حقوق الوالدین على الأبناء
لقد جعلت الشریعه الإسلامیه للوالدین حقوقاً على الأبناء، وبالإمکان إدراج جمیع هذه الحقوق تحت مفهوم "الاحسان" الذی أشارت إلیه آیات عدیده من کتاب الله سبحانه وتعالى وهی قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّکَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِیَّاهُ وَبِالْوَالِدَیْنِ إِحْسَانًا) وقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِیثَاقَ بَنِی إِسْرَائِیلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَیْنِ إِحْسَانًا) وقوله عزّ من قائل: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِکُوا بِهِ شَیْئًا وَبِالْوَالِدَیْنِ إِحْسَانًا)، وقوله : (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّکُمْ عَلَیْکُمْ أَلَّا تُشْرِکُوا بِهِ شَیْئًا وَبِالْوَالِدَیْنِ إِحْسَانًا)، وقد بین الإمام الصادق "علیه السلام" فی حدیث له المراد من الإحسان للوالدین، فقال: (الإحسان أن تحسن صحبتهما وأن لا تکلفهما أن یسألاک شیئاً مما یحتاجان إلیه وإن کانا مستغنیین …).
إذاً فالمراد بالإحسان هو أن یحسن الأبناء إلى الوالدین، ویشمل ذلک کل أنواع الإحسان ولا یختص بأمر معین، فکل ما یعدّ إحساناً فهو مما ینبغی فعله للوالدین، ومن ذلک أن یتعامل الأبناء مع والدین بالأخلاق الحسنه الفاضله، فلا یؤذونهما بأی نوع من أنواع الأذیه لا قولاً ولا فعلاً، فإن ذلک محرمٌ یلحق فاعله الإثم ویکون سبباً لاستحقاق عذاب الله الألیم، فهو من العقوق الذی هو من کبائر الذنوب.
ففی الروایه عن نبینا الأکرم "صلى الله علیه وآله": (من أحزن والدیه فقد عقّهما).
ومصادیق أذیه الوالدین المحرّمه کثیره نذکر منها: أن ینهر الابن والدیه بأن یزجرهما رافعاً صوته علیهما، فهذا التصرف فیه أذیه لهما، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عنه فی قوله: (… إِمَّا یَبْلُغَنَّ عِنْدَکَ الْکِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ کِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا کَرِیمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَهِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا کَمَا رَبَّیَانِی صَغِیرًا)، فقد یحصل أحیاناً أن الولد یرید أن یناقش أحد والدیه فی بعض آرائه التی یرى الولد حسب نظره عدم صحتها، وهذا لا مانع منه شرعاً بشرط أن یراعی أدب النقاش والحوار معهما من الهدوء وعدم رفع الصوت فوق صوتهما، دون أن یستخدم الألفاظ والکلمات الخشنه، وأشد أذیه من نهرهما أن یعتدی على والدیه بالضرب فهذا أکثر جرماً وأشد عذاباً وهو من أشد أنواع العقوق للوالدین، بل إن الشریعه الإسلامیه تنهى الأبناء عن النظر إلى الوالدین نظره بغض وکراهیه، ففی الروایه عن الإمام الصادق "علیه السلام" أنه قال: (من نظر إلى أبویه نظره ماقت لهما وهما ظالمان له لم یقبل الله له صلاه)، فإذا کان مجرد النظر ببغض وکراهیه للوالدین مع ظلمهما لابنهما یعد مانعاً من قبول صلاته فإنه فی حاله عدم ظلمهما له أو فی حاله نهره وزجره لهما أو الاعتداء علیهما بالضرب فمن باب أولى أن لا تقبل له صلاه، وأما نظره إلیهما حبّاً لهما فإنه عباده یستحق علیها الثواب من الله سبحانه وتعالى، ففی الحدیث عن النبی الأکرم "صلى الله علیه وآله" أنّه قال: (نظر الولد إلى والدیه حبّاً لهما عباده).
ومن مصادیق الإحسان إلى الوالدین أیضاً وجبوب الإنفاق علیهما فی حاله عسرهما وعدم توفر المال لدیهما، فمن الحقوق الواجبه على الأبناء للوالدین أن یدفعوا لهما النفقه اللائقه بحالهما.
والشریعه الإسلامیه لم تخص الوالدین المسلمین بوجوب برِّ وإحسان الأبناء لهما، وإنّما أوجبت برّهما والإحسان إلیهما وإن کانا کافرین مشرکین، فعن الإمام محمد بن علی الباقر "علیه السلام" قال: (ثلاث لم یجعل الله عزّ وجل لأحد فیهنَّ رخصه: أداء الأمانه إلى البرّ والفاجر، والوفاء بالعهد إلى البرّ والفاجر، وبرّ الوالدین برّین کانا أو فاجرین) (الکافی ج۲ ص ۱۶۸).
وعن جابر قال: (سمعت رجلاً یقول لأبی عبد الله "علیه السلام" : إن لی أبوین مخالفین، فقال: برّهما کما تبر المسلمین ممن یتولاّنا) (الکافی ج۲ ص ۱۶۸).
الأم أجدر بالإحسان:
ومع أن الشریعه الإسلامیه قد أمرت الأبناء بالإحسان إلى کلا الوالدین إلاّ أنها خصت الأم بمزید من البر والإحسان، وذلک لفضلها الکبیر على الأبناء من حملها لهم تسعه أشهر فی بطنها مع معاناتها من آلام الحمل وأوجاع الولاده والسهر لیلاً عندما ینهض طفلها من نومه لإرضاعه ومحاوله تنویمه مره أخرى، ولما تعیشه من أذى نفسی عندما یمرض أبناؤها لکل ذلک وغیره من الجمیل الذی قدمته لأبنائها مما لم یقدمه مخلوق آخر لهم کانت أحق ببرهم وإحسانهم. ففی صحیحه هشام بن سالم عن الإمام الصادق "علیه السلام" أنه قال: (جاء رجل الى النبی محمد "صلى الله علیه وآله" فقال: یا رسول الله من أبر؟ قال: أمک، قال: ثم من؟ قال: أمک، قال: ثم من؟ قال أمک، قال: ثم من؟ قال: أباک) (الکافی ج۲ ص ۱۶۶).
ویتأکد ویتشدد الأمر بالإحسان إلى الوالدین إذا وصلا إلى مرحله متقدمه من السن لأنّهما فی هذه المرحله یحتاجان إلى الرعایه والعنایه والإحسان من قبل الأبناء بشکل أکبر وأکثر لضعفهما وعدم إمکانهما القیام بقضاء الکثیر من حوائجهما، فلذلک یلزم الأبناء أن یقفوا معهما ویجبروا ضعفهما، ولأنّهما فی حاله الشیخوخه والکبر یکونان أکثر تأثراً ببعض أفعال وأقوال الأبناء فتولد عندهما انزعاجاً وأذى قد یکون فی بعض حالاته شدیداً علیهما لذلک أمر الله سبحانه وتعالى الأبناء بالکف عن کل ما من شأنه أن یولد عندهما شیئاً من ذلک فقال سبحانه وتعالى: (إِمَّا یَبْلُغَنَّ عِنْدَکَ الْکِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ کِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا کَرِیمًا*وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَهِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا کَمَا رَبَّیَانِی صَغِیرًا) (الإسراء : ۲۳-۲۴).
برُّ الوالدین لا یقتصر على حیاتهما:
ویتصوّر بعض الأبناء أن برَّ الوالدین مقتصرٌ على حیاتهما فقط فلا یجب على الأبناء برُّ الوالدین والإحسانُ إلیهما بعد وفاتهما، والحق أن ذلک واجبٌ فی حیاتهما وبعد وفاتهما فعن الإمام الصادق "علیه السّلام" عن آبائه "علیهم السّلام"، قال: قال رسول الله "صلّى الله علیه وآله": (سیّدُ الأبرار یوم القیامه رجلٌ بَرَّ والدیه بعد موتهما).
وعنه "علیه السّلام" أنّه قال: (ما یمنع الرجلَ منکم أن یبرّ والدَیه حیَّین أو میّتین، یُصلّی عنهما، ویتصدّق عنهما، ویحجّ عنهما، ویصوم عنهما، فیکون الذی صَنَع لهما وله مِثلُ ذلک، فیزیده اللهُ ببرّه وصلاته خیراً کثیراً) (بحار الأنوار ج۷۴ ص ۴۶).
ولقد ورد فی بعض الرّوایات أن بعض الأبناء ممن کانوا بارّین بوالدیهم فی حیاتهم یصبحون عاقّین لهم بعد مماتهم، وذلک لعدم قیامهم ببعض الحقوق التی علیهم لوالدیهم؛ کعدم قضاء ما علیهم من دین، وترک الاستغفار لهم، وأن بعض الأبناء ممن کانوا عاقّین لوالدیهم فی حیاتهم یکتبون عند الله سبحانه وتعالى بارّین بهم لقیامهم بقضاء الدّین عنهم وطلب العفو والمغفره من الله لهم، وعمل بعض الأعمال الصالحه وإهداء ثوابها لهم، فعن الإمام الباقر "علیه السلام" قال: (إنّ العبد لَیکون بارّاً بوالدَیه فی حیاتهما، ثمّ یموتان فلا یَقْضی عنهما دَینهما ولا یستغفر لهما، فیکتبه الله عاقاً؛ وإنّه لَیکون عاقّاً فی حیاتهما غیر بارٍّ بهما، فإذا ماتا قضى دَینهما واستغفر لهما، فیکتبه الله بارّاً) (بحار الأنوار ج۷۴ ص ۵۶).
حدود طاعه الأبناء للوالدین:
إن من المسائل المهمه التی تطرح عند الحدیث عن علاقه الأبناء بالوالدین مسأله حدود طاعه الأبناء للوالدین فیما یطلبانه من الأبناء أو یأمرانهم به أو ینهیانهم عنه، وذلک فی غیر ما إذا أمرا بترک واجب أو فعل محرّم فإنّه لا طاعه لهما فی ذلک لأنّه لا طاعه لمخلوق فی معصیه الخالق. أما فی غیر ذلک فهل یجب على الأبناء طاعه الوالدین طاعه مطلقه أم أن لطاعتهما حدود.
إن وجوب الطاعه للوالدین على أبنائهم إنما یکون فی خصوص ما یعرف بالأوامر الإشفاقیه، فلو أمر الأب أو الأم ابنهما أمراً سببه شفقتهما وخوفهما علیه فلا یجوز له مخالفتهما، ومثال ذلک ما لو منعاه من السفر إلى مکان ما شفقه علیه فإنه لا یجوز له مخالفتهما. أما فی غیر الأوامر الإشفاقیه کأن یمنعاه من عملٍ لا لشیءٍ سوى عدم رغبتهما بذلک الشیء فتجوز مخالفتهما. ومثال ذلک ما لو طلب أحد الوالدین من ابنه أن یطلق زوجته فلا تجب علیه طاعته فی ذلک، أو لو اختار الولد فتاه لیتزوج بها وکانت مقبوله لدیه من ناحیه دینها وأخلاقها ومستواها الفکری والتعلیمی وکذلک من جهه شرفها ونسبها ورفض أحد والدیه زواجه منها لمجرد عدم رغبته فی زواج ابنه منها لسبب آخر غیر الشفقه بل لأنه مثلاً لا یرید أن یتزوج ابنه من العائله الفلانیه أو من ابنه فلان أو فلانه فإنه لا یجب شرعاً على الولد أن ینصاع إلى هذا الرفض وله أن یتزوج من هذه الفتاه. نعم من کمال الإیمان الطاعه للوالدین فی کل أوامرهما ما لم یکن فیه معصیه للخالق.
من ثمار الإحسان للوالدین:
إن من ثمار وآثار الإحسان إلى الوالدین والبرّ بهما أن الله سبحانه وتعالى یدفع عن البارّ بوالدیه والمحسن لهما الفقر، ویخفف عنه سکرات الموت، فعن الإمام جعفر بن محمد الصادق "علیه السلام" قال: (من أحبّ أن یخفف الله عزّ وجل عنه سکرات الموت، فلیکن لقرابته وصولاً، وبوالدیه باراً، فإذا کان کذلک هوّن الله علیه سکرات الموت، ولم یصبه فی حیاته فقر أبداً)، ویخفف علیه الحساب، فیحاسبه الله سبحانه وتعالى یوم القیامه حساباً یسیراً، فعن النبی المصطفى "صلى الله علیه وآله" : (برُّ الوالدین وصله الرحم تهوّنان الحساب) (بحار الأنوار ج۸۴ ص ۸۵).
وأعظم ثمره لبرِّ الوالدین والإحسان إلیهما أن ذلک من موجبات الدخول إلى الجنه والتنعم فیها، ففی صحیحه عبد الله بن المغیره عن الإمام الکاظم عن جدّه النبی الأعظم "صلى الله علیه وآله" أنّه قال: (کن بارّاً واقتصر على الجنه، وإن کنت عاقّاً [فظاً] فاقتصر على النار) (الکافی ج۲ ص ۳۴۸).