مدرسه السقیفه وإشکالیّه عَلْمَنَه الدین

0

حتى بات الموروث التاریخی للحکومه الإسلامیهِ الشکلَ والمتناقضه المضمون یشغل حیّزاًَ کبیراً ومساحه واسعه فی ذهنیّه ووجدان البعض من الشعوب الإسلامیه المتبنّیه لأطروحه نموذج مدرسه الخلفاء لمشروع السقیفه للإسلام التاریخی ، والذی أصبحت فیه الأُمّه الإسلامیه المُبْعَده عن جوهر الحکم الإسلامی الأصیل وبقیاده القیاده المعصومه ـ والتی تتمثّل بأولی الأمر ـ ضحیّه للنُخَب والقیادات الإسلامیه المنبثقه من مدرسه الخلفاء ، والتی أفرزت من خلال الممارسه الاجتماعیه فی خیاض التجربه والتی اتّخذت سیاسه جدیده وهی سیاسه القمع والإرهاب ضدّ المجتمع الإسلامی وبالخصوص ضدّ المصلحین والمتنوّرین من الرعیل الأوّل لجیل الصحابه ومن الذین عاصروا الرسول الأعظم (صلّى الله علیه وآله) من أبناء الأُمّه ، والذین یتوقّون إلى إعاده الشکل والنموذج لدوله الرسول الأعظم (صلّى الله علیه وآله) ، أی قیام حاکمیّه الإسلام وخیاض التجربه وعلى طراز ذلک الشکل محتواً ومضموناً ، وبما یتلائم ویتماشى مع الوضع الراهن لیتحقّق مبدأ العدل والمساواه بین أطیاف الشعب المختلفه والمکونات الاجتماعیه الأخرى ، ووفق الرؤى التی حدّدتْها أطروحه الرسول الأعظم (صلّى الله علیه وآله) فی مقرّراته وتقریراته وسنّته ، والتی یُستند من خلالها بناء الدین وبقاء واستمرار حاکمیه الإسلام ونظامه وبقاء الدوله الإسلامیه الخالده التی تُفعّل المشروع الإلهی ودور القیاده المعدّه والمعصومه والمشار إلیها من قبل مدرسه الوحی وعن طریق الرسول (صلّى الله علیه وآله) ؛ لتواصل المسیره ولتحقّق معطیات ومکاسب کبیره للمجتمع الإسلامی والذی ینصّ على إلزام الأُمّه لتبنی المشروع الإلهی فی النص والتنصیب والذی قدّم لها الرسول الأعظم (صلّى الله علیه وآله) فی حیاته عدّه مقدّمات ، وأشار بدقّه إلى المعطیات والمکاسب المهمّه التی تحقّقها النخبه المعصومه فی ممارسه دورها ، فذُکرت تلک المعطیات أیضاً فی أدبیات وبیانات کثیره بحیث ملئت الفکر والتراث الإسلامی بجناحیه الإسلامی الحضاری والإسلام التاریخی .
فتجلّى ذلک واضحاً بالمناوره التی قام بها الخلیفه الثانی فی تشکیل الحکومه بعد موته ، وذلک من خلال طرحه لسیل من التوصیات والتوجیهات والأحادیث والروایات التی تُشیر بدقّه إلى شکل ونوع القیاده المعصومه المتبنّیه للمشروع الإسلامی فی النص والتنصیب خلاف المشروع السیاسی الوضعی الذی یتبنّى لطرحٍ جدید موازی فی تحدید نوع وشکل القیاده المحدّده فی تشکیل الدوله الإسلامیه الجدیده والمنبثقه من مشروع السقیفه المتبنّیه لمبدأ ومفهوم یتحدّد بمشروع الشورى والتعیین ، والمحصور بجماعه سیاسیه معیّنه مفروضه على الأُمّه ، بحیث سخّرت لها بعض النصوص وأُفردت لها بعض الروایات والوصایا الصادره عن الرسول الأعظم (صلّى الله علیه وآله) التی تحدّد الأُمّه بالنفوذ والاشتراک بالعملیه السیاسیه الجدیده المحصوره بذلک الرعیل المنتخب من قبل مجموعه سیاسیه معیّنه ذات أهداف وغایات ، على أنْ لا تعطی دور للنُخَب المعصومه الصالحه فی الاشتراک فی العملیه السیاسیه الجدیده والتی فعّلت دورها مدرسه الخلفاء ، وذلک انبثق کلّه من خلال مؤتمر السقیفه الذی تحدد بنصاب معین بحیث أمتدّ ذلک النموذج وأنساق بشکل کامل حتّى أصبح یمثّل واقعاً سیاسیّاً حیّاً یتمثّل فی شکل ونوع الحکومه السیاسیه المطروحه والتی یجب أنْ تُمارِس دورها فی خیاض التجربه فی الممارسه الاجتماعیه الجدیده ، فأصبحت هی الرافد والمنبع الأوّلی الذی ینهل منه الموروث التاریخی للحکومه الإسلامیه الراهنه ، وذلک قد تبلور هذا الشکل والنوع من الحکم فی ذهنیّه ووجدان أغلب الشعوب الإسلامیه المتبنّیه لأطروحه مدرسه الخلفاء فی الشورى والتعیین وبنصاب معیّن بحیث أصبحت رافضه للحداثه والتأقلم والاندماج وفق رؤیه ومعطیات الواقع الراهن ، بحیث أصبح ذلک النموذج یشکّل واقعاً سیاسیّاً جامداً یدعو إلى الرتابه والرکود حتى ولدت من خلاله آثار سلبیّه ذات تداعیات وإشکالات کثیره حُسبت على الإسلام ، وقد خدمت أعداء الإسلام وحقّقت نتائج ومکاسب بحیث تَرْمُوا وتتطلّع إلیها الحرکه الیهودیّه التی تحرّک سیاسات العالم .
فمِن خلال ذلک الفعل والسلوک السیاسی الذی اتبعتْه مدرسه الخلفاء قد سمح بنفوذ وتسرّب مفاهیم ورؤى ذات قِیَم مخالفه لقیم ومفاهیم الإسلام ، ممّا قد شکّل قیداً ثقیلاً على الواقع الإسلامی یدخل بعضها فی إطار ودائره العقیده والنهج المتّبع ، حتى انساق ذلک الفعل والسلوک الذی سلکتْه المدرسه الإسلامیه للإسلام التاریخی لمدرسه الخلفاء بحیث تبلور ذلک النهج إلى عمل وسلوک جاف لممارسه سیاسیه ذات معطیات تواجه روّاد مؤیّدی المدرسه الإسلامیه الأخرى المخالفه والتی تتمثّل بمدرسه أهل البیت (علیهم السلام) ، حتى بانت ثمره النتائج التی ترکت أثارها على الواقع الإسلامی بتصدّیها لروّاد المدرسه الإسلامیه لمدرسه أهل البیت (علیهم السلام) ، فتجسّد بشکل کامل فی تصدّیها لنهضه وثوره الأمام الحسین (علیه السلام) حتى أصبحت القیم والمفاهیم التی تتبنّاها مدرسه الخلفاء فی عرْض وتقاطع مع الکثیر من القِیم والثوابت الإسلامیه التی تتبنّاها مدرسه أهل البیت (علیهم السلام) .
فمدرسه الخلفاء تطرح وتتبنّى بعض النظریّات التی تقرّ بمبدأ ومفهوم القوّه والغلبه ، والتی أقرّها وأشار إلیها البعض من فقهاء السلف ومعلّمی المدرسه ، فأفردت لها أبواباً واسعه فی أدبیّات مدرسه الخلفاء ممّا أشار إلى ذلک المفهوم الذی تقرّه سیاسه المدرسه بقول الإمام الغزالی فی أحیاء العلوم على : ( أنّ الحق هو من شأن أصحاب السیاده والقوّه ، وذلک لا ینبغی الثوره ضدّهم ، فبما أنّ لدیهم قوّه فهذا یعنی أنّ الحق معهم ) . فهذا الطرح الذی یُعدّ من إبداع فقهاء المدرسه والذی یبرّر لفعل وسلوک روّاد المدرسه .
وکما تبنّت أیضاً لطرح آخر یساعدها على الخروج من المأزق والحرج السیاسی بعدما عرفت اتجاهات وقابلیّات الروّاد الأوائل وقدرتهم على قیاده الأُمّه وعجْزهم أمام قدرات وقابلیّات القیاده المعصومه ، فتبنّت طرح آخر یؤکّد على ولایه الفاضل على المفضول ، فهی بالحقیقه قد تطرّفت وخالفت المشهور الذی یقرّه العرف فضلاً عن الشرع والذوق السلیم .
وبهذا السلوک للفعل السیاسی المدروس استطاعت المدرسه بلوره هذا المفهوم ، فإنْ دلّ ذلک على شیء فإنّما یدلّ على فقدان المؤهّل وعدم توفّر القدره على احتواء الوضع الراهن حتى تنقّلت وذهبت لصیاغه مفاهیم ورؤى تُخالِف ثوابت النهج والفکر السیاسی ، ممّا جعلها أیضاً غیر قادره على التنظّر والتطوّر لنموذجها وعصرنته لیواکب المسیره وضمن ثوابت القرآن والسنّه والتی أُضیفتْ علیها نهج المدرسه لسیره وسلوک السلف الصالح الذی یتحدّد بسیره وسلوک نهج الشیخین .
وقد ساعدت ـ بهذا الفعل والسلوک السیاسی ـ على تجمید الإسلام على أنْ ینطلق ویتماشى مع متطلّبات الواقع السیاسی وحصره ضمن ذلک الإطار ، فحتّم على مدرسه الخلفاء على اتباع أسالیب وسلوکیات سیاسیه تُضاف إلى الواقع الإسلامی الجدید ومن خارج الإطار کما فَعَلت مع کعب الأحبار وغیرهم من المنظّرین الذین أضافوا شیئاً للواقع الإسلامی الجدید ؛ لتواصَل المسیره التی تحقّق من خلالها مبدأ الإقصاء والتهمیش لمدرسه أهل البیت (علیهم السلام) على أنْ تمارس دورها فی بناء وتغییر المجتمع الإنسانی ، فغُیّب دورها بشکل کامل وهذا قد یلزم مدرسه الخلفاء بقبول أطروحات ونظریات ذات مفاهیم مصاغه جدیده تغلق أبواب الإشکالات والتداعیات المتولّده من خلال ذلک الفعل والسلوک السیاسی الذی انتهجتْه ، فهی تفرض ذلک على المتلقّی عنصر القبول والتسلیم بالوضع الجدید وتستبطن الإلغاء والإباده الکامله لروّاد ومدرسه أهل البیت ( علهم السلام ) .
وهذا تجسّد بشکل واضح بعد غیاب واستشهاد الرسول الأعظم (صلّى الله علیه وآله) عندما تعرّضت الإمامه إلى ذلک النوع ، حتى تبلور بشکل واضح أیضاً بمواجههِ بضعه الرسول الأعظم (صلّى الله علیه وآله) فاطمه الزهراء (علیها السلام) حتى صارت ضحیه الممارسه السیاسیه الجدیده ، ومواجههِ مدرسه أهل البیت (علیهم السلام) وروّادها وأتباعها بهذا الفعل ، فعُدَّ سُنّه أقرّتْها مدرسه الخلفاء ، بل اعتبرت من أولویّات الدوله والحکومه الإسلامیه المنبثقه منها والتاریخ شاهد على ذلک .
* فهذه عُدّت الخطوه الأولى التی تستند علیها الممارسه السیاسیه .
* وأمّا الخطوه الثانیه التی استندت علیها هو غلْق باب الاجتهاد وعدم السماح بتحریک الشریعه واستنطاق القرآن والسنّه لمواکبه العصر والمرحله الراهنه ، فهذا العمل والسلوک السیاسی أیضاً قد ساعد من قریب أو من بعید على تحدید مدرسه أهل البیت (علیهم السلام) فی تفعیل دور الإسلام واستنطاق القرآن والسنّه ؛ لأنّه بالحقیقه التی أشار إلیها الرسول الأعظم (صلّى الله علیه وآله) فی حدیث الثقلین المشهور عند العامّه فضلاً عن الخاصّه والذی یؤکّد على وجود الإمام المعصوم مع القرآن وجوداً تکاملیاً لا وجوداً تکراریاً ، فالاجتهاد وهو مطلب أساسی تستند علیه مدرسه أهل البیت (علیهم السلام) بتحریک الشریعه ومواکبتها للعصر الراهن .
فغلق باب الاجتهاد الذی أشکل على مدرسه الخلفاء وجعلها تقع فی أزمات مع الأصاله والتجدد حتى طُرحت نظریات ومفاهیم أخرى لتساعدها على الخروج من تلک الأزمه .
* وأمّا الخطوه الثالثه فهی تبنّت ظهور الحرکه التبریریه والتی تتبنّى تبریر فعل وسلوک النُخَب والقیادات لمدرسه الخلفاء ، ولن تکتفی بهذا المقدار من التبریر بل أضافت هاله من القدسیه على شخص الخلیفه الذی تَعتبر فعله وسلوکه إنجازاً مهمّاً قدّم انطلاقاً للإسلام وإعطائه الشرعیه الکامله فی ممارسه تلک الممارسات وتجاوز أخطائهم وثغراتهم حتى ینساق ذلک على الواقع السیاسی الجدید وتحویلها إلى مکاسب سیاسیه ودینیه تحقق للإسلام الانطلاق والنهوض وضمن تلک القیم التی فرضتْها المدرسه الإسلامیه لمدرسه الخلفاء ، وتجعل کل ذلک یدور فی إطارهم وسلوکیّاتهم التی أُضیفت إلى الإسلام وطرحت کأساس تنطلق منه النخب القیادیه الأخرى المتبنیه لمشروع السقیفه ، التی یُراد منها مواصله المسیره ضمن مقرّرات السقیفه التی ترید أنْ تفرض سیره وسلوک السلطه الذی یتمثّل بسیره وسلوک الشیخین کواقع تغییری جدید یکامل النهج الإسلامی الذی یترکز على الکتاب والسنّه .
فإنْ أقرّت الحکومه المنتخبه بنصاب معیّن والتی فرضتْه النخبه روّاد مدرسه الخلفاء حظیتْ الحکومه بالشرعیه والمشروعیه المطلقه ، وإنْ رفضت ذلک الواقع تُخرج الحاکم من إطار ودائره التکلیف الشرعی المناط إلیه ، وهذا قد حدث بشکل واضح وصریح بعد غیاب الخلیفه الثانی وعندما فرض الناطق الرسمی باسم السقیفه على الإمام علی (علیه السلام) على أنْ یبایعه للخلافه ویفرض علیه العمل بالکتاب والسنّه وسیره الشیخین ، فعندما رفض الإمام علی (علیه السلام) المطلب الثالث سُحبت عنه الشرعیه وأُبعِد عن الممارسه الاجتماعیه فی خیاض التجربه ، وکذلک فرضها على الأُمّه واقع القبولیه والتسلیم بمقررات وأطروحات الشیخین کنهج مکمل لمسیره الإسلام وذلک ضمن المفهوم الذی یحثّ على إطاعه الحاکم المنتخب والمُقَر من قِبل المدرسه وقبوله ، سواء کان برّاً أو فاجراً ، فهی بذلک تفرض على الأُمّه الخضوع والخنوع للحاکم نفسه ، فهذه الأطروحات الجدیده التی أعطیت مقداراً من الالتزام والاهتمام بشخص الحاکم وإطاعته وذلک قائم کلّه على أساس ومنطلق تعالیم سیره الشیخین التی أُضیفت إلى السنّه ، بحیث بات هذا الطرح یشکّل قیداً ثقیلاً على انطلاق الإسلام بشکله الحقیقی وصار سبباً أساسیاً ورئیسیاً على أنْ توظّف القوى المعادیه للإسلام قدراتِها وتعبّئ طاقاتها على تقویض وتحجیم دور الإسلام وتصفیه نخبه الصالحه ، فهی ترید أنْ تضع الإسلام دائماً فی زاویه المواجهه والدفاع ، عکس ما أرادتْه النخب الصالحه بالإسلام بالانطلاق والمواجهه .
فقد أقتضى ذلک بالضروره إلى نفوذ الأطروحات والقبول بالأیدلوجیّات والنظریات ورؤى ذات صیغه إسلامیّه شکلاً لا مضموناً ، بحیث تتناغم وتنسجم مع شکل ونوع الحکومه للموروث التاریخی وتجعله على أنْ یدور فی إطار الرجوع والمحدودیه ، والتی تؤدّی بالنتیجه إلى عولمه الفکر والنهج الإسلامی وخلق ازدواجیه بحیث تجعل من المسلم أنْ یخضع ویخنع على القبول والتسلیم الکامل والإقرار بالتاریخ المزدوج الذی بدوره یولد عند المتلقّی حاله من الرتابه والرکود والدمج المرتبک والمنبثق من عدم القناعه الکامله بذلک الواقع الذی أضیفت علیها هاله من القداسه والتسلیم ، ممّا یؤدی ذلک إلى عدم التمییز بما هو الأصل والعارض والجمود والانطلاق والحق والباطل ، ممّا یساعد ذلک على فرض ازدواجیه الاتجاه بشکل کامل وباسم الدین المقدّس ، کما هو شائع الآن وموجود فی أوساط الکنیسه المسیحیه التی تفرض القبول والإیمان بالمتناقضات وعدم إعطاء المتلقی القدره الکافیه على التفکیر والإبداع حتى لا یستطیع المتلقّی على الفرز والتدقیق بین ما هو الجِدّ والهزل ، فهی ترید منه أنْ یتجاهل الحقیقه ویسلّم على ما هو واقع وموجود ومن منطلق القدسیه التی تحضى بها الکنیسه .
فذلک المثال انساق على الحکومات الإسلامیه للموروث التاریخی والتی جعلت منه لا یستطیع على التمییز بین المعصیه والطاعه فی فعل وسلوک الخلیفه الحاکم وبین الحق وصراعه مع الباطل ، فقلبت موازین المعادله وفرّغت الحقیقه من مضمونها الواقعی والحقیقی ، وذلک عندما تتطلّع إلى طرح أدبیات وتراث مدرسه الخلفاء فتجد الکثیر من تلک المقتطفات وذلک عندما تجدها تقول بأنّ ( سیّدنا علی قاتل سیّدنا معاویه ! ) ، فهی بذلک الطرح قد ساعدت على تسویف حقیقه الصراع وتفریغه من محتواه ومضمونه الحقیقی ، فجعلت من المتلقّی یعیش حاله من الازدواجیّه والتردّد ، فهو غیر قادر على فهم الحقیقه بشکل کامل ، فوظّفت المدرسه التبریریه قدراتها الإقناعیه بذلک بحیث ساعدت هی الأخرى على تسویق حقیقه الصراع والتصارع حتى ذهبت ثمره ذلک وفرغت الواقع عن مضمونه الحقیقی ، کما ساعدت أیضاً على قتل الجانب الإبداعی عند المتلقی والذی یتبلور باتخاذ العبره والعِضه وتفریغ التاریخ من مضمونه الحقیقی ، فجعلت من ذلک الحدث مجرّد قضیّه ثانویه خیالیه عاشتْها الأُمّه فی مرحله التطوّر والبناء ؛ وذلک کلّه منبعث نتیجه لنزوه شخصیه : ( أصحابی کالنجوم بأیّهم اهتدیتم اقتدیتم ) ، ولیس لها آثار جانبیه ونتائج سلبیه ترکت إفرازاتها وسلبیّاتها على الواقع السیاسی والاجتماعی والعقائدی المعاش وعبر المسیره التاریخیه .
فی هذا النسق وذلک التفکیر الذی یتغلغل من خلاله واقع سیاسی مریر آخر حمل تحت طیّاته نفوذ غزواً ثقافیاً وعقائدیاً وسیاسیاً کلّه یستهدف قتل الإسلام الحقیقی معنویّاً ، وتحت سقف وغطاء الصراعات الثانویه الغیر مؤثّره ، بل هی بالحقیقه قد أربکت الإسلام وجعلتْه یرضخ تحت تلک الضغوط ، فبهذا الفعل قد هیمنتْ مدرسه الخلفاء على الواقع السیاسی والواقع العام وذلک کلّه ناتج عن إفرازات الواقع الأوّل لمدرسه الخلفاء التی فعّلت المشروع السیاسی بالشورى المحصوره والتعیّن المحدّد وبنصاب معین ، یقول فی ذلک الشیخ محمّد تقی مصباح الیزدی :
وهذه التجربه مرّ بها المجتمع الإسلامی فی صدر الإسلام ، إذ لم یمضی على رحیل النبی (صلّى الله علیه وآله) زماناً حتى تحّول نظام الحکم الإلهی إلى نظام طاغوتی وملکی أموی وعبّاسی ، ولم یبق من الإسلام إلاّ اسمه وتعرّضت القِیم الإسلامیه لدى المجتمع للنسیان ، أمّا الجهاز الحاکم فقد کان وضعه فی هذا المجال أدهى وأَمَر ، کانت هنالک حکومه إسلامیه بالاسم فقط حیث جلس بعضهم على عرش السلطه باسم خلافه النبی الأکرم (صلّى الله علیه وآله) .
والتجربه المرّه ینبغی أنْ تکون عِبره للأجیال القادمه ، فمن ذلک المنطلق والازدواجیه ذهب البعض من الأطیاف السیاسیه الإسلامیه إلى علمنه الدین وحصره فی دائره وإطار الثابت والمتغیّر ، وإدخال الإنسان بسَنّ القوانین الوضعیه وإضافتها إلى الواقع الإسلامی وخروجهم بواقع جدید ، وبذلک حتّى یتحقق لهم التجاوز والخروج من الأزمات والإشکالات والتداعیات ، وذلک ضمن ووفق رؤیه نقدیه محدوده تسمح وتلزم بالتمسّک بإیدیولوجیات وأفکار أخرى خارج نطاق ودائره الواقع السیاسی للإسلام الأصیل ؛ لتحرک الدین وتجعله مرناً ومتحرّکاً معصرناً بحیث ینسجم ویتلاءم مع معطیات ومتطلّبات المرحله الراهنه ، وذلک قائم على أساس ومنطلق ومفهوم المقوله الجدیده التی تؤکّد ( بأنّ الدین جاء لإعمار الدنیا وإقامه العدل والمساواه فی الحقوق والواجبات والقسط فی أرجاء المعموره ، ویجب علیه أنْ یتحرّک فی هذه الحیاه وإصلاحها بدوافع دینیه وفق رؤى وإیدیولوجیات تنبع من قدره الإنسان وإبداعه واقتراعه والتی تساعد فی تهذیب السلوک الدینی وتنظیمه ، وذلک من خلال إبراز قوانین جدیده حتى ولو کان على حساب القیم والثوابت الإسلامیه الأخرى التی یرى استهلاکها وعدم قدرتها وفاعلیتها ؛ فلذلک یجب تبدیلها ویجب أنْ تکون معظم تعالیم الدین تسیر فی دائره وإطار التکلیف الفردی وفی أطار الحریه الفکریه ومذهب العرف ) .
والذین ینظرون إلى الآخره هی الهدف بعیداً عن ملاذ الدنیا ومغریاتها وترک ذلک المجال عائماً للأهواء ورغبات الحاکم بینما طرح الأفکار والأیدیولوجیات هی الأصل فی إبقاء الحیاه الدنیا والذی یحدّد ذلک الطرح شکلَ ونوعَ الحکومه الإسلامیه والتی یجب أنْ تکون على طراز الموروث التاریخی ، والتی أدّت بالنتیجه عن التخلّی لثوابت ومقوّمات الحکومه الإسلامیه للإسلام الحضاری الذی یسعى لبناء الإنسان فی فکره ومحتواه ، وجعل الدنیا والحیاه قد تکوّنت وخُلقت من أجل هدف سامی یحقّق للإنسان السعاده الأبدیّه وفق النظام والقانون والسلطه المطلقه ، خلاف الطرح الوضعی الذی تطرح مقابله الإشکالات العدیده التی تجرّنا إلى طرح التساؤلات وإثاره الجدل فی تلک الإشکالات ، فنقول :
أوّلاً : من أین یجب أنْ ینبع القانون الذی ینظّم الحیاه العامّه بشکلها التکوینی والتشریعی ؟
ثانیاً : ما هو مصدره ؟ ومَن له الحق فی تحدید المساحه والمسافه التی تتحرّک بها الحریه الفردیه والجمعیه للإنسان وصیاغه نظامه ؟
ثالثاً : مَن الذی له القدره على أنْ یتکفّل استیفاء الحقوق الکامله مع المحافظه على أصل العداله والمساواه ؟
رابعاً : هل یحق للإنسان نقض القانون العام ورفضه ووفق أیَ قِیَم ؟
خامساً : هل یستند القانون مشروعیّته من رضى العامّه ووفق أیّ قِیَم ؟
أ ـ على مشروعیّه الحق الإلهی ؟
ب ـ أَمْ على أساس نظریه العقد الاجتماعی ؟
ج ـ أَمْ على أساس القوّه والغلبه ؟
د ـ أَمْ على أساس مشروعیه الغایه تبرّر الوسیله ؟
هـ ـ أَمْ على أساس مشروعیه ومحوریه المصلحه الشرعیه والحق الشرعی ؟
ذلک کلّه یتجسّد بالمشروع الذی طرحه الرسول الأعظم (صلّى الله علیه وآله) لنظریه النص والتنصیب للإمام المعصوم فی قیام حاکمیّه الإسلام وتحقّق العداله ضمن القیم والثوابت العامه للإسلام ، کما جاء فی الاحتجاج عن سعد بن عبد الله القمّی قال : سألتُ القائم ( عجّل الله تعالى فرجه ) وهو فی حجر أبیه وقلتُ : أخبرنی یا مولای عن العلّه التی تمنع القوم من اختیار إمام لأنفسهم ؟
قال : ( مصلح أو مفسد ؟ ) .
قلت : مصلح .
قال: ( هل یجوز أنْ تقع خیرتهم على المفسد بعد أنْ لا یعلم أحد ما یخطر ببال غیره من صلاح أو فساد ؟ ) .
قلت : بلى .
قال : ( فهی العله ) .
إذاً ، قصور الإنسان وعدم تکامله یلزمه ویحتّم علیه التمسّک والإیمان بالمطلق المتکامل الذی هو مطّلع على کلّ ما هو موجود فی الکون والوجود ، وهذا یتحقّق بالحکم الإلهی وحاکمیه الإسلام بشکله وواقعه الحقیقی ، فالحکم الإسلامی هو الذی یلزم الفرد والمجتمع المکلّف بالشرع وولایته للقانون الشرعی الذی یدعو للعداله ورعایه المصلحه ، فمرجعیه القانون الإسلامی کلّها تتجسّد وتنطلق من الکتاب والسنّه .
والقانون الإسلامی هو بالأساس القانون الکامل والشامل الصادر من وحی السماء والذی یدعو إلى صلاح المجتمع وتکامله ، فهو یملک القدره والنفوذیه القویّه على ترتیب وتهذیب الإنسان فی فکره ومحتواه وحثّه على ممارسه دوره التکلیفی .
فمخالفه القانون الإسلامی فی المجتمع الإسلامی ـ الصادر من القیم الأصیله هو قد یُسقِط العداله والولایه ممّا یُربِک المجتمع وإسقاطه فی أحضان الحضارات الأخرى المخالفه للإسلام والمعادیه له بالقانون الوضعی الذی یُلزِمه بالقوّه والتعاهد المبنی على مصلحه الأکثریّه أو الحاکم ـ هی الرائده والتی ترید أنْ تخرج بمحصّله وهی علمنه الإسلام الذی یقولون فیه بأنّ الإسلام لن یصلح أنْ یکون دوله على أنّ الدوله لیس ضروره من ضروریات الإسلام وأنّها حاله استجدّت فی ظروف خاصّه .
وذلک لا یمکن أنْ تربط بین الإسلام والدوله وبین السیاسه ، وهذا ممّا قد أفرز لنا تداعیات سیاسیه شکّلت إشکالیّه تواجه الإسلام وتسمح للنفوذ العلمانی أنْ ینشأ ویترعرع فی أحضان البلد الإسلامی وهی کما یلی :
۱ ـ شرعنه الأنظمه السیاسیه وعمالتها للأجنبی .
۲ ـ ظهور أنظمه علمنه الإسلام وابتعدت عن الفکر والنهج الإسلامی ، بل جعلت من الإسلام شکل وهویّه وأسند إلى نظام دکتاتوری مستبد باسم الإسلام وعلى طراز الموروث التاریخی .
۳ ـ ظهور النزعه العلمانیه عند الحکّام واستبدادهم لشعوبهم باسم الإسلام التاریخی الذی سارت علیه سیاسات الخلفاء بعد دوله الرسول الأعظم (صلّى الله علیه وآله) والإمام علی (علیه السلام) وجعله خارجاً من المحتوى والمضمون الحقیقی .
۴ ـ نفوذ الفکر المضاد من الدوله المعادیه للإسلام ، وزج مفاهیم مغایره تستهدف الفکر والنهج الإسلامی الأصیل ، وطرح برامج ومناهج قاصره نابعه من الجهد التآمری على الإسلام وتفریغه من محتواه الحقیقی .
۵ ـ بُنیت الدوله الإسلامیه فی الموروث التاریخی على شکل الإمبراطوریات والحکومات الدکتاتوریه الأخرى کما هو موجود فی الإمبراطوریات الکافره .
۶ ـ ظهور طبقه مندسّه شکّلت قیداً ثقیلاً على انطلاق الإسلام فساعدت على جمود الإسلام وعدم قدرته على الانطلاق ، فتجسّدت تلک الطبقه بوعّاظ السلاطین .

Leave A Reply

Your email address will not be published.