فاطمه (ع) وحدیث الکساء الشریف
فقد وعته کواکب الکون ونجوم السماوات السبع ومازال الإنسان فی ریب من أمره ذلک إن الإنسان کان جهولا . لقد وعته قلوب المؤمنین وإفتدتهم قبل أن تعیه أسماعهم لذا سوف نعیش فی رحابه ونقف مع حلقاته ونستضیء من نوره ونستجلی حقائقه ونحیا مع برکاته کی نصل الی شاطی نور العلم والمعرفه تلکم هی معرفه نورانیه أهل البیت (علیهم السلام) ، فحدیث الکساء الشریف یعتبر مرسوم ربانی قد قلده الله تبارک وتعالى لنبیه الشریف محمد (صلى الله علیه وآله) ولآله الطیبین الطاهرین حیث جاء موضحاً لإراده رب العالمین التی وسمت قوله تعالى ( إنما یرید الله لیذهب عنکم الرجس أهل البیت ویطهرکم تطهیراً ) کل ذلک حرصاً ومحبتاً من الله تعالى للرسول ولأهل بیته (علیهم السلام) ولکی لا یشرق الناس أو یغربوا ولا تأخذهم الاهواء والمیول والرغبات یمیناً وشمالاً وحتى لا یحرف المغرضون هذه الآیه المبارکه العظیمه عن أهلها وأصحابها الحقیقین الذی أرادهم رب العالمین أطهاراً مطهرین یتولون قیاده الأمه ویوضحون معالم طریقها بعد رسوله الکریم محمد (صلى الله علیه وآله) . إن هذا الحدیث یستحق منا أن نقف عنده وقفه متأمله لکی ننفذ إلى الأبعاد الانسانیه والحقائق العلمیه والمسائل العقائدیه التی یرمی الیها والنتائج الرائعه التی تترتب علیه فهو لیس مجرد حدیث یروى لأجل أن نأخذ معلومه جامده تتوقف عند حدود الحدیث وظاهر الالفاظ بل یجب أن نستشف المرامی الحضاریه الکامنه خلف ألفاظه وکلماته ، لا سیما أن الله سبحانه وتعالى قد میزنا عن سائر المخلوقات الاخرى بأن وهب لنا عقلاً والهمنا کیف نستخدمه ونوظفه لخدمه المجتمع والانسانیه جمعاء لا أن نکون مجرد مخلوقات تأکل وتنام وتضاجع دون أن نعی ما کان ویکون حولها .
وسیکون حدیثنا حول هذا الحدیث المبارک فی ثلاث وقفات :
الوقفه الأولى : ارتباط هذا الحدیث بآیه التطهیر .
الوقفهالثانیه : سند هذا الحدیث الشریف .
الوقفه الثالثه : مضامین هذا الحدیث المختلفه .
الوقفه الأولى « حدیث الکساء وآیه التطهیر »
ارتبط حدیث الکساء الشریف بنزول آیه التطهیر ارتباطاً وثیقاً حیث جاءت هذه الآیه المبارکه « إنّما یرید الله لیذهب عنکم الرجس أهل البیت ویطهرکم تطهیرا » لتؤکد على مسأله عصمه أهل البیت (علیهم السلام) جمیعاً بما فیهم فاطمه الزهراء (علیها السلام) ، والذی یهمنا فی المقام هو عصمه فاطمه الزهراء (علیها السلام) ، أمّا مسأله البحث حول هذه الآیه المبارکه ودلالتها على عصمه أهل البیت (علیهم السلام) فهذا موکول إلى الکتب الکلامیه الخاصه بهذا الموضوع ، أمّا دلاله هذه الآیه على عصمه فاطمه الزهراء (علیها السلام) فهذا ما تجده من خلال الروایات التی بینت من هم أهل البیت الذین عنتهم الآیه المبارکه وکیفیه اشتراک الزهراء مع أهل البیت فی طهارتهم وعصمتهم ، أمّا الروایات فسنذکر بعضها بعدما أن نقف مع مفهوم أهل البیت ، ومن المراد بهم فلربما یقول قائل إنّنا لا نؤمن بالروایات أو لا نقبل هذه الروایات فنقول له تعال معنا لنقف سویه على مفهوم أهل البیت ومن المراد بهم ؟ . إن التعرف على مفهوم أهل البیت لغه والمقصود منه فی هذه الآیه المبارکه یعد من الأبحاث الضروریه فی فهم مفاد هذه الآیه فلقد ضلّ الکثیر فی تفسیر هذه الآیه والمراد فیها من أهل البیت ولأجل ذلک نبحث اولا وقبل کل شیء هذا المفهوم لغه على وجه یرفع الستار عن وجه الحقیقه .
مفهوم أهل البیت عند أهل اللغه
قد ورد لفظ أهل البیت فی القرآن الکریم مرتین أحداهما فی هذه الآیه المرتبطه بحدیث الکساء الشریف والأخرى فی قوله تعالى ( قولوا أتعجبین من أمر الله رحمه الله وبرکاته علیکم أهل البیت ) (۱) . ویمکن تحدید مفهوم الأهل من موارد استعماله فیقال :
۱ ـ أهل الأمر والنهی . ۲ ـ أهل الأنجیل . ۳ ـ أهل الکتاب . 4 ـ أهل الأسلام . ۵ ـ أهل الرجل . 6 ـ أهل الماء .
وهذه الموارد توقفنا على أن کلمه أهل تستعمل مضافاً فیمن کان له علاقه قویه بمن أضیف إلیه ، فأهل الأمر والنهى هم الذین یمارسون الحکم والبعث والزجر ، وأهل الأنجیل هم الذین لهم اعتقاد به کأهل الکتاب وأهل الإسلام .
وقد اتفقت کلمه أهل اللغه على أن الأهل والآل کلمتان بمعنى واحد قال ابن منظور : آل الرجل : أهله وآل الله وآل رسوله : أولیاؤه ، أصلها أهل ثم بدلت الهاء همزه فصارت فی التقدیر أأل فلما توالت الهمزمان أبدلوا الثانیه ألفاً . کما قالوا : آدم وآخر ، وفی الفعل آمن وآزر . وقد انشأ عبد المطلب عند هجوم ابرهه على مکه المکرمه وقد أخذ حلقه باب الکعبه وقال :
وانصر على آل الصلیب وعابدیه الیوم آلک
وعلى ما ذکرنا فهذا اللفظ إذا أضیف الى شیء یقصد منه المضاف الذی له علاقه خاصه بالمضاف إلیه ، فأهل الرجل مثلاً أخص الناس به ، وأهل المسجد المترددون کثیراً إلیه ، وأهل الغابه القاطنون فیها … فإذا لاحظنا موارد استعمال هذه الکلمه لانترود فی شمولها للزوجه والأولاد وبل غیرهم ممن تربطهم رابطه خاصه بالبیت من غیر فرق بین الأولاد والأزواج ولأجل ذلک ترى أنّه سبحانه یطلقه على زوجه إبراهیم کما عرفت فی الآیه هذه هو حق الکلام فی تحدید مفهوم هذه الکلمه ولنأتی ببعض نصوص أئمه اللغه .
قال ابن منظور : أهل البیت سکانه وأهل الرجل أخص الناس به وأهل البیت أزواجه وبناته وصهره أعنی علیاً (علیه السلام) ، وقیل نساء النبی والرجال الذین هم أهله (۲) .
فلقد أحسن الرجل فی تحدید المفهوم ، أولاً ، وتوضیح معناه فی القرآن الکریم کما أشار بقوله : قیل : الى ضعف القول الآخر لأنه نسبه الى القیل .
وقال ابن فارس ناقلاً عن الخلیل ابن أحمد : أهل الرجل زوجه والتأهل التزوج وأهل الرجل أخص الناس به وأهل البیت سکانه وأهل الأسلام من یدین به (۳) .
وعلى ماذکرنا فهذا اللفظ إذا أضیف الى شیء یقصد منه المضاف الذی له علاقه خاصه بالمضاف إلیه فأهل الرجل مثلاً أخص الناس به فاذا لا حظنا موارد استعمال هذه الکلمه لا نتردد فی شمولها للزوجه والأولاد بل وغیرهم ممن تربطهم رابطه خاصه البیت من غیر فرق بین الأولاد والأزواج .
اذن هذه الکلمات ونظائرها بین أعلام اللغه کلها تعرب عن أن مفهوم أهل البیت فی اللغه هم الذین لهم صله وطیده بالبیت وأهل الرجل من له صله به ینسب أو سبب أو غیرهما ، وهناک إشکال من بعض المفسرین الذین قالوا ان لفظ أهل البیت یطلق فقط على الزوجه ویستعمل فی الأولاد والأقارب تجوزاً أی یکون استعماله حقیقه فی الزوجه ومجازاً فی الأولاد والأقارب وقد استدل هذا الذی أثار هذا الإشکال على ذلک عن طریق اثباته ذلک من القرآن الکریم کما وردت هذه اللفظه ـ أهل البیت ـ فی قصه أبراهیم بالبشرى حیث قال الله تعالى ( وامراته قائمه فضحکت فبشرناها بأسحاق من وراء إسحاق یعقوب قالت یا ویلتی أألد وأنا عجوز وهذا بعلی شیخاً إنّ هذا لشیء عجیب ، قالوا أتعجبین من أمر الله رحمه الله وبرکاته علیکم أهل البیت ) (۴) . وفی قصه موسى (علیه السلام) أیضاً : ( فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ناراً قال لأهله إمکثوا انی آنست ناراً ) (۵) . فالمستشکل قال : إن الله استعمل هذه اللفظه على لسان ملائکته فی زوجه إبراهیم (علیه السلام) لا غیر کما فی الآیه الأولى الخاصه بالبشرى واستعمل الأهل فی زوجه موسى (علیه السلام) وهی بنت شعیب ما فی الآیه ، إذن فالمستشکل قال إن الأهل تطلق على الزوجه حقیقه ، وهذا مردود من عده جهات :
أولاّ : تقدم على لسان أهل اللغه أن لفظه أهل تطلق على أخص الناس بالزوج وهم الأولاد .
ثانیاً : ان کلامه غیر صحیح من کون الأهل تطلق حقیقه على الزوجه ومجازاً على الأولاد فنحن نقول له من أین إستظهرت هذا ، فاذا قلت من آیه البشرى وآیه موسى فإنه مردود لأنه الأطلاق هنا على کلمه الأهل لیس دلیلاً على الأنحصار ـ أی إنحصار اللفظه على الزوجه فقط ..
ثالثاً : إنّ الآیه فی قصه إبراهیم قالت علیکم أهل البیت ولم تقول الآیه المبارکه علیک تکون ظاهره فی زوجته فقط کلمه أهل .
أمّا السؤال المهم فی هذا المقام هو هل أنّ مفهوم ولفظ أهل البیت یطلق على الزوجه أو على الزوجه والأولاد ؟ وفیما نحن فیه هل هناک قرائن فی آیه التطهیر أو قبلها أو بعدها تصرف هذا اللفظ خاصه الى أهل البیت الذین یقصد بهم على وفاطمه والحسن والحسین (علیهم السلام) ، أم لا توجد قرائن ؟ والجواب على ذلک : إن بعض من وقف مع هذه الآیه المبارکه ومدلولاتها قال ان المراد من أهل البیت هم أزواجه ونسائه (صلى الله علیه وآله) والبعض الآخر قال إنّ لفظ أهل البیت خاصه یطلق على بنت النبی (صلى الله علیه وآله) و صهره وولداهما الحسن والحسین (علیهم السلام) .
والحق مع من ذهب الى القول الثانی ـ علی وفاطمه والحسن والحسین ـ بدلاله عده شواهد وقرائن حفت بالآیه المبارکه سواء کانت قرائن حالیه أو مقامیه وإلیک هذه القرائن .
۱ ـ القرینه الأولى اللام فی أهل البیت للعهد وبیان ذلک : إنّ اللام قد یراد منها الجنس المدخول علیه مثل قوله تعالى « إن الإنسان لفی خسر » ، وقد یراد من اللام الإستغراق مثل قوله تعالى « یا أیها النبی جاهد الکفار والمنافقین وأغلظ علیهم » وقد یراد منها بأعتبار معهودیه مدخولها بین المتکلم والمخاطب ، أمّا الأول والثانی من الأقوال لا یمکن أن نحمل اللام علیهما أما القول الثالث فهو الحق لأنّ الله تعالى إنما یرید إذهاب الرجس عن أهل بیت معهودین بین المتکلم والمخاطب ، وفمن هم هؤلاء أهل البیت ؟!!
۲ ـ القرینه الثانیه على أن المراد من أهل البیت هم علی وفاطمه والحسن والحسین هو تذکیر الضمائر فی الآیه خلاف الضمائر الاخرى التی ورده فی الآیه المبارکه حیث جاءت مؤنثه مثل وقلن ، اتقیتن . فلا تخضعن … الخ .
۳ ـ القرینه الثالثه : ـ هی ان الإراده وکما أثبتتها الکتب الکلامیه هی الاراده التکوینیه .. إنما یرید الله ـ لا التشریعیه فلا یصح حمل مفهوم أهل البیت على نساء النبی (صلى الله علیه وآله) إذ لم یدع أحد من المسلمین کونهن معصومات من الذنب مطهرات من الزلل فلا مناص من تطبیقه على جماعه خاصه من المنتمین إلى البیت النبوی الذین تحقق فیهم تعلقهم بالاسباب والمقتضیات التی تنتهی بصاحبها إلى العصمه ولا ینطبق هذا إلا على الإمام علی وفاطمه والحسن والحسین (علیهم السلام) .
وأضف الى ذلک الى أن المراد من أهل البیت (علیهم السلام) هم أصحاب الکساء الخمسه هو وقوف النبی (صلى الله علیه وآله) سته أشهر على باب فاطمه وینادیهم بقوله تعالى ـ « إنما یرید الله … » لیوقضهم للصلاه ولیؤکد على حرمه أهل هذا البیت (علیهم السلام) ، وکذلک نزول آیه التطهیر فی بیت فاطمه (علیها السلام) حیث قالت دخل علی أبی وفیه دلاله على أن حدیث الکساء کان فی بیت فاطمه (علیها السلام) خلاف ما یدعیه البعض أن حدیث الکساء کان فی بیت أم سلمه وکما سیأتینا هذا البحث .
إذن کان للنبی العنایه الوافره بتعریف أهل البیت لم یرّ مثلها إلا فی أقل الموارد حیث قام بتعریفهم بطرق مختلفه کما کان المحدثین والمفسرین وأهل السیّر والتأریخ لهم العنایه الکامله بتعریف أهل البیت (علیهم السلام) فی مواضع مختلفه وحسب المناسبات التی تقتضی طرح هذه المسأله وکذلک الشعراء المخلصین الاسلامیین الذین کان لهم العنایه البارزه ببیان فضائل أهل البیت وتعریفهم للناس والتصریح بأسمائهم على وجه یظهر من الجمیع اتفاقهم على نزول الآیه فی حق العتره الطاهره .
أما الروایات الوارده فی بیان من هم أهل البیت (علیهم السلام) فنروی لک شاهدین الشاهد الأول : ما روی عن أم سلمه انها قالت : ان النبی (صلى الله علیه وآله) کان فی بیتی فاستدعى علیاً وفاطمه والحسن والحسین (علیهم السلام) ؛ وجللهم بعباءهٍ خیبریه ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بیتی فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهیراً فقالت أم سلمه : قلت یا رسول الله أنا من أهل بیتک ؟ قال لا : ولکنک إلى خیر (۶) .
أما الشاهد الثانی : ما روی عن أمیر المؤمنین علی (علیه السلام) فی إحتجاجه على أبی بکر حیث قال له أخبرنی عن وقول الله عزّ وجلّ « إنما یرید الله لیذهب عنکم الرجس أهل البیت ویطهرکم تطهیرا » أفینا نزلت أو فی غیرنا نزلت ؟ قال : فیکم : فأخبرنی لو أنّ شاهدین من المسلمین شهداً على فاطمه (علیها السلام) بفاحشه ما کنت صانعاً ؟ قال :
کنت أقیم علیها الحد کما أقیم على نساء المسلمین !! قال الإمام (علیه السلام) کنت إذن عند الله من الکافرین قال : ولم ؟ قال : لأنک رددت شهادتها وقبلت شهاده غیرها کنت عند الله من الکافرین قال : فبکى الناس وتفرقوا ودمدموا (۷) .
وعلى هذا یکون الشاهدین فیهما دلاله على أن فاطمه کانت من أهل بیت العصمه فهی معصومه من الزلل والخطأ والعصمه هنا لها هی العصمه الذاتیه ولیس الفعلیه ، ومما یؤکد العصمه فیها کذلک الأقوال والأحادیث الوارده من خلال استقراء کتب الحدیث حیث روت لنا هذه الکتب إن الرسول کان دائماً یقول : فاطمه بضعه منی یغضبنی من أغضبها ویسرنی من أسرها وإن الله لیغضب لغضبها ویرض لرضاها .
فان هذا کاشف عن إناطه رضاها بما فیه مرضاه الرب جلّ شأنه وغضبه بغضبها حتى إنها لو غضبت أو رضیت على أمر مباح لابد أن تکون له جهه شرعیه تدخله فی الراجحات لم تکن حاله الرضا والغضب فیها منبعثه عن جهه نفسانیه وهذا مثل العصمه الثابته لها (علیها السلام) (۸) وقد قال الشیخ المفید طاب ثراه (۹) فی إثبات الحکم بکون فاطمه معصومه من الزلل والخطأ ما نصه : قد ثبت عصمه فاطمه (علیها السلام) بإجماع الأمه على ذلک فتیاً مطلقه ، وإجماعهم على إنّه لو شهد شهود بما یوجب إقامه الحد من الفعل المنافی للعصمه ، لکان الشهود مبطلین فی شهادتهم ، ووجب على الأمه تکذیبهم وعلى السلطان عقوبتهم ، فإنّ الله تعالى قد دل على ذلک بقوله : « إنما یرید الله لیذهب عنکم الرجس أهل البیت ویطهرکم تطهیراً » .
ولا خلاف بین نقله الآثار إن فاطمه (علیها السلام) کانت من أهل هذه الآیه ، وقد بیّنا فیما سلف إنّ ذهاب الرجس عن أهل البیت الذین عنوا بالخطاب یوجب عصمتهم ولأجماع الأمه ایضاً على قول النبی (صلى الله علیه وآله) : « من آذى فاطمه فقد آذانی ومن آذانی فقد آذى الله عزوجل » . فلولا أنّ فاطمه (علیها السلام) کانت معصومه من الخطأ ، مبرأه من الزلل ، لجاز منها وقوع ما یجب آذاها بالأدب والعقوبه ولو وجب ذلک لوجب آذاها ولو جاز وجوب آذاها لجاز آذى رسول الله (صلى الله علیه وآله) ، والأذى لله عزوجل فلمّا بطل ذلک دلّ على أنها (علیها السلام) کانت معصومه حسب ما ذکرناه ، وإذا ثبت عصمه فاطمه (علیها السلام) وجب القطع بقولها ، واستغنت عن الشهود فی دعواها ـ فی قضیه فدک ـ لأن المدعی إنمّا افتقر للشهود لارتفاع العصمه عنه وجواز ادعائه الباطل فیستظهر بالشهود وعلى قوله لئلا یطمع کثیر من الناس فی أموال غیرهم ، وجحد الحقوق الواجبه علیهم وإذا کانت العصمه مغنیه عن الشهاده وجب القطع على قول فاطمه (علیها السلام) وعلى ظلم ما نعها فدکاً ومطالبتها بالبینه علیها .
ویکشف عن صحه ما ذکرناه أن الشاهدین إنما یقبل قولهما على الظاهر مع جواز أن یکونا مبطلین کاذبین فیما شهدا به ، ولیس یصح الإستظهار على قول من قد أمن من الکذب بقول من لا یؤمن علیه ، ذلک کیما لا یصح الاستظهار على قول المؤمن بقول الکافر ، وعلى قول العدل البر بقول الفاسق الفاجر . ویدل أیضاً على ذلک : إنّ النبی (صلى الله علیه وآله) استشهد على قوله فشهد خزیمه بن ثابت فی ناقه نازعه فیها منازع ؛ فقال له النبی (صلى الله علیه وآله) : من أین علمت یا خزیمه ، أنّ هذه الناقه لی ؟ أشهدت شرائی لها ؟ فقال : لا ولکنی علمت أنّها لک من حیث إنّک رسول الله ، فأجاز النبی (صلى الله علیه وآله) شهادته کشهاده رجلین وحکم بقوله فلو لا أن العصمه دلیل الصدق وتعنی عن الاستشهاد ، لما حکم النبی (صلى الله علیه وآله) بقول خزیمه من ثابت وحده وصوّبه فی الشهاده له على ما لم یره ولم یحضره ، بأستدلاله علیه بدلیل نبوته وصدقه على الله سبحانه فیما أراده الى بریته ، وإذا وجب قبول قول فاطمه (علیها السلام) بدلائل صدقها ، واستغنت عن الشهود لها ثبت ان من قطع حقها وأوجب الشهود على صحه قولها ، قد جار فی حکمه وظلم فی فعله ، وآذى الله تعالى ورسوله (صلى الله علیه وآله) بأیذائه لفاطمه (علیها السلام) وقد قال الله عزّوجلّ : ( إنّ الذین یؤذون الله ورسوله لعنهم الله فی الدنیا والآخره وأعدّ لهم عذاباً مهینا ) (۱۰) . اذن لاشک فی عصمه فاطمه (علیها السلام) ، أمّا عندنا فللإجماع القطعی المتواتر والأخبار المتواتره فی فضائلها ومناقبها .
وأمّا الحجه على المخالفین :
۱ ـ فبآیه التطهیر الداله على عصمتها ، وکما بیّنا فی إثبات نزول هذه الآیه فی جماعه کانت داخله فیهم بل هی قطب الرحى الذی یدور فیه أهل البیت (علیهم السلام) .
۲ ـ وبالأخبار المتواتره الدّاله على أنّ إیذائها إیذاء الرسول (صلى الله علیه وآله) وإنّ الله تعالى یغضب لغضبها ویرضى لرضاها : ووجه الإستدلال بالروایات على عصمتها صلوات الله علیها : أنّه کانت فاطمه (علیها السلام) ممن تقارق الذنوب وترکتبها ، لجاز إیذاؤها ، بل إقامه الحد علیها ، لو فعلت معصیه ، وارتکبت ما یوجب حداً ، لم یکن رضاها رضى الله سبحانه إذا رضیت بالمعصیه ، ولا من سرها فی معصیه ساراً لله سبحانه ، ومن أغضبها بمنعها عن ارتکابها مغضباً له جل شأنه ، فإن قیل : لعل المراد ، من آذاها ظلماً فقد آذانی ، ومن سرّها فی طاعه الله فقد سرّنی ، وأمثال ذلک ، لشیوع التخصیص فی العمومات قلنا :
أولاً : التخصیص خلاف الأصل ، ولایصار إلیه إلا بدلیل فمن أراد التخصیص فعلیه إقامه الدلیل .
ثانیاً : إن فاطمه صلوات الله علیها تکون حینئذ کسائر المسلمین ، لم تثبت لها خصوصیه ومزیه فی تلک الأخبار ، ولا کان لها فیها تشریف وحدمه ؛ وذلک باطل بوجوه :
۱ ـ إنّه لا معنى حینئذ لتفریع کون إیذائها إیذاء الرسول (صلى الله علیه وآله) على کونها بضعه منه کما یصرح بذلک صحیح البخاری ومسلم فی روایاته .
۲ ـ إنّ کثیراً من الأخبار السالفه المتضمنه لأنکاره (صلى الله علیه وآله) على بنی هاشم ، فی أن ینکحوا إبنتهم علی بن ابی طالب (علیه السلام) ، أو النکاح بنت أبی جهل ، لیس من المشترکات بین المسلمین فإنّ ذلک النکاح کان مما أباحه الله سبحانه ، بل ممّا رغّب فیه وحث علیه لولا کان کونه إیذاء لسیده النساء ، وقد علل رسول (صلى الله علیه وآله) عدم الإذن بکونها بضعه منه یؤذیها ما آذاها ویربیه ما یریبها تظهر بطلان القول بعموم الحکم لکافه المسلمین ، على إنه لو ثبت هذا القول بأن علی (صلى الله علیه وآله) ربما أو أراد أن یتزوج من المتقدمی الذکر .
۳ ـ إنّ القول بذلک یوجب إلقاء کلامه (صلى الله علیه وآله) وخلّوه من الفائده ، إذ مدلوله حینئذ أنّ بضعته کسائر المسلمین ولا یقول ذلک من أوتی حظاً من الفهم والفطانه ، أو أتصف بشیء من الانصاف والأمانه ، وقد أطبق محدثوهم على إیراد تلک الروایات فی باب مناقبها صلوات الله علیها .
فإن قیل : أقصى ما یدل علیه الأخبار ، هو أنّ إیذاؤها إیذاء الرسول (صلى الله علیه وآله) ومن جوّز صدور الذنب عنه (صلى الله علیه وآله) ، لا یأبى عن إیذائه إذا فعل ما یستحق به الإیذاء .
قلنا : بعد مامر من الدلائل على عصمه الأنبیاء (علیهم السلام) ، قال الله تعالى ( والذین یؤذون رسول الله لهم عذاب ألیم ) (۱۱) . وقال سبحانه : ( وما کان لکم أن تؤذوا رسول الله ) (۱۲) . وقال تعالى : ( إنّ الذین یؤذون الله ورسوله لعنهم الله فی الدنیا والآخره وأعدّ لهم عذاباً معیناً ) (۱۳) . فالقول بجواز ایذائه (صلى الله علیه وآله) ردّ لصریح القرآن ، ولا یرضى به أحد من أهل الإیمان ، فإن قیل : إنّما دلّت الأخبار على عدم عدم جواز إیذائها ، وهو إنما ینافی صدور الذنب منها یمکن للناس الاطلاع علیه ، حتى یؤذیها نهیاً عن المنکر ، ولا ینافی صدور معصیه عنها خفیّه فلا یدل على عصمتها مطلقاً .
قلنا : نتمسک فی دفع هذا الاحتمال بالإجماع المرکب أن ماجرى فی قصه فدک وصدر عنها من الانکار على أبی بکر ومجاهرتها بالحکم بکفره وکفر طائفه من الصحابه وفسقهم تصریحاً وتلویحاً ، وتظلمها وغضبها على أبی بکر ، وهجرتها وترک کلامها حتى ماتت ، لو کانت معصیه لکانت من المعاصی الظاهره التی قد أعلنت بها على رؤوس الاشهاد ، وأی ذنب أظهر وأفحش من مثل هذا الردّ والانکار على الخلیفه المفترض الطاعه على العالمین ؟ بزعمهم فلا محیص لهم عن القول ببطلان خلافه خلیفتهم العظمى تحرزاً عن إسناد هذه المعصیه الکبرى إلى سیده النساء .
۳ ـ ونحتج أیضاً فی عصمتها (علیها السلام) بالاخبار الداله على وجوب التمسک بأهل البیت (علیهم السلام) وعدم جواز التخلف عنهم ، وما یقرّب هذا المعنى ، ولا ریب فی ذلک لا یکون ثابتاً لأحد ، إلاّ إذا کان معصوماً إذ لو کان ممّن یصدر عنه الذنوب لما جاز إتباعه عند إرتکابها ، بل یجب ردعه ومنعه وایذاؤه واقامه الحد علیه وإنکاره بالقلب واللسان وکل ذلک ینافی ماحث علیه الرسول صلى الله علیه و آله وسلم وأوصى به الأمه فی شأنهم ، ویکفی فی ذلک ماروه المخالفون لنا عن الترمذی عن زید بن أرقم قال : قال رسول الله (صلى الله علیه وآله) : إنی تارک فیکم ما إن تمسکتم به لن تضلّوا ، أحدهما أعظم من الآخر وهو کتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتی أهل بیتی لن یفترتا حتّى یردا علیّ الحوض فانظروا کیف تخلفونی فیهما ، فلا یهولنّک ما یقرع سمعک من الطنین آخذاً من المیول والأهواء المردیه بأن العصمه الثابته لمن شارکها فی الکساء لأجل تحملهم الحجیه من رساله أو إمامه ، وقد تخلت الزهراء (علیها السلام) عنها ـ النبوه والإمامه ـ فلا تجب عصمتها ، الجواب إنّا لم نقل بتحقق العصمه فیهم (علیهم السلام) لاجل تبلیغ الاحکام حتى یقال بعدم عصمه الصدیقه لعدم توقف التبلیغ علیها ، وإنما تمسّکنا بعصمتهم بعد نص الکتاب العزیز بإقتضاء الطبیعه المتکونه من النور الالهی المستحیل فیمن اشتقت منه مقارفه إثم أو تلوث بما لا یلائم ذلک النور الأرفع حتى فی ترک الاولى (۱۴) .
وإلى ذلک یشیر المرحوم الشیخ الاصفهانی فی إجوزته :
تــبتلت عــن دنس الطـبیعه
*
فــیالها مــن رتـبه رفـــیعه
مــرفوعه الهـمه والعــزیمه
*
عـــن نشأه الزخـارف الذمـیمه
فی افـق المجد هــی الزهـراء
*
للشمس مـن زهــرتها الضــیاء
بــل هی نـور عــالم الأنوار
*
ومـطلع الشـــموس والاقــمار
رضـیعه الوحی مــن الجـلیل
*
حـــلیفه لمــحکم التـــنزیل
مـفطومه مـن زلل الأهـــواء
*
معصومه مــن وصـمه الخـطاء
إذن فی النتیجه النهائیه نصل إلى أن حدیث الکساء إرتباط إرتباط وثیق بنزول آیه التطهیر والتی تمثل الأساس المتین لإثبات عصمه أهل البیت (علیهم السلام) وبما فیهم فاطمه الزهراء (علیها السلام) ولذلک جاءت الآیه المبارکه للتطهیر لتکون نور من أنوار حدیث الکساء حیث کلما ذکرت ذکر حدیث الکساء لیکون من الأهمیه البارزه فی حیاتنا العقائدیه والروحانیه والدعائیه ، ونختم الکلام فی عصمه فاطمه (علیها السلام) فیما قاله الأستاذ العلامه حسن زاده آملی حیث یقول : ـ کانت فاطمه بنت رسول الله (صلى الله علیه وآله) ـ ذات عصمه بلا دغدغه ووسوسه ، وقد نص کبار العلماء کالمفید والمرتضى وغیرهما بعصمتها (علیها السلام) بالآیات والروایات والحق معهم والمکابر محجوج مفلوج ، وکانت (علیها السلام) جوهره قدسیه فی تعین إنسیّ ، فهی إنسیه حوراء وعصمه الله الکبرى وحقیقه العصمه أنها قوه نورّیه ملکوتیه تعصم صاحبها عن کل ما یشینه من رجس الذنوب والأدناس والسهو والنسیان ونحوها من الرذائل النفسانیه … فاعلم أن العتره وفاطمه منهم معصومه کما نص به الوصی الإمام علی (علیه السلام) فی النهج : « وکیف تعمهون وبینکم عتره نبیکم وهم أزمه الحق وأعلام الدین والسنه الصدق فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود الهیم العطشان » .
ونطق ابن أبی الحدید المعتزلی فی شرحه بالصواب حیث قال : « فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن تحته سرّ عظیم وذلک أنه أمر المکلفین بأن یجرو العتره فی إجلالها وإعظامها والإنقیاد لها والطاعه لإوامرها مجرى القرآن » .
ثم قال : « فإن قلت : فهذا القول منه یشعر بأن العتره معصومه فما قول أصحابکم ـ یعنی القائلین بمذهب الإعتزال ـ فی ذلک ؟
قلت : نصّ أبو محمّد بن متویه فی کتاب الکفایه على ان علیاً (علیه السلام) معصوم وأدلّه النصوص قد دلّت على عصمته والقطع على باطنه ومغیبه وأن ذلک أمر إختص هو به دون غیره من الصحابه » فتدّبر .
وإذا دریت أن بقیه النبوه وعقیله الرساله وودیعه المصطفى وزوجه ولی الله وکلمه الله والتامه فاطمه (علیها السلام) ذات عصمه فلا بأس بأن تشهد فی فصول الآذان والإقامه بعصمتها وتقول مثلاً : « أشهد أن فاطمه بنت رسول الله عصمه الله الکبرى أو نحوها (۱۵) .
الوقفه الثانیه سند هذا الحدیث
أما سند حدیث الکساء الشریف فهو فی غایه المتانه والصحه بل یعتبر من الأحادیث المتواتره ولیس المشهوره بل هو المتواتر القطعی ، ویکفی فی ذلک إنّ روایات جمه تزید على سبعین روایه من طرق أهل السنه تروی هذا الحدیث المبارک ، هذا فضلاً عن الطرق الخاصه لاهل المذهب الحق الشیعه الامامیه ، هذا من جهه ومن جهه أخرى فیکفی فی روایه هذا الحدیث من ناحیه السند جابر بن عبدالله الأنصاری الذی روى الحدیث بسند معتبر عن لسان فاطمه الزهراء (علیها السلام) ، حیث یعتبر هذا الصحابی الجلیل ـ جابر الانصاری ـ من الذین حملوا سلام رسول الله (صلى الله علیه وآله) إلى حفیده الإمام محمد الباقر (علیه السلام) ، حیث تروی لنا کتب الرجال أن هذا الصحابی یکفی فی وثاقته أنه عاصر الرسول والإمام علی والحسن والحسین وعلی بن الحسین (علیهم السلام) حتى أدرک الإمام الباقر (علیه السلام) . فلقد روى لنا التأریخ کیف دخل جابر الانصاری على الإمام الباقر (علیه السلام) قائلاً له :إن جدک رسول الله (صلى الله علیه وآله) یقرک السلام والتحیه والاکرام وقال لی یا جابر ستدرک واحد من أبنائی : إسمه اسمی یبقر العلم بقرا فأبلغه عنی السلام .
فتعتبر هذه من الکرامات والمعجزات التی تثبت مدى صدق دعوه النبی وإنه ما ینطق عن الهوی إن هو إلاّ وحی یوحى وأن له شأن مع الله تعالى . اذن حدیث الکساء من الاحادیث المؤکده وسنده صحیح معتبر وانه من الأحادیث المستفیضه عند العامه والخاصه .
الوقفه الثالثه مضامین هذا الحدیث المختلفه
قبل کل شیء لابد من التأکید على مساله مهمه ألا وهی مسأله عرض أی موضوع یطرح فی عالم الإمکان على القرآن والسنه النبویه الشریفه الصحیحه فما کان موافقاً للقرآن الکریم فإنّا نأخذ به وما کان مخالف للقرآن الکریم نضرب به عرض الحائط وهذا ما أکدته الکثیر من الروایات فی هذا المقام ، وعلى ضوء هذا الأساس سیکون استقراءنا لهذا الحدیث المبارک واستجلاء حقائقه على ضوء القرآن الکریم والسنه الشریفه وهذا لا یعنی أننّا لابد من ذکر کل الأمور القرآنیه التی توافق هذا الحدیث فان هذا سوف یکون بحاجه الى کتاب مستقل فی هذا الموضوع وأنما یکون الأمر على ضوء التمعن والتأمل على ضوء المرتکزات القرآنیه لدى الإنسان المؤمن .
* فالحدیث على کل حال قد رواه المسلمون کافه وبصوره مختلفه وهیئات متعدده ولکن جوهر الحدیث واحد : هو أنّ الرسول (صلى الله علیه وآله) جمع أهل بیته وألقى علیهم رداء وقال : « اللهم إن هؤلاء أهل بیتی وخاصّتی وحامتی لحمهم لحمی ودمهم دمی یؤلمنی مایؤلمهم … » .
* إنّ حدیث الکساء ذو مصداقیه کبیره من خلال توافقه الکبیر مع القرآن الکریم وهذا مانجده أثناء تطبیق حقائقه التی یدعو إلیها سواء العقائدیه أو العلمیه أو الروحانیه أو المادیه مع القرآن الکریم ومضمونه وحقائقه وعلیه بعد إثبات ذلک ـ وکما هو مثبوت فی محله ـ فإننّا لابدّ من الأخذ به والوقوف معه الوقفه الجلیه لنستظهر حقائقه المعصومیه .
* هناک مسأله قد أثیرت حول هذا الحدیث الشریف وهی هل أنذ هذا الحدیث وقضیته والتی کان من مضمونها ان الرسول تغطى بکساء ـ کانت فی بیت أم سلمه کما روى ذلک مجموعه من العامه أم فی بیت فاطمه (علیها السلام) ؟
والجواب على ذلک : إن قضیه حدیث الکساء وماله من الأهمیه الکبرى کان فی بیت فاطمه (علیها السلام) وبدلاله الحدیث نفسه حیث اننا سلمنا بصحه سند الحدیث واستفاضته أیضا فعلیه نقول : إنّ هناک قرینه واضحه ومتصله لا منفصله فی نفس الحدیث تؤکد على کون الحدیث کان فی بیت فاطمه والقرینه هی إنّ الحدیث یبدأ بقوله على لسان فاطمه (علیها السلام) « عن فاطمه الزهراء (علیها السلام) بنت رسول الله (صلى الله علیه وآله) قالت دخل علّی أبی رسول الله فی بعض الأیام … » .
فقولها (علیها السلام) دخل علّی أبی رسول الله فیه دلاله واضحه على کون دخوله (صلى الله علیه وآله) فی بیتها لا فی بیت ام سلمه أضف الى ذلک دخول الحسن والحسین وأبیهما الأمام علی (علیه السلام) فی بیت أم سلمه لا معنى له ، ثم ماهی الثمره العملیه على هذه المسأله فلربّما یقول قائل سواء کان الحدیث فی بیت أم سلمه أم فی بیت فاطمه (علیها السلام) مالفائده فی ذلک ؟ فنقول إنّ الفائده تظهر إنه لو کان فی بیت أم سلمه لکان البعض ممن یقول بهذا القول إنّ العصمه والطهاره والإراده التکوینیه تخص نساء النبی بدلاله بیت أم سلمه ، وان کان عندنا إنّه لا ملازمه فیه فتأمل .
* وفی معرض الکلام حول أم سلمه هناک إشاره لطیفه لمن تمعّن فیها وتأمل حیث تظهر من خلال حدیث الرسول (صلى الله علیه وآله) وعدم قبوله أم سلمه بالدخول تحت الکساء وعدم إعطائها الإذن فی ذلک حیث الإشاره تدل على الرسول قال لها إنّک على خیر ولم یطردها ولم یأذن لها بالدخول تحت الکساء ، وهذا فیه دلاله واضحه من خلال استظهار کلمه ـ إنّک على خیر ـ إنّها سوف تکون عاقبه أمرها إلى خیر وإنّک الآن فعلاً على خیر وإنه سوف یکون مآل حیاتک الى العاقبه الحسنه وهذا بخلاف ما نجده فی بعض نساء النبی اللواتی خرجن على إمام زمانهّن .
* « دخل علیّ أبی فی بعض الأیام فقال … » فی الحدیث أنّ فاطمه هی الملجاً لأبیها فاذا شعر بضعف أو ألم أسرع إلى فاطمه حیث یجد عندها الراحه والطمأنینه والهدوء لأن النظر الى فاطمه یمسح الهموم والأحزان من قلب النبی کما کان الإمام علی (علیه السلام) یقول : إذا نظرت الى فاطمه إنجلت عنی الهموم والأحزان … وإلاّ لماذا لم یذهب النبی الى إحدى زوجاته علما بأن الرجل یشعر بالسکن لدى زوجته حیث یقول القرآن الکریم ( خلق لکم من أنفسکم أزواجاً لتسکنوا إلیها وجعل بینکم موده ورحمه ) ، ویقول الله تعالى : ( هن لباس لکم وأنتم لباس لهنّ ) ، فلماذا لم یذهب النبی الى واحده من زوجاته وإنّما ذهب الى الزهراء ؟ والجواب أنّ فاطمه کانت أم أبیها … وکان یشعر بالدفء والراحه عندما یزور الزهراء ، بل یتزود بالطاقه والحنین حیث یرى فاطمه (علیها السلام) ولذلک نجد أن التأریخ الإسلامی یروی لنا أنّ آخر من یودع النبی فی غزواته وسفره هی فاطمه وأول من یمّر علیه بعد رجوعه من سفره خارج المدینه هو بیت فاطمه (علیها السلام) .
* « إنی أجد فی بدنی ضعفاً فقلت له أعیذک بالله یا أبتاه من الضعف » ، قال النبی (صلى الله علیه وآله) هذا القول ولم یقل أنی أجد فی روحی ضعفاً أو فکری وهذا خلاف ما إتهمه بعض المشرکین بأنّه شاعر مجنون … إنّما هو ضعف بدنی أصابه نتیجه الاجهاد والمثابره على العمل فهو یقول لها : أنی لأجد فی بدنی ضعفاً وهی تقول له : أعیذک بالله یا أبتاه من الضعف أی انها أعاذت أباها بالله العلی العظیم من الضعف وإن لا یصیبه الضعف لأن العالم کله بحاجه الى هذه الطاقه الجباره الخلاقه التی تنضج رحمه وتتفجر خیراً وعطاءً .
* « یال فاطمه إیتینی بالکساء فغطینی به فأتیته بالکساء الیمانی فغطیته به وصرت أنظر إلیه وإذا وجهه یتلألأ کأنّه البدر فی لیله تمامه وکماله » .
والسؤال المطروح حول هذا المضمون من هذه الفقره : هو لماذا طلب النبی (صلى الله علیه وآله) کساء یتغطى به … لماذا لم یطلب شیئاً آخر کالطعام أو الشراب ؟ لماذا طلب ذلک الکساء ؟ وماهی المناسبه التی جعلت وجهه یتلألأ نوراً کأنه البدر فی لیله تمامه وکماله ؟
إن المناسبه هی تلقی الوحی فهناک عده شواهد تأریخیه تنقل لنا کیفیه تغیر وجه رسول الله صلى الله علیه وآل وسلم أثناء تلقیه الوحی ، أمّا لماذا طلب الکساء الیمانی فذلک لیجمع أهل بیته ویرکز علیهم دون غیرهم ، وأنّهم المحور الأساس الذی تدور علیه ولایه الله تعالى ، وأنهم المرتبطین بشأن نزول الوصی أثناء تغطیتهم بالکساء لتکون آیه التطهیر النازله وإراده السماء فیهم (علیهم السلام) ، اذن فالکساء إنّما جاء للعصر … ولیس لشیء آخر کما حدیث یوم المباهله حیث ان الرسول (صلى الله علیه وآله) لم یخرج معه إلاّ هؤلاء الذین هم تحت الکساء بالإضافه إلى أنه أراد تأکید الوصیه وصیه الغدیر .
* « إنی أشم عندک رائحه طیبه کأنها رائحه جدی رسول … » .
وحدیث الکساء فیه تصویر رائع لجمال أهل البیت وطیبه رائحتهم فإنها رائحه طیبه تعبق الشذى .. وأکثر من ذلک فقد کانت صبات عرق الرسول تتفوح بالعطر کما کان عطر الزهراء ورائحتها عطر الجنّه .. والرسول کان یشم فاطمه ویقول کلما اشتقت إلى رائحه الجنّه شممت رائحه إبنتی فاطمه ، « ریحانه أشمها وتشمنی » .
* ویظهر الحدیث أدب الکلام والمحادثه مع النبی وأدب المعامله مع أهل البیت بعضهم من بعض فی وقوف کل واحد أمام الکساء وطلب الإذن من النبی (صلى الله علیه وآله) ثم جواب النبی له وهکذا تجری فصول هذا الحدیث المقدس وفاطمه ترقبه وتسجله ثم تجیئ به فی النهایه لإکمال المشوار .
* وتقول الزهراء لما إکتملنا جمیعاً تحت الکساء أخذ أبی رسول الله بطرفی الکساء ـ وهذا یعنی أنهم خمسه أصحاب الکساء لاینقصون ولا یزیدون .. بل هم فاطمه وأبوها وبعلها وبنوها .. خمسه لا غیر أبی قبل دخول فاطمه لم یکتمل النصاب بعد ولم یکتمل العدد بعد والقول « إکتملنا جمیعاً » یشیر إلى أنهم خمسه أصحاب الکساء ودعاء الرسول لهم هو تسدید من السماء لأنّ الرسول لا ینطق عن الهوى إنه إلا وحیّ یوحى . * قولها (علیها السلام) : أوحى الله إلى ملائکته وسکان سماواته … وهذا الحدث بحد ذاته یجعل فاطمه فی أعلى قمه فی الوجود الامکانی وبالاضافه إلى أنه یکشف لنا عن حقیقه أهل البیت وانه لولاهم لما خلق الله الأکوان والأفلاک .
* وحدیث الکساء حینما نعرضه على المیزان الفکری للإسلام وأساسیاته فإنه نجد ان الحدیث یسیر تماماً مع القرآن الکریم ولیس فیه خرق ولا تجاوز عن أساسیات القرآن الکریم ، فهم (علیهم السلام) عدل القرآن وعلى أساس ذلک یکون عدل القرآن معصوم ومحفوظ کما أنّ القرآن معصوم ومحفوظ ، اذن یکون کل شیء فی حدیث الکساء هو معصوم من الخطأ والزلل وذلک لکون راوی الحدیث ومثبته هو معصوم عن الخطأ والزلل ، وهی فاطمه (علیها السلام) .
* وهناک مسأله مهمه تعرض لها حدیث الکساء وهی أنّ جبرئیل یسأل من الله تعالى ویقول یا رب ومن تحت الکساء ؟
وربما أراد بذلک ـ جبرئیل ـ وعبر أنتقال هذا الحدیث المبارک عبر الأجیال إلینا أن یؤکد على شرافه أصحاب الکساء وأنهم من الله تعالى یستمدون عصمتهم وقداستهم وتربیتهم . والملفت للنظر عندما یجیب الله تعالى عن أسماء أصحاب الکساء یقول هم فاطمه وأبیها وبعلها وبنیها ، ولم یقل مثلاً هم رسول الله وعلی وفاطمه … کل ذلک للتأکید على محوریه فاطمه الزهراء (علیها السلام) بالنسبه لأهل بیت النبوه وأنّها القطب المرکزی لدائره أهل البیت (علیهم السلام) .
* ویشیر حدیث الکساء الى نزول جبرئیل الى الأرض بعد معرفه اصحاب الکساء والتشرف فی خدمتهم وطلب الأذن من الله تعالى فی الدخول تحت الکساء وکذلک یظهر من الحدیث أن الله ورسوله قد أعطوا الأذن لجبرئیل وذلک لکونه معصوم من الخطأ والزلل بالعصمه الربانیه الذاتیه فلذلک لا ضیر أن یکون معهم تحت الکساء لأنه لا یختلف عنهم من جهه العصمه وهذا بخلاف أم سلمه رضوان الله علیها .
* وهناک إشاره لطیفه فی الحدیث حیث قال الله تعالى هم فاطمه وأبیها وبعلها وبنیها ولم یقل وأبنیها ونحن نعلم ان الذی کان تحت الکساء الحسن والحسین وربما أراد بذلک الصلب والذریه الطاهره للأئمه (علیهم السلام) وأنهم سوف یکونون أیضاً معصومون وامتداد لأصحاب الکساء * ویأتی سؤال الإمام علی (علیه السلام) عن الفضل والأجر لهذا الجلوس تحت الکساء ؟ وفضل ذکر هذا الحدیث وماله من الأهمیه ؟ حیث بین هذا الجواب الذی یظهر من الحدیث أنه ـ أی الحدیث ـ غذاءاً للروح والعقل والقلب والبدن معاً ، إذ أن حاجات الإنسان محدوده کالطعام والشراب واللباس فکمیه منها معینه تصل بالإنسان إلى حد الاکتفاء والارتواء والشبع .
أما حاجات الروح والعقل فهی بلا حدود کالصلاه والعلم والتفقه ، فغن الروح تبقى فی حاله فهم إلها کلما نهلت منها شعرت باتها بحاجه إلى المزید منها .
لذلک سأل الإمام علی ولذلک کان جواب النبی (صلى الله علیه وآله) ففی المره الاولى کان جواب الرسول الأعظم تحدید لحاجات العقل والروح والنفس « نزلت علیهم الرحمه وحفت بهم الملائکه وإستغفرت لهم » . أما فی المره الثانیه فقد کان فی جواب النبی (صلى الله علیه وآله) تحدیداً لحاجات الجسد « وفیهم مهموم إلاّ وفرج الله همه ولا مغموم إلاّ وکشف الله غمه ولا طالب حاجه إلاّ وقضى الله حاجته » . فتفریج الهموم وکشف الغموم وقضاء الحاجات إنما هی حاجات جسدیه بینما الرحمه وإحاطه الملائکه والإستغفار إنما هی هموم عقلیه وروحیه ونفسیه .
* ویکشف الحدیث عن السعاده والفوز والنصر والظفر فی الحیاه .. لأنّ الذی یمشی فی خط أهل البیت لابد أن ینتصر ویظفر لا محاله ولو بعد حین .
* ویقول الحدیث أنه ما ذکر فی حفل فیه جمع ولم یقل على فرد واحد . وهی إشاره رائعه إلى أهمیه تنظیم المجتمع وتکثیر المجالس التی یذکر فیها أهل البیت (علیهم السلام) .
لأن الإمام الصادق علیه السلم یقول تجلسون وتتحدثون … أحیوا أمرنا فإنی أحب تلک المجالس … والمجلس الذی یذکر فیه هذا الحدیث هو قطعاً مجلس فی الخیر والصلاح ورضوان الله .. لأنک تذکر قوماً ما عصوا الله طرفه عین أبداً ، وقد ورد فی دعاء أبی حمزه الثمالی : « … أو لعلک رأیتنی مجالس البطالین فخذلتنی » یقول من ترک الاستعماع من ذوی العقول مات عقله لأن الإبتعاد عن مجالس العلم والعلماء یؤدی الى الخذلان ، « أو لعلک فقدتنی من مجالس العلماء فخذلتنی » .
وحدیث الکساء یشیر الى الأمور والمسائل العلمیه التی وافقت القرآن الکریم کالأرض المدحیه والسماء المبنیه والقمر المنیر والشمس المضیئه وهی من الحقائق المطابقه للواقع واللقرآن الکریم . هکذا یقرأ الحدیث وهکذا یفهم جواب الرسول (صلى الله علیه وآله) عن الأسئله التی وردت فی الحدیث عن لسان الإمام علی علیه فلعل الإمام علی (علیه السلام) أراد من خلال طرحه وکذلک ربط حدیث الکساء بهموم الناس وحوائجهم حتى لا یبقى مجرد حدیث فحسب نقرأه من أجل معلومه نعلمه أو من أجل حدیث نتعرف إلیه واذا کان الأمر کذلک فما أجدرنا ونحن نقف مع هذا الحدیث ان نستغل هذه المضامین ونعیشها بعقولنا وأرواحنا ونفوسنا لکی نجعل من هذا الحدیث المبارک حسنه لنا فنصلح به أحوالنا ونقوّم أخلاقنا ونثبت عقائدنا الصحیحه ونربی أبناءنا تربیه صالحه لا سیما أن أهل البیت لیسوا بعیدین عنا وطقوسنا لیست جامده أو فارغه بل هی طقوس هادفه الى تربیتنا تربیه إسلامیه حقه .
ــــــــــــــــــــــ
(۱) هود : آیه ۷۳ .
(۲) لسان العرب : ۱۱ | ۲۹ « أهل » .
(۳) معجم مقاییس اللغه : ۱ | ۱۵۰ .
(۴) هود : آیه ۷۳ .
(۵) القصص : آیه ۳۰ .
(۶) التبیان فی تفسیر القرآن للشیخ الطوسی : ۸ | ۳۳۹ .
(۷) علل الشرائع : ۱۹۱ باب ۱۵۱ .
(۸) وفاه الصدیقه الزهراء : ۵۵ للمقرم .
(۹) الفصول المختاره من العیون المحاسن : ۸۸ .
(۱۰) الأحزاب : آیه ۵۷ .
(۱۱) التوبه : آیه ۶۱ .
(۱۲) الأحزاب : آیه ۵۳ .
(۱۳) الأحزاب : آیه ۵۷ .
(۱۴) وفاه الصدیقه الزهراء : ۵۴ .
(۱۵) قص حکمه عصمتیه فی کلمه فاطمیه ۱۴ .
تقدیم آیه الله السید عادل العلوی