من کلام الإمام علی (علیه السلام) فی وضع المال مواضعه.

0

لما رأت طائفه من أصحابه بصفین ما یفعله معاویه بمن انقطع إلیه وبذله لهم الأموال والناس أصحاب دنیا قالوا لأمیر المؤمنین (علیه السلام) أعط هذا المال وفضل الأشراف ومن تخوف خلافه وفراقه حتى إذا استتب لک ما ترید عدت إلى أحسن ما کنت علیه من العدل فی الرعیه والقسم بالسویه فقال أ تأمرونی أن أطلب النصر بالجور فیمن ولیت علیه من أهل الإسلام والله لا أطور به ما سمر به سمیر وما أم نجم فی السماء نجما ولو کان مالهم مالی لسویت بینهم فکیف وإنما هی أموالهم ثم أزم طویلا ساکتا ثم قال من کان له مال فإیاه والفساد فإن إعطاءک المال فی غیر وجهه تبذیر وإسراف وهو یرفع ذکر صاحبه فی الناس ویضعه عند الله ولم یضع امرؤ ماله فی غیر حقه وعند غیر أهله إلا حرمه شکرهم وکان خیره لغیره فإن بقی معه منهم من یریه الود ویظهر له الشکر فإنما هو ملق وکذب وإنما یقرب لینال من صاحبه مثل الذی کان یأتی إلیه قبل فإن زلت بصاحبه النعل واحتاج إلى معونته ومکافأته فأشر خلیل وألأم خدین مقاله جهال ما دام علیهم منعما وهو عن ذات الله بخیل فأی حظ أبور وأخس من هذا الحظ وأی معروف أضیع وأقل عائده من هذا المعروف فمن أتاه مال فلیصل به القرابه ولیحسن به الضیافه ولیفک به العانی والأسیر ولیعن به الغارمین وابن السبیل والفقراء والمهاجرین ولیصبر نفسه على الثواب والحقوق فإنه یحوز بهذه الخصال شرفا فی الدنیا ودرک فضائل الآخره.وصفه (علیه السلام) الدنیا للمتقینقال جابر بن عبد الله الأنصاری کنا مع أمیر المؤمنین (علیه السلام) بالبصره فلما فرغ من قتال من قاتله أشرف علینا من آخر اللیل فقال ما أنتم فیه فقلنا فی ذم الدنیا فقال على من تذم الدنیا یا جابر ثم حمد الله وأثنى علیه وقال أما بعد فما بال أقوام یذمون الدنیا انتحلوا الزهد فیها الدنیا منزل صدق لمن صدقها ومسکن عافیه لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها مسجد أنبیاء الله ومهبط وحیه ومصلى ملائکته ومسکن أحبائه ومتجر أولیائه اکتسبوا فیها الرحمه وربحوا منها الجنه فمن ذا یذم الدنیا یا جابر وقد آذنت ببینها ونادت بانقطاعها ونعت نفسها بالزوال ومثلت ببلائها البلاء وشوقت بسرورها إلى السرور وراحت بفجیعه وابتکرت بنعمه وعافیه ترهیبا وترغیبا یذمها قوم عند الندامه خدمتهم جمیعا فصدقتهم وذکرتهم فذکروا ووعظتهم فاتعظوا وخوفتهم فخافوا وشوقتهم فاشتاقوا فأیها الذام للدنیا المغتر بغرورها متى استذمت إلیک بل متى غرتک بنفسها بمصارع آبائک من البلى أم بمضاجع أمهاتک من الثرى کم مرضت بیدیک وعللت بکفیک تستوصف لهم الدواء وتطلب لهم الأطباء لم تدرک فیه طلبتک ولم تسعف فیه بحاجتک بل مثلت الدنیا به نفسک وبحاله حالک غداه لا ینفعک أحباؤک ولا یغنی عنک نداؤک حین یشتد من الموت أعالین المرض وألیم لوعات المضض حین لا ینفع الألیل ولا یدفع العویل یحفز بها الحیزوم ویغص بها الحلقوم لا یسمعه النداء ولا یروعه الدعاء فیا طول الحزن عند انقطاع الأجل ثم یراح به على شرجع نقله أکف أربع فیضجع فی قبره فی لبث وضیق جدث فذهبت الجده وانقطعت المده ورفضته العطفه وقطعته اللطفه لا تقاربه الأخلاء ولا یلم به الزوار ولا اتسقت به الدار انقطع دونه الأثر واستعجم دونه الخبر وبکرت ورثته فاقتسمت ترکته ولحقه الحوب وأحاطت به الذنوب فإن یکن قدم خیرا طاب مکسبه وإن یکن قدم شرا تب منقلبه وکیف ینفع نفسا قرارها والموت قصارها والقبر مزارها فکفى بهذا واعظا کفى یا جابر امض معی فمضیت معه حتى أتینا القبور فقال یا أهل التربه ویا أهل الغربه أما المنازل فقد سکنت وأما المواریث فقد قسمت وأما الأزواج فقد نکحت هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندکم ثم أمسک عنی ملیا ثم رفع رأسه فقال والذی أقل السماء فعلت وسطح الأرض فدحت لو أذن للقوم فی الکلام لقالوا إنا وجدنا خیر الزاد التقوى ثم قال یا جابر إذا شئت فارجع.ذکره (علیه السلام) الإیمان والأرواح واختلافها.أتاه رجل فقال له إن أناسا یزعمون أن العبد لا یزنی وهو مؤمن ولا یشرب الخمر وهو مؤمن ولا یأکل الربا وهو مؤمن ولا یسفک دما حراما وهو مؤمن فقد کبر هذا علی وحرج منه صدری حتى أزعم أن هذا العبد الذی یصلی ویوارینی وأواریه أخرجه من الإیمان من أجل ذنب یسیر أصابه فقال (علیه السلام) صدقک أخوک إنی سمعت رسول الله (صلى الله علیه وآله) یقول خلق الله الخلق على ثلاث طبقات فأنزلهم ثلاث منازل فذلک قوله فَأَصْحابُ الْمَیْمَنَهِ ما أَصْحابُ الْمَیْمَنَهِ وأَصْحابُ الْمَشْئَمَهِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَهِ والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِکَ الْمُقَرَّبُونَ فأما ما ذکره الله جل وعز من السابقین السابقین فإنهم أنبیاء مرسلون وغیر مرسلین جعل الله فیهم خمسه أرواح روح القدس وروح الإیمان وروح القوه وروح الشهوه وروح البدن فبروح القدس بعثوا أنبیاء مرسلین وبروح الإیمان عبدوا الله ولم یشرکوا به شیئا وبروح القوه جاهدوا عدوهم وعالجوا معایشهم وبروح الشهوه أصابوا لذیذ المطعم والمشرب ونکحوا الحلال من النساء وبروح البدن دبوا ودرجوا فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنبهم ثم قال تِلْکَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ کَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وآتَیْنا عِیسَى ابْنَ مَرْیَمَ الْبَیِّناتِ وأَیَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ثم قال فی جماعتهم وأَیَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ یقول أکرمهم بها وفضلهم على سواهم فهؤلاء مغفور لهم ثم ذکر أصحاب المیمنه وهم المؤمنون حقا بأعیانهم فجعل فیهم أربعه أرواح روح الإیمان وروح القوه وروح الشهوه وروح البدن فلا یزال العبد مستکملا هذه الأرواح الأربعه حتى تأتی علیه حالات فقال وما هذه الحالات فقال علی (علیه السلام) أما أولهن فما قال الله ومِنْکُمْ مَنْ یُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِکَیْلا یَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَیْئاً فهذا تنقص منه جمیع الأرواح ولیس بالذی یخرج من الإیمان لأن الله الفاعل به ذلک وراده إلى أرذل العمر فهو لا یعرف للصلاه وقتا ولا یستطیع التهجد باللیل ولا الصیام بالنهار فهذا نقصان من روح الإیمان ولیس بضاره شیئا إن شاء الله وتنقص منه روح الشهوه فلو مرت به أصبح بنات آدم ما حن إلیها وتبقى فیه روح البدن فهو یدب بها ویدرج حتى یأتیه الموت فهذا بحال خیر الله الفاعل به ذلک وقد تأتی علیه حالات فی قوته وشبابه یهم بالخطیئه فتشجعه روح القوه وتزین له روح الشهوه وتقوده روح البدن حتى توقعه فی الخطیئه فإذا لامسها تفصى من الإیمان وتفصى الإیمان منه فلیس بعائد أبدا أو یتوب فإن تاب وعرف الولایه تاب الله علیه وإن عاد فهو تارک للولایه أدخله الله نار جهنم وأما أصحاب المشأمه فهم الیهود والنصارى یقول الله سبحانه الَّذِینَ آتَیْناهُمُ الْکِتابَ یَعْرِفُونَهُ یعنی محمدا والولایه فی التوراه والإنجیل کَما یَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ فی منازلهم وإِنَّ فَرِیقاً مِنْهُمْ لَیَکْتُمُونَ الْحَقَّ وهُمْ یَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّکَ فَلا تَکُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِینَ فلما جحدوا ما عرفوا ابتلاهم الله بذلک فسلبهم روح الإیمان وأسکن أبدانهم ثلاثه أرواح روح القوه وروح الشهوه وروح البدن ثم أضافهم إلى الأنعام فقال إِنْ هُمْ إِلَّا کَالْأَنْعامِ لأن الدابه تحمل بروح القوه وتعتلف بروح الشهوه وتسیر بروح البدن قال له السائل أحییت قلبی.وصیته (علیه السلام) لزیاد بن النضر حین أنفذه على مقدمته إلى صفین.اتق الله فی کل ممسى ومصبح وخف على نفسک الغرور ولا تأمنها على حال من البلاء واعلم أنک إن لم تزع نفسک عن کثیر مما تحب مخافه مکروهه سمت بک الأهواء إلى کثیر من الضر حتى تظعن فکن لنفسک مانعا وازعا عن الظلم والغی والبغی والعدوان قد ولیتک هذا الجند فلا تستذلنهم ولا تستطل علیهم فإن خیرکم أتقاکم تعلم من عالمهم وعلم جاهلهم واحلم عن سفیههم فإنک إنما تدرک الخیر بالعلم وکف الأذى والجهل ثم أردفه بکتاب یوصیه فیه ویحذره اعلم أن مقدمه القوم عیونهم وعیون المقدمه طلائعهم فإذا أنت خرجت من بلادک ودنوت من عدوک فلا تسأم من توجیه الطلائع فی کل ناحیه وفی بعض الشعاب والشجر والخمر وفی کل جانب حتى لا یغیرکم عدوکم ویکون لکم کمین ولا تسیر الکتائب والقبائل من لدن الصباح إلى المساء إلا تعبئه فإن دهمکم أمر أو غشیکم مکروه کنتم قد تقدمتم فی التعبئه وإذا نزلتم بعدو أو نزل بکم فلیکن معسکرکم فی إقبال الأشراف أو فی سفاح الجبال أو أثناء الأنهار کیما یکون لکم ردءا ودونکم مردا ولتکن مقاتلتکم من وجه واحد واثنین واجعلوا رقباءکم فی صیاصی الجبال وبأعلى الأشراف وبمناکب الأنهار یریئون لکم لئلا یأتیکم عدو من مکان مخافه أو أمن وإذا نزلتم فانزلوا جمیعا وإذا رحلتم فارحلوا جمیعا وإذا غشیکم اللیل فنزلتم فحفوا عسکرکم بالرماح والترسه واجعلوا رماتکم یلوون ترستکم کیلا تصاب لکم غره ولا تلقى لکم غفله واحرس عسکرک بنفسک وإیاک أن ترقد أو تصبح إلا غرارا أو مضمضه ثم لیکن ذلک شأنک ودأبک حتى تنتهی إلى عدوک وعلیک بالتأنی فی حربک وإیاک والعجله إلا أن تمکنک فرصه وإیاک أن تقاتل إلا أن یبدءوک أو یأتیک أمری والسلام علیک ورحمه الله .

Leave A Reply

Your email address will not be published.