع إلقاء الأمر على عاتق اختیار الأمه من فساد ، وما ینجم منه من جدال وجلاد .

ولکن عجبی ممن یتسرع فینسب ذلک التشریع إلى النبی الحکیم الذی لا یفعل إلا عن وحی ولا یحکم إلا بوحی . ومع ذلک یدعی الإسلام وعرفان الرسول العظیم . ولو کان للخلیفه عثمان کلمه تسمع ورأی یطاع یوم
– ص ۴۲ –
حوصر وأیس من الحیاه ، لما تأخر عن تعیین من یخلفه قطعا . ولکن الموقف کان أبعد من أن یتحکم علیه بمثل ذلک ، وهو محاط به لیخلع .

ومما یزیدنا اعتقادا بعقم هذا الحل لمشکلتنا الاجتماعیه الخطیره ، إنا لم نعرف خلیفه تعین بهذه الطریقه إلا أبا بکر وعلی بن أبی طالب ، وأبو بکر کانت بیعته فتنه أو فلته وقى الله شرها على حد تعبیر عمر عنها وهو نفسه الذی شید أرکانها ، ومع ذلک قال عنها : ( فمن دعا إلى مثلها فهو الذی لا بیعه له ولا لمن بایعه ) ( ۱ ) .

أما علی علیه السلام ، فبعد تمام البیعه له ( الشرعیه بنظر أصحاب هذا الرأی ) قد وجدنا کیف انتفض علیه نفس أهل الحل والعقد ، والإسلام بعد لم یرث والعهد قریب ، وهؤلاء المنتقضون هم جله الصحابه . فکانت حرب الجمل فحرب صفین اللتان أریقت بهما آلاف الدماء المحرمه هدرا ، وانتهکت فیهما حرمات الشریعه ، وشلت بهما حرکه الدین الإسلامی .

ولم نعرف بعد ذلک خلیفه تعین إلا بتعیین من قبله أو بحد السیف ، ولقد لعب السیف دورا قاسیا جعل العالم الإسلامی یمخر فی بحر من الدماء . ولم یجرئ الطامعین بالخلافه على
___________________________

( ۱ ) کنز العمال – ج ۳ – رقم ۲۳۲۶ وغیره . ( * )
 
– ص ۴۳ –
خوض غمار الحروب إلا سن هذا القانون .

قانون الاختیار ، فمهد السبیل لطلحه والزبیر أن یشعلا نار حرب الجمل ، ومهد لمعاویه ما اجترم ، ولابن الزبیر تطاوله للخلافه وهو القصیر ، وللعباسیین ثورتهم على الأمویین ولغیرهم ما شئت أن تحدث والحدیث ذو شجون .

إلى هنا أجد من نفسی القناعه والاطمئنان إلى القول بفساد تشریع تعیین الإمام باختیار أهل الحل والعقد . وهیهات أن یکون من النبی الحکیم مثل هذا التشریع . وکیف یخفى علیه ضرر هذا التشریع ، ولا یخفى على عائشه أم المؤمنین یوم تقول لعمر على لسان ابنه عبد الله : ( لا تدع أمه محمد بلا راع . استخلف علیهم ولا تدعهم بعدک هملا فإنی أخشى علیهم الفتنه ) .

وما أدری لماذا لم یشر أحد على محمد علیه أفضل التحیات أن یستخلف أو یبین على الأقل طریقه الاستخلاف حتى لا یفتتنوا ، کما أشارت عائشه على عمر ؟
ولماذا لم یسأله أحد عن هذا الأمر ، وهم یسألونه عن الکبیره والصغیره لماذا ؟ . . . ؟

والمرجح أنه سئل فأجاب ، ولکن التأریخ هو المتهم فی إهمال مثل هذه القضیه . على أن تأریخ الشیعه لم یمهل مثل هذا السؤال والجواب الصریح علیه .
 
 
– السقیفه : الشیخ محمد رضا المظفر ص ۴۴ –
۴ – لا نص فی قاعده الاختیار

لنتنازل الآن جمیع ما قلناه فی البحث السابق من فساد تشریع قاعده الاختیار ، ولکن ألا یجب علینا أن نسأل مدعی صدور هذا التشریع من النبی عن الدلیل علیه فی کتاب أو سنه .

وبودی أن یدلنی أحد على قول الرسول فی هذا الشأن ، فما سمعنا عنه أنه قال یوما : إن الاختیار فی تعیین الإمام لأهل الحل والعقد ، أو أنه أمر الأمه باختیار الإمام بعده ، لا تصریحا ولا تلویحا . على أن الدواعی جد متوفره لنقل مثل هذا القول ،
والقوه والحول فی صدر الإسلام إلى ما بعده فی ید من یرتئی هذا الرأی ویدافع عنه ، فلیس لأحد أن یدعی أن هذا الأثر قد خفی علینا أو امتنع الرواه عن نقله .

أجل ! إلا أن الله تعالى قال فی کتابه العزیز : ( وربک یخلق ما یشاء ویختار ما کان لهم الخیره ) . إذن لم یثبت عن النبی قول وتصریح فی هذا الأمر من الاتکال على اختیار الأمه ، بل قال تعالى : ( ما کان لهم الخیره ) .
– ص ۴۵ –
فلنذهب الآن من طریق ثانیه إلى إثبات صحه هذا التشریع ، فنقول : " ألیس النبی کان غیر غافل عن أمر الخلافه ! ولکنه سکت عن الحل لمشکلتها بطریق النص على أحد من أصحابه ، فلا بد أنه أوکل ذلک إلى اختیار أمته ، فیکون سکوته إذن دلیلا على هذا الایکال " .

وهذا یقرب من التفکیر الصحیح لأول وهله ، إذا استطعنا التصدیق بسکوته عن النص ، فلذلک لا یصح إلا إذا ثبت لنا أن لا نص هناک ، فوجب أن ننظر فیما تقوله أهل السنه والشیعه من النص على أبی بکر أو علی بن أبی طالب . وسیأتی فی البحث ( ۷ ) و ( ۸ ) .

ولکن لو فکرنا قلیلا ، فلا نرضى لمصلح عاقل فضلا عن النبی الکریم أن یرمز لهذا الأمر العظیم الذی وقع فیه أعظم خلاف فی الأمه بمثل هذا الرمز الخفی . وما الذی یلجئه إلى مثل هذا الدلیل الصامت – إن صح هذا التعبیر – مع علمه بما سیقع بعده من انشقاق وخلاف تتسع شقته هذا الاتساع ، وتتخلله فتن وحروب أنهکت المسلمین وأفسدت روحیه الإسلام ؟ ! .
أما کان الجدیر – إذا لم یکن قد نص على أحد – أن یصرح لأمته بإیکال الأمر إلى اختیارهم ؟
ثم یحدده باختیار أهل الحل والعقد منهم ، أو یحدده بخصوص أهل المدینه أو
– ص ۴۶ –
أهل عاصمه الخلافه ، ثم یکتفی باختیار الواحد والاثنین منهم ( على ما یذهب إلیه جماعه من علماء أهل السنه ) ، ثم یذکر شروط الإمام حتى یعرفوا من یجب أن یختاروه ! أکل هذه الأمور والقیود نستقیها من هذا الدلیل الصامت ویکون هذا
السکوت حجه على من یشکک فی واحد من هذه الشئون فیستحق عقاب الخالق الجبار ، ثم مع ذلک یخرج عن ربقه الإسلام ویدخل فی زمره الکافرین ؟ ! .

اللهم اشهد علی أنی لا أستطیع أن أؤمن بصحه دلیل صامت یدل هذه الدلاله الواسعه على أعظم الشئون العامه التی یعم بلاؤها جمیع الخلق فی کل زمان ومکان ، فی وقت الحاجه إلى دلیل ناطق وحجه واضحه . اللهم اشهد أنی لا أستطیع أن أؤمن بذلک إلا إذا فقدت حریه التفکیر ومسکه العقل .
 
۵ – اختلاف أمتی رحمه
وأخشى الآن أن أکون قد أخذت بقلمی النعره المذهبیه فی بحثی السابق ، فبالغت فی تشویه تلک الدعوى وخرجت عن خطتی التی رسمتها لنفسی .
وهل ترانی أخفف من وطأه تلک السوره ، فأطمئن إلى
– ص ۴۷ –
تعلیل مقبول لذلک الصمت ، بأن أقول : إن الرسول إنما ترک بیان هذا الأمر لیوقع الخلاف بین أمته رحمه بهم لما روی عنه : " اختلاف أمتی رحمه " ؟ .
ولکن هیهات ! إن لم تؤول الکلمه بما یتفق ومبادئ الإسلام ( ۱ ) فإنها الکذب الصراح على داعیه الوحده ومقاتل نزعات الجاهلیه الأولى بسیف من الأخوه الإسلامیه انتشل العرب من هوه عمیقه للتفرق والنزاع والنزال .

إن أکبر ظاهره للإسلام بل من أعظم أعماله ، تلک الدعوه إلى الوحده المطلقه بأوسع معانیها وتحطیم الفروق حتى بین الشعوب والأمم المختلفه . ألا ( إنما المؤمنون إخوه ) .

_________________________

( ۱ ) هذه الکلمه مرویه من طرق الطرفین . والوارد فی تفسیرها عن آل البیت غیر ما یتخیل من ظاهرها ففی علل الشرایع : " أنه قیل للإمام جعفر ابن محمد الصادق علیه السلام : إن قوما یروون أن رسول الله قال : " اختلاف أمتی رحمه " ، فقال : صدقوا ، فقیل : إذا کان اختلافهم رحمه فاجتماعهم عذاب ، قال : لیس حیث تذهب وذهبوا إنما أراد قول الله عز وجل ( فلولا نفر من کل فرقه طائفه . . ) واختلاف أهل البلدان إلى نبیهم ثم من عنده إلى بلادهم رحمه . . . " الخبر .
ومثله فی معانی الأخبار للصدوق ، وفیه : " إنما أراد اختلافهم من البلدان لا اختلافا فی دین الله ، إنما الدین واحد " . ( * )
 
– ص ۴۸ –
ولیس هناک شئ فی الإسلام غنی عن البرهان بل عن البیان مثل دعوته إلى الوحده والعمل لها بکل الوسائل ، لیکون المؤمنون کالبنیان المرصوص یشد بعضه بعضا .

وقد تجلى ذلک ظاهرا فی کثیر من الأحکام العملیه : فی وجوب الحج وصلاه الجمعه والجماعه وحرمه الغیبه واللمز والغمز والقذف . . . وما إلى ذلک مما لا یحصى ، وبعد هذا أیمکننا أن نجرأ فندعی أن الرسول یدعو إلى الخلاف ! وأکثر من ذلک یسعى إلى التفرقه ، وأیه تفرقه هی ؟ إن هذا لبهتان عظیم وزور مبین ! اللهم إنی استجیر بک من شطحات القلم والتفکیر .
 
۶ – الاجماع على قاعده الاختیار
وهنا لا بد أن ننصف فی القول فلا نجری الکلام على عواهنه ، فأنی لم أعرف عن إخواننا أهل السنه أنهم فسروا هذا الصمت المدعى بذلک التفسیر إلا من قل .

وعلى الأقل أنهم لم یجعلوه وحده دلیلا على إیکال أمر الخلافه لاختیار أهل الحل والعقد ، وإنما یستدلون بإجماع أهل الصدر الأول على کفایه اختیار أهل الحل والعقد ، بدلیل بیعه أبی بکر یوم السقیفه .
وعندهم الاجماع حجه لما روی عنه علیه الصلاه والسلام ،" لا تجتمع أمتی على الخطأ "و" ولا تجتمع أمتی على ضلال "
– ص ۴۹ –
ولکن الشیعه لا یعتبرون مثل هذا الاجماع . وإنما یعتبرون الاجماع إذا کشف عن رضى إمام معصوم حیث یکون داخلا فی أحد المجمعین . وبیعه أبی بکر لم تقترن بموافقه الإمام علی بن أبی طالب فلم یتم عندهم الاجماع الذی یکون حجه .

ویذهبون إلى أکثر من ذلک ، فیقولون إن الاجماع بکل معانیه لم ینعقد على صحه بیعه أبی بکر ، لمخالفه علی الذی یدور معه الحق حیثما دار ومخالفه قومه بنی هاشم وسعد بن عباده وابنه وجماعه من کبار الصحابه کسلمان وأبی ذر والمقداد وعمار والزبیر وخالد بن سعید وحذیفه الیمان وبریده وغیرهم .

ولم یبایع من بایع منهم بعد ذلک إلا قهرا واضطرارا حفظا لبیضه الإسلام وتوحیدا لکلمه المسلمین . ولا یصح بحال أن یدعی أن هؤلاء لیسوا من أهل الحل والعقد ، وهم من تعرف .

ویقول الشیعه أیضا : لم یتکرر بعد ذلک تعیین الإمام باختیار أهل الحل والعقد ، حتى نؤمن بحصول الاجماع على صحه الاختیار فی تعیینه ، لأن کل خلیفه تعین إنما تعین بنص السابق علیه أو بحد السیف والقوه ، ما عدا علی بن أبی طالب علیه السلام ، وهو إمام بالنص من النبی ( ص ) ولا شأن لاختیار الأمه فی إمامته . * * *

هکذا اختلف الطرفان ، وأجدنی الآن حائرا إزاء أدله
– ص ۵۰ –
الطرفین . وإذا أردت أن أعالج فی بحثی حادث السقیفه فإنما أعالجه من عده نواح هذه أهمها ، فهل أستطیع أن استنتج الحکم الفاصل لإحدى الطائفتین ؟ هذا ما قد یکشفه مستقبل البحث ، وکل آت قریب . ولا أتنبأ بالنتیجه قبل وقتها .

وکنت راغبا فی بحثی هنا أن أحصل على نتیجه حاسمه قبل الدخول فی تفسیر حوادث السقیفه ، بل قبل الدخول فی البحث عن النص على الإمام بعد النبی فی هذا الفصل ، ولکنی هنا وجدت هذه المسائل متداخله بعضها آخذ برقاب بعض .

ومع ذلک أجد بإمکانی أن أضع تقریرا یقرب من التفکیر الصحیح مع الإعراض عما یقوله الطرفان فی هذا الشأن ، مستعینا بما تقدم فی الأبحاث السابقه ، فهل تعیرنی تفکیرک لحظه لا حظ أنک لا تشک – وأنا معک – أن النبی ما فاه ولا ببنت شفه عن
قاعده انعقاد الإمامه باختیار أهل الحل والعقد ، مع أن الواجب یدعو للبیان الصریح ، کما قلنا آنفا ، فلماذا سکت عن ذلک ؟ . أکان إهمالا وتوریطا للمسلمین فی الخلاف والنزاع ، أو أنه لم یشرع مثل هذا التشریع ؟ والثانی هو الأقرب للصحه .
وعلیه فما قیمه الاجماع – إن تم – مع علمنا بأن هذا الأمر لیس من الدین ولم یشرعه الله على لسان نبیه ، على أنا وجدنا فی
– ص ۵۱ –
أبحاثنا السالفه أن البرهان الصحیح یقودنا إلى الاعتراف بفساد هذا التشریع ، فنعلم بنتیجه أن النبی لم یشرعه لأمته ، فلا بد أن نتهم الاجماع المدعى بإحدى التهم المتقدمه . هذا من جهه .

ومن جهه أخرى ، أنا لا أدری أن هؤلاء الذین أقدموا على الاجتماع فی السقیفه لعقد البیعه بدون مشوره من جمیع الموجودین فی المدینه وغیرهم على أی سناد استندوا وبأیه حجه اجتمعوا والمفروض أن لا حجه إلا الاجماع ، وهو – على فرضه –
بعد لم ینعقد على صحه عملهم ؟ فهذا العمل من أساسه کان بغیر حجه قائمه ولا بینه واضحه ، ولذا قال عمر لسعد بن عباده : " اقتلوه قتله الله إنه صاحب فتنه " . فلأی شئ استحق القتل ولم یکن یدعو إلا إلى نفسه کما دعا غیره ؟ ولماذا کان صاحب
فتنه ؟ – لیس إلا لأن دعوته من غیر حجه قائمه . وإذا کان قد ثبت من النبی صحه انقاد الخلافه باختیار أهل الحل والعقد ، ویکتفی بمثل القوم الذین اجتمعوا فی السقیفه یومئذ فلم یکن قد دعا سعد إلا إلى ما هو مشروع لا یستحق علیه قتلا ولا غضبا

أما النص المروی : " الأئمه من قریش " فلم یکن معروفا عند المهاجرین یومئذ أو أنهم لم یریدوا أن یعرفوه ، ولذا لم یستدلوا له ذلک الیوم ، بناء على ما هو الصحیح وإنما استدل الخلیفه أبو بکر بالقرابه من الرسول وأن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا بهذا الحی من قریش .
 
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.