حدیث قم والرجل الموعود منها
ولم تذکر الروایه متى یکون هذا الرجل المبشر به وأصحابه ، ولکن لم یعهد فی تاریخ قم وإیران رجل وقومه بهذه الصفات قبل الإمام الخمینی وأصحابه . ویحتمل أن تکون الروایه ناقصه وأن یکون فیها ذکر مناسبه قولها على الأقل ، وقد نقلها صاحب البحار عن کتاب تاریخ قم لمؤلفه الحسن بن محمد الحسن القمی الذی ألفه قبل أکثر من ألف سنه ، ولا توجد نسخته الآن مع الأسف .
قد یقال: نعم لم یعهد فی تاریخ قم وإیران ظهور هذا الرجل الموعود وقومه ذوی الصفات العظیمه ، ولکن لادلیل على انطباقها على الإمام الخمینی وأصحابه ، فقد یکون رجلاً آخر وأصحابه یأتون فی عصرنا ، أو بعد زمان طویل أو قصیر .
والجواب ، نعم لایوجد فی الروایه تحدید لزمان هذا الحدث، لکن مجموع صفاتها ، مضافاً إلیها ماورد فی الروایات الأخرى عن قم وإیران ترجح احتمال أن یکون المقصود بها الإمام الخمینی وأصحابه .
بعض ما جاء فی فضل قم
وقد ورد فی قم وفضلها ومستقبلها أحادیث عن أهل البیت (علیهم السلام) یظهر منها أن قم مشروع أسسه الأئمه فی وسط إیران على ید الإمام الباقر (علیه السلام) سنه ۷۳ هجریه ، ثم رعوها رعایه خاصه ، وأخبروا بما عندهم من علوم جدهم رسول الله (صلى الله علیه وآله) أنها سیکون لها شأن عظیم فی المستقبل ویکون أهلها أنصار المهدی المنتظر أرواحنا فداه .
وتنص بعض الأحادیث على أن تسمیتها بقم جاءت متناسبه مع اسم المهدی القائم بالحق أرواحنا فداه ، وقیام أهلها ومنطقتها فی نصرته .
فعن عفان البصری عن أی عبد الله أی الإمام الصادق (علیه السلام) قال: (قال لی: أتدری لم سمی قم؟ قلت الله ورسوله أعلم . قال: إنما سمی قم لأن أهله یجتمعون مع قائم آل محمد صلوات الله علیه ویقومون معه ، ویستقیمون علیه وینصرونه) . (البحار ص۶۰) .
وقد أعطى الأئمه (علیهم السلام) لقم مفهوماً أوسع من مدینتها وتوابعها، فاستعملوا اسمها بمعنى خط قم ونهج قم فی الولاء لأهل البیت (علیهم السلام) والقیام مع مهدیهم الموعود (علیه السلام) . فقد روى عده رجال من أهل الری أنهم دخلوا على أبی عبد الله الصادق (علیه السلام) : (وقالوا: نحن من أهل الری فقال: مرحباً بإخواننا من أهل قم . فقالوا: نحن من أهل الری ، فقال: مرحباً بإخواننا من أهل قم . فقالوا: نحن من أهل الری . فأعاد الکلام ! قالوا ذلک مراراً وأجابهم بمثل ما أجاب به أولاً، فقال: إن لله حرماً وهو مکه ، وإن لرسوله حرماً وهو المدینه ، وإن لأمیر المؤمنین حرماً وهو الکوفه ، وإن لنا حرماً وهو بلده قم ، وستدفن فیها امرأه من أولادی تسمى فاطمه ، فمن زارها وجبت له الجنه ( قال الراوی: وکان هذا الکلام منه (علیه السلام) قبل أن یولد الکاظم (علیه السلام)). ( البحار:۶۰/ ۲۱۶ ).
یعنی أن قماً حرم الأئمه من أهل البیت إلى المهدی (علیهم السلام)، وأن أهل الری وغیرها هم من أهل قم لأنهم على خطها ونهجها .
لذلک لایبعد أن یکون المقصود بأهل قم فی الروایات الشریفه ، ونصرتهم للمهدی (علیه السلام) ، کل أهل إیران الذین هم على خطهم فی ولایه أهل البیت (علیهم السلام) ، بل یشمل غیرهم من المسلمین أیضاً .
ومعنى قول الراوی: (وکان هذا الکلام منه قبل أن یولد الکاظم علیهما السلام ) أن الإمام الصادق أخبر عن ولاده حفیدته فاطمه بنت موسى بن جعفر قبل ولاده أبیها الکاظم أی قبل سنه۱۲۸ هجریه ، وأخبر أنها سوف تدفن فی قم . ثم تحقق ذلک بعد أکثر من سبعین سنه .
فقد روى مشایخ قم أنه لما أخرج المأمون علی بن موسى الرضا (علیه السلام) من المدینه إلى مرو سنه مئتین خرجت فاطمه أخته فی سنه وإحدى تطلبه، فلما وصلت إلى ساوه مرضت فسألت کم بینی وبین قم ؟ فقالوا: عشره فراسخ. لما وصل الخبر إلى آل سعد- أی سعد بن مالک الأشعری – اتفقوا وخرجوا إلیها أن یطلبوا منها النزول فی بلده قم . فخرج من بینهم موسى بن خزرج فلما وصل إلیها أخذ زمام ناقتها وجرها إلى قم ، وأنزلها فی داره . فکانت فیها سته (سبعه) عشر یوماً ثم قضت إلى رحمه الله ورضوانه ، فدفنها موسى بعد التغسیل والتکفین فی أرض له وهی التی الآن مدفنها ، وبنى على قبرها سقفاً من البواری، إلى أن بنت زینب بنت الجواد (علیه السلام) علیها قبه).(البحار:۶۰/ ۲۱۹).
ویظهر من الروایات أن فاطمه هذه کانت عابده مقدسه مبارکه شبیهه جدتها فاطمه الزهراء (علیها السلام) ، وأنها على صغر سنها کانت لها مکانه جلیله عند أهل البیت (علیهم السلام). وعند کبار فقهاء قم ورواتها حیت قصدوها إلى ساوه وخرجوا فی استقبالها ، ثم أقاموا على قبرها بناء بسیطاً ، ثم بنوا علیه قبه وجعلوه مزاراً ، وأوصى العدید منهم أن یدفنوا فی جوارها . ولعل تسمیه الإیرانیین لها (معصومه فاطمه) أو (معصومه قم) بسبب صغر سنها ، وطهارتها من الذنوب ، لأن معصوم بالفارسیه بمعنى البرئ ، ویوصف بها الطفل البرئ .
ویظهر من الحدیث التالی عن الإمام الرضا (علیه السلام) أن إعداد الأئمه (علیهم السلام) لأهل قم لنصره المهدی المنتظر أرواحنا فداه کان من أول تأسیسها ، وأن حب القمیین للمهدی کان معروفاً عنهم قبل ولادته !
فعن صفوان بن یحیى قال: (کنت یوما عند أبی الحسن (علیه السلام) فجرى ذکر أهل قم ومیلهم إلى المهدی (علیه السلام) فترحم علیهم وقال: رضی الله عنهم، ثم قال: إن للجنه ثمانیه أبواب ، واحد منها لأهل قم ، وهم خیار شیعتنا من بین سائر البلاد ، خمر الله تعالى ولایتنا فی طینتهم) ( البحار:۶۰/ ۲۱۶ ).
ونلاحظ أن حب أهل قم للإمام المهدی (علیه السلام) حافظ على حیویته وحرارته إلى عصرنا ، وهو ظاهر فی إیمانهم وعملهم وشعائرهم وتسمیاتهم لأبنائهم ومساجدهم ومؤسساتهم بإسم المهدی (علیه السلام) حتى لایکاد یخلو منه بیت .
وقد تحدثت روایتان عن الإمام الصادق (علیه السلام) عن مستقبل قم ودورها قرب ظهور المهدی (علیه السلام) إلى أن یظهر .(رواهما فی البحار:۶۰/۲۱۳ ).
تقول الأولى منها: ( إن الله احتج بالکوفه على سائر البلاد ، وبالمؤمنین من أهلها على غیرهم من أهل البلاد ، واحتج ببلده قم على سائر البلاد ، وبأهلها على جمیع أهل المشرق والمغرب من الجن والإنس ، ولم یدع قم وأهله مستضعفاً بل وفقهم وأیدهم . ثم قال: إن الدین وأهله بقم ذلیل ، ولولا ذلک لأسرع الناس إلیه فخرب قم وبطل أهله ، فلم یکن حجه على سائر البلاد . وإذا کان کذلک لم تستقر السماء والأرض ولم ینظروا طرفه عین . وإن البلایا مدفوعه عن قم وأهله ، وسیأتی زمان تکون بلده قم وأهلها حجه على الخلائق وذلک فی زمان غیبه قائمنا إلى ظهوره ، ولولا ذلک لساخت الأرض بأهلها . وإن الملائکه لتدفع البلایا عن قم وأهله ، وما قصده جبار بسوء إلا قصمه قاصم الجبارین ، وشغله عنه بداهیه أو مصیبه أو عدو ، وینسی الله الجبارین فی دولتهم ذکر قم وأهله ، کما نسوا ذکر الله) .
وتقول الثانیه: ( ستخلو کوفه من المؤمنین ، ویأزر عنها العلم کما تأزر الحیه فی جحرها ، ثم یظهر العلم ببلده یقال لها قم ، وتصیر معدنا للعلم والفضل حتى لا یبقى فی الأرض مستضعف فی الدین حتى المخدرات فی الحجال ، وذلک عند قرب ظهور قائمنا ، فیجعل الله قم وأهل قائمین مقام الحجه ، ولولا ذلک لساخت الأرض بأهلها ولم یبق فی الأرض حجه ، فیفیض العلم منه إلى سائر البلاد فی المشرق والمغرب ، فتتم حجه الله على الخلق حتى لا یبقى أحد لم یبلغ إلیه الدین والعلم ، ثم یظهر القائم (علیه السلام) ویصیر سبباً لنقمه الله وسخطه على العباد ، لأن الله لا ینتقم من العباد ، إلا بعد إنکارهم حجه ) .
ویظهر من هذین النصین عده أمور :
أولها: أن دور الکوفه فی العلم والتشیع لأهل البیت (علیهم السلام) سیصیبه ضعف قرب ظهور المهدی (علیه السلام) ، والکوفه تشمل النجف ، لأن اسمها بالأصل نجف الکوفه ، أو نجفه الکوفه . بل قد یقصد منه الکوفه هنا العراق کما ذکرنا فی محله .
وأن دور قم سیبرز ویستمر ویتعاظم قرب ظهور المهدی (علیه السلام) (وذلک فی زمان غیبه قائمنا إلى ظهوره.. وذلک عند قرب ظهور قائمنا) .
وثانیها: أن دور قم العقائدی قرب ظهور الإمام المهدی (علیه السلام) سیکون لکل العالم حتى غیر المسلمین: ( وسیأتی زمان تکون قم وأهلها حجه على الخلائق. حتى لایبقى مستضعف فی الذین… حتى لایبقى أحد على الأرض لم یبلغ إلیه العلم والدین ) ، ولا یعنی ذلک أن العلم والدین یصل من قم وأهلها إلى کل فرد من شعوب العالم ، بل یعنی أن صوت الإسلام وطرحه یصل إلى العالم بحیث إذا أراد أحد أن یتعرف على معالم الإسلام لتمکن من ذلک .
وهذه المعانی المذکوره فی النصین الشریفین قد أخذت تتحقق فی قم فتصیر حجه على الشعوب الإسلامیه وشعوب العالم .
ویدل تعبیر: (عند قرب ظهور قائمنا) على عدم الطول المدید بین هذا الموقع الموعود لقم فی العالم وبین ظهور المهدی (علیه السلام).