أمیر المؤمنین (علیه السلام) أخبر عن فتنه المغول !
فقال له بعض أصحابه: لقد أعطیت یا أمیر المؤمنین علم الغیب! فضحک وقال للرجل وکان کلبیاً: یا أخا کلب، لیس هو بعلم غیب، وإنما هو تعلمٌ من ذی علم، وإنما علم الغیب علم الساعه وما عدده الله سبحانه بقوله: (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَهِ وَیُنَزِّلُ الْغَیْثَ وَیَعْلَمُ مَا فِی الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِی نَفْسٌ ماذا تَکْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِی نَفْسٌ بِأَیِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِیمٌ خَبِیرٌ )، فیعلم الله سبحانه ما فی الأرحام من ذکر أو أنثى ، وقبیح أو جمیل وسخی أو بخیل ، وشقی أو سعید ، ومن یکون النار حطباً أو فی الجنان للنبیین مرافقاً، فهذا علم الغیب الذی لا یعلمه أحد إلا الله وما سوى ذلک فعلمٌ علَّمَهُ الله نبیه (صلى الله علیه وآله) فعلمنیه، ودعا لی بأن یعیَه صدری ، وتَضْطَمَّ علیه جوانحی).
الشرح: المجان: جمع مجن بکسر المیم وهو الترس ، وإنما سمى مجناً لأنه یستتر به . والجنه: الستره والجمع جُنن ، یقال استجن بجنه أی استتر بستره . والمطرقه بسکون الطاء التی قد أطرق بعضها إلى بعض أی ضمت طبقاتها فجعل بعضها یتلو بعضاً ، یقال: جاءت الإبل مطاریق أی یتلو بعضها بعضاً . والنعل المطرقه المخصوفه ، وأطرقت بالجلد والعصب أی ألبست ، وترس مطرق وطراق النعل: ما أطرقت وخرزت به . وریش طراق إذا کان بعضه فوق بعض ، وطارق الرجل بین الثوبین إذا لبس أحدهما على الآخر ، وکل هذا یرجع إلى مفهوم واحد وهو مظاهره الشئ بعضه بعضاً . ویروى: المجان المطرَّقه بتشدید الراء أی کالترسه المتخذه من حدید مطرق بالمطرقه . والسَّرق: شقق الحریر وقیل لا تسمى سرقاً إلا إذا کانت بیضاً الواحده سرقه . ویعتقبون الخیل أی یجنبونها لینتقلوا من غیرها إلیها . واستحرار القتل شدته ، استحر وحرَّ بمعنى ، قال ابن الزبعرى: حیث ألقت بقباء برکها واستحر القتل فی عبد الأشل والمفلت: الهارب . واعلم أن هذا الغیب الذی أخبر عنه (علیه السلام) قد رأیناه نحن عیاناً ووقع فی زماننا وکان الناس ینتظرونه من أول الإسلام حتى ساقه القضاء والقدر إلى عصرنا ، وهم التتار الذین خرجوا من أقاصی المشرق حتى وردت خیلهم العراق والشام ، وفعلوا بملوک الخطا وقفجاق وببلاد ما وراء النهر وبخراسان وما والاها من بلاد العجم ما لم تحتو التواریخ منذ خلق الله تعالى آدم إلى عصرنا هذا على مثله ! فإن بابک الخرمی لم تکن نکایته وإن طالت مدته نحو عشرین سنه ، إلا فی إقلیم واحد وهو آذربیجان ، وهؤلاء دوخوا المشرق کله ، وتعدت نکایتهم إلى بلاد إرمینیه وإلى الشام ، ووردت خیلهم إلى العراق ! وبخت نصر الذی قتل الیهود إنما أخرب بیت المقدس وقتل من کان بالشام من بنی إسرائیل وأی نسبه بین من کان بالبیت المقدس من بنی إسرائیل إلى البلاد والأمصار التی أخربها هؤلاء وإلى الناس الذین قتلوهم من المسلمین وغیرهم).(شرح نهج البلاغه:۸/۲۱۵).
أقول: هذه واحده من معجزات کثیره لأمیر المؤمنین (علیه السلام) ، وعقیدتنا أن أوصیاء النبی (صلى الله علیه وآله) الإثنی عشر: علی والحسن والحسین والتسعه من ذریه الحسین علیهم السلام ، یعلمون کثیراً من الغیب مما علمهم رسول الله (صلى الله علیه وآله) وأکرمهم به الله تعالى، ففی بصائر الدرجات/۳۲۶،والخصال/۶۴۴: أن أمیر المؤمنین (علیه السلام) قال على منبر المدائن فی حدیث: (یا أیها الناس إن رسول الله (صلى الله علیه وآله) أسرَّ إلیَّ ألف حدیث فی کل حدیث ألف باب لکل باب ألف مفتاح ، وإنی سمعت الله جل جلاله یقول: یَوْمَ نَدْعُو کُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ، وإنی أقسم لکم بالله لیبعثن یوم القیامه ثمانیه نفرٌ یدعون بإمامهم وهو ضبٌّ ولو شئت أن أسمیهم لفعلت) ! انتهى.
فالأحادیث التی علمه إیاها النبی (صلى الله علیه وآله) أو الموضوعات الأصلیه:ألفٌ وفی کل واحد منها ألف باب ولکل باب ألف مفتاح ! وکلها أصول وأسرارٌ لا یمکن للإنسان العادی أن یستوعبها أو یؤتمن علیها ثم لایسئ استعمالها ! فهذا المستوى من الإستیعاب والأمانه والتحمل لایتحقق إلا فی أشخاص نادرین یکونون أهلاً لأن یصطفیهم الله تعالى ، فیطوِّر قدراتهم العقلیه والنفسیه لتلقی هذه العلوم ! ثم یجعل الله مع الواحد منهم ملائکه یحفظونه ویحفظون هذه الأسرار ، لیعیش حیاته الطبیعیه بالعلم الظاهری ویستعمل طرفاً من العلم اللدنی فی وقته المناسب ! وهذا معنى قوله تعالى: عَالِمُ الْغَیْبِ فَلا یُظْهِرُ عَلَى غَیْبِهِ أحداً إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فإنه یَسْلُکُ مِنْ بَیْنِ یَدَیْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً.
فالمرتضى من ربه من رسول أو وصی یتحمل غیب الله تعالى ، ویخصص له الله ملائکهً یسددونه حتى لا یتضرر بالغیب الإلهی ولا یستعمله إلا فی الغرض الصحیح ! وقد سأل حمران بن بکیر الإمام الباقر (علیه السلام) عن الغیب فی هذه الآیه فأجابه: (إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فإنه یَسْلُکُ مِنْ بَیْنِ یَدَیْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً، وکان والله محمدٌ ممن ارتضى. وأما قوله: عَالِمُ الغَیْب ، فإن الله تبارک وتعالى عالم بما غاب عن خلقه فما یقدِّر من شئ ویقضیه فی علمه قبل أن یخلقه وقبل أن یقضیه إلى الملائکه ، فذلک یا حمران علمٌ موقوف عنده إلیه فیه المشیه فیقضیه إذا أراد ، ویبدو له فیه فلا یمضیه . فأما العلم الذی یُقَدِّرُهُ الله ویُمضیه فهو العلم الذی انتهى إلى رسول الله (صلى الله علیه وآله) ثم إلینا).(بصائر الدرجات/۱۳۳) .
ولهذا یصف الإمام الباقر (علیه السلام) ضحاله مصادر علماء السلطه فیقول: (یَمُصُّونَ الثَّماد ویَدَعُونَ النهر العظیم ! قیل له: وما النهر العظیم؟ قال: رسول الله (صلى الله علیه وآله) ! إن الله عز وجل جمع لمحمد سنن النبیین من آدم وهلمَّ جرَّاً إلى محمد (صلى الله علیه وآله) . قیل له: وما تلک السنن؟قال:علم النبیین بأسره ! وإن رسول الله (صلى الله علیه وآله) صیَّر ذلک کله عند أمیر المؤمنین (علیه السلام). فقال له رجل: یا ابن رسول الله فأمیر المؤمنین أعلم أم بعض النبیین؟ فقال أبو جعفر:إسمعوا ما یقول إن الله یفتح مسامع من یشاء ! إنی حدثته أن الله جمع لمحمد (صلى الله علیه وآله) علم النبیین وأنه جمع ذلک کله عند أمیر المؤمنین (علیه السلام) ، وهو یسألنی: أهو أعلم أم بعض النبیین علیهم السلام )؟! (الکافی:۱/۲۲۲) .
وفی الکافی:۱/۲۲۴:(قال رسول الله (صلى الله علیه وآله):إن أول وصی کان على وجه الأرض هبه الله بن آدم، وما من نبی مضى إلا وله وصی ، وکان جمیع الأنبیاء مائه ألف نبی وعشرین ألف نبی ، منهم خمسه أولو العزم: نوح وإبراهیم وموسى وعیسى ومحمد علیهم السلام. وإن علی بن أبی طالب کان هبه الله لمحمد وورثَ علم الأوصیاء وعلم من کان قبله . أمَا إن محمداً ورث علم من کان قبله من الأنبیاء والمرسلین علیهم السلام ). انتهى.