إنکار ضرب الزهراء ( ع ) تبرئه للظالمین
ونفی إسقاط الجنین ، ونفی کسر الضلع أیضا معناه تبرئتهم من ذلک، وهکذا الحال بالنسبه لإحراق البیت، واقتحامه، وما إلى ذلک (!!).
فإن المتهم بعشرتهم إذا برئ من تسعه فهل یعنی ذلک : أنه لا یزال مجرما فی التسعه نفسها التی ثبتت براءته منها ؟ ! وإذا کانوا أبریاء من ذلک کله ، ولم یفعلوا شیئا إلا مجرد التهدید ، الذی هو الآخر قد یقال فیه : إنه صوری ، من أجل التخویف ، ولا ینبغی أن یحمل على محمل الجد ، خصوصا مع قولهم : إن مکانه الزهراء (علیها السلام) تمنع من الإقدام على أی شئ فی حقها . . نعم . . إذا کانوا کذلک ، لم یبق ثمه شئ یطالبهم الناس به ، بل قد یقال لنا فی وقت لاحق إنهم کانوا یقومون بواجبهم الدینی ، وسیثیبهم الله على هذا التهدید ، لأنهم أرادوا به حفظ بیضه الإسلام ، ولم شعث المسلمین ، وتجنیب الأمه مشاکل وخلافات خطیره ، تماما کما فسروا قول البعض للنبی (صلى الله علیه وآله وسلم) فی مرض موته : إن النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) لیهجر ، بأنه کان هو الموقف الصحیح والرائد ، لأن النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) لو کتب الکتاب لثارت الخلافات ، وانقسم المسلمون ، ولأدى ذلک إلى مشاکل کبیره وخطیره ( ۱ ) ، ولم یلتفتوا إلى أن النبی ((صلى الله علیه وآله وسلم) نفسه قد قال للناس : لن تضلوا بعده . فهل غاب عن بالهم أن النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) کان یقدر الأمور أیضا بصوره صحیحه ، ویعرف مسبقا نتائج ما یرید أن یقدم علیه . .
أنا لا أهتم لضرب الزهراء ( ع ) وهو لا یرتبط بالعقیده :
یقول البعض : إن ضرب الزهراء ، وإسقاط جنینها ، وکسر ضلعها قضیه تاریخیه ولیست متصله بالعقیده . ولهذا فهو لا یهتم لهذا الأمر شخصیا ، فسواء کسر ضلع الزهراء (علیها السلام) أم لم یکسر ، فإن ذلک لا یقع فی دائره اهتماماته ، على حد تعبیره ! ! .
ونقول : إننا نلاحظ ما یلی :
1 – إذا کان ذلک لا یقع فی دائره اهتمامات هذا الشخص أو ذاک ، فلماذا هو یحشد الأدله والشواهد من کل حدب وصوب على نفی هذا الأمر ، أو التشکیک فیه على الأقل ، ولماذا إذا ثارت العاصفه ضده یتراجع ویستعمل التقیه ، – کما قال – ویقول کلاما یلائم رأی الطرف الذی یوجه إلیه النقد ، ثم یعود لإثاره هذا الأمر من جدید بکل عنف وإصرار ، ویواجه التحدیات ، ویثیر المشکلات ، بل هو یتهم الآخرین بأنواع التهم لمجرد أنهم سألوه عن رأیه فی هذا الأمر وعله إبدائه علنا وبهذا الشکل ، وفی هذا الظرف ، وفی هذا الزمن بالذات ، فضلا عن أن یعترض علیه فیه ، فیقول : إنهم لا یفهمون ، وبأن طریقتهم غوغائیه ، وبأنهم معقدون ، وینطلقون من غرائزهم و . . .
هذا فضلا عن اتهامه لهم بما یعتبر إهدارا لدمهم ، وإغراء للناس بالاعتداء على حیاتهم ، وذلک حین یجعلهم فی دائره العماله للمخابرات الإسرائیلیه أو غیرها ؟ ! فضلا عن جعلهم فی دائره الاتهام المستمر ، وخدش اعتبار شخصیتهم المعنویه بذلک .
2 – لماذا لا یتهم لما جرى على الزهراء ؟ ولماذا یکون کسر ضلعها أو إسقاط جنینها سیان بالنسبه إلیه . وهل کل قضیه مرت فی التاریخ لا یصح أن نهتم لها ؟ ! أو أن اللازم أن لا تقع فی دائره اهتماماتنا ؟ ! فلماذا إذن اهتم الأئمه والنبی (صلى الله علیه وآله وسلم) قبلهم بما یجری على الزهراء (علیها السلام)، وبما یجری على الإمام الحسین (علیه السلام) وصحبه فی کربلاء ؟ ! ولماذا یهتم هو نفسه بالتذکیر بحدث جرى قبل سنوات یحتمل أن یکون له نوع ارتباط به ویعتبره من الشؤون والقضایا
الإسلامیه الکبرى ، ثم لا یهتم بغیره من نظائره کمجزره مکه ، وإسقاط الأمیرکیین للطائره الإیرانیه برکابها الثلاثمائه الأبریاء .
وکذلک لا یهتم بما ربما یعد أخطر قضیه مفصلیه فی تاریخ هذا الإسلام العزیز ، وله ارتباط مباشر وعضوی فی مساره العام على جمیع الصعد وفی مختلف المجالات ألا وهو ضرب الزهراء ، أو کسر ظلعها .
3 – إن الذین ارتکبوا ما ارتکبوه بحق الزهراء (علیها السلام) قد تصدوا لأخطر مقام بعد رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) ، وهو مقام الإمامه والخلافه ، وقد قال الشهرستانی : " وأعظم خلاف بین الأمه خلاف الإمامه إذ ما سل سیف فی الإسلام على قاعده دینیه مثلما سل على الإمامه فی کل زمان (۲) " .
ویقول الخضری : إن هذه المسأله ( ۳ ) کانت " سببا لأکثر الحوادث التی أصابت المسلمین ، وأوجدت ما سیرد علیکم من أنواع الشقاق ، والحروب المتواصله ، التی قلما یخلو منها زمن ، سواء کان بین بیتین ، أو بین شخصین ( ۴ )".
ومن الواضح : أن معرفه هؤلاء الذین أبعدوا أهل البیت (علیهم السلام) عن مقاماتهم ، وأزالوهم عن مراتبهم التی رتبهم الله فیها وظهور أمرهم ووضوح مدى جرأتهم على الله سبحانه وتعالى ، وعلى رسوله أمر ضروری ومطلوب لکل مسلم ، لأن ذلک یمس أخطر قضیه فی تاریخ الإسلام .
وبعباره أوضح : إن لوازم الحدث هی التی ترتبط بالعقیده ، وإن لم یکن ذات الحدث یرتبط بها ، فمثلا حینما نقرأ فی القرآن عن زوجه لوط (علیه السلام) : أنها قد وشت بضیوف زوجها لقومها ، الذین یسعون إلى ارتکاب الفاحشه مع الرجال . قد نتعجب ، ونقول : هل یلیق بالقرآن أن یؤرخ لقوم لوط فی خصوص هذه الخصله السیئه والدنیئه ؟ ! .
وهل یمکن لأحد أن یقول : إننی لا أهتم شخصیا بهذا الأمر التافه المذکور فی القرآن ؟ ! أم أننا نفهم القضیه بطریقه أخرى ، فنقول : لو کان الله سبحانه یرید أن " یؤرخ " لقوم لوط ، لکان أرخ لسائر الشعوب کالفینیقیین والکلدان والآشوریین ، والرومان ، والساسانیین ، وغیرهم ، ولکنا رأیناه یتحدث عن کثیر من سیاساتهم وشؤونهم وما مر بهم من أحداث کبیره وخطیره .
ولکن ذلک لم یکن ، فاقتصاره على خصوص هذا الأمر بالنسبه لخصوص قوم لوط یدلنا على أنه سبحانه وتعالى قد أراد لنا أن نستفید من لوازم الحدث أمورا قد یکون لها مساس بالعقیده ، أو بالشریعه ، أو بالمفاهیم الأخلاقیه والحیاتیه فی أکثر من مجال ؟ ! إننا لا شک سوف نتجه هذا الاتجاه الثانی ، ونبحث عن کل تلک اللوازم ، والحیثیات والمعانی التی أراد لنا القرآن أن نعیشها ، وأن
نلتفت إلیها فی ما حکاه لنا عن امرأه لوط وقومها ، لنستفید منها المزید من المعرفه والوعی ، والمزید من الإیمان ، والمزید من الطهر والصفاء .
ونجد فی هذه القضیه أکثر من معنى حیاتی هام جدا . لا بد لنا من الإطلاع علیه ، وتثقیف أنفسنا به ، ویکفی أن نشیر إلى ما تحمله هذه القصه – بعد الإلفات إلى بشاعه فعلهم ذاک – من تحد قوی ، من قتل المرأه ، والزوجه ، التی لم تکن تملک قدرات علمیه ، وفکریه بمستوى ، تتحدى رجلا ، نبیا ، یملک کل القدرات والطاقات ، وخصوصا قدره التحدی فی مجال الإقناع ، وفی أمر یملک الدافع لمقاومته من خلال الدین ، والعقیده والقداسه والأخلاق ، والعنفوان الإنسانی ، حیث کان التحدی له فی ضیوفه (علیه السلام) ، وفیما یمس الشرف ، والکرامه والدین ، والأخلاق ، والرساله . . .
ــــــــــــــــ
(1) تاریخ الإسلام للذهبی ج ۲ / ۲۸۴ – ۲۸۶ . تحقیق : حسام الدین القدسی ، مطبعه المدنی ، القاهره . ( * )
(2) الملل والنحل : ج ۱ ص ۲۴٫
(3)أی إن ترک مسأله الخلافه والاستخلاف من غیر حل محدد ترضاه الأمه ، وتدفع عنه ، کان هو السبب لأکثر الحوادث التی أشار إلیها . وقد قلنا – تعلیقا على کلامه هذا : إذن ، کیف جاز للنبی (صلى الله علیه وآله وسلم) أن یترک الأمه هکذا هملا ، ثم لا یضع حلا لأعظم مشکله تواجهها ، وتسل علیها السیوف ، وتزهق لأجلها الأرواح . مع أن شریعته کامله وشامله . وقد بین فیها کل ما تحتاجه الأمه ، حتى أرش الخدش ؟ ! إن الحقیقه هی أنه (صلى الله علیه وآله وسلم) قد بین ذلک ، وحدده . ولکن الآخرین لم یقبلوا منه ذلک ، وردوا أمر الله سبحانه ، فإنا لله ، وإنا إلیه راجعون.
(4)محاضرات فی التاریخ الإسلامی : ج ۱ ص ۱۶۷ . ( * )