بیعه السقیفه (۲)

0

 
۵ – وصول النبأ باجتماع الأنصار

لم یهدنا التأریخ إلى أن أبا بکر وعمر أی شئ صنعا مباشره بعد حادثه إنکار موت النبی واجتماعهما ، وأین کانا قبل ذهابهما إلى السقیفه فهل دخلا إلى دار النبی معا والباب مغلق دون الناس ، أو أنهما وقفا على الباب ، أو أن أبا بکر وحده دخل الدار ؟ کل واحد من هذه الاحتمالات یستشعر فیه حدیث . وجائر وقوعها جمیعا .

ولکن مثلهما جدیر به ألا یبارح دار النبی ( ص ) فی مثل هذه الساعه ، وإذا کان شئ یحدث فإنما یحدث ها هنا ، ومحوره ؟ ذا المشغول بجهاز النبی ( علی بن أبی طالب ) ، ومن کان یتهم أن الأنصار تستبد بهذا الأمر على آل البیت والمهاجرین وتطمع فیه دونهم فتبادر إلى اجتماعها معرضه عن لهم شأن لا ینکر فی هذا الأمر .

وأغلب الظن أنه لم یطل الزمن على وصولهما إلى الدار حتى جاء اثنان من الأوس مسرعین إلى دار النبی ، وهما ( ۱ ) معن بن عدی وعویم بن ساعده ، وکان بینهما وبین
____________________

( ۱ ) ذکر ذلک فی العقد الفرید ( ۳ : ۶۳ ) وفی الجزء الثانی من شرح النهج ولم نر غیرهما یصرح باسم الشخص المخبر . ولکن عمر بن الخطاب نفسه یحدثنا أنه صادفها فی ذهابهم إلى السقیفه ، فأشار علیهم بالرجوع لیقضوا أمرهم بینهم .
وأحسب أن عمر أراد أن یحفظ لهما هذه الید ، فیکتم علیهما غایتهما هذه على قومهما دفاعا عنهما ، لأن الأنصار اجتمعت بعد بیعه أبی بکر فی محفل فدعوهما وعیروهما بانطلاقهما إلى المهاجرین واکبوا فعلهما فخطبا فردت علیهما الأنصار وأغلظوا وفحشوا علیهما وکل منهما قال شعرا : ( راجع شرح النهج ۲ : ۱۱ نقلا عن کتاب الموفقیات للزبیر بن بکار ) . ( * )
 
– ص ۱۲۱ –
سعد الخزرجی المرشح للخلافه موجده قدیمه ، فأخذ معن بید عمر بن الخطاب ، ولکن عمر مشغول بأعظم أمر ، فلم یشأ أن یصغی إلیه ، لولا أن یبدو على معن الاهتمام إذ یقول له : ( لا بد من قیام ) ، فأسر إلیه باجتماع الأنصار ففزع أشد الفزع ،
وهو الآخر یصنع بأبی بکر ما صنع معن معه ، فیسر إلى أبی بکر بالأمر ، وهو یفزع أیضا أشد الفزع . فذهبا یتقاودان مسرعین إلى حیث مجتمع الأنصار ، وتبعهما أبو عبیده بن الجراح ، فتماشوا إلى الأنصار ثلاثتهم ( ۱ ) .

أما علی وأما من فی الدار وفی غیر الدار من بنی هاشم وباقی المهاجرین والمسلمین ، فلم یعلموا بکل الذی حدث وبما عزم علیه أبو بکر وعمر . ولماذا ؟ – ألم تکن هذه الفتنه التی فزعا لها أشد الفزع تعم

__________________________

( ۱ ) الطبری ( ۳ : ۲۰۸ ) ( * )
 
– ص ۱۲۲ –
جمیع المسلمین بخیرها وشرها وأخص ما تخص علیا ثم بنی هاشم ؟
أو لیس من الجدیر بهما أن یوقفاهم على جلیه الأمر لیشارکوهما على إطفاء نار الفتنه الذی دعاهما إلى الذهاب إلى مجتمع الأنصار مسرعین ؟
ثم لماذا یخص عمر أبا بکر دون الناس ثم أبا عبیده ؟
لیس من السهل الإحاطه بأسرار ذلک التکتم وهذا التخصیص ، وهو موضوع بکر لم یقرع بابه الباحثون .

ولکنا إذا علمنا أن الجماعه کانوا یلاحظون فی علی تلک الأمور التی ذکرناها فی البحث السابق فیحذرون أن یستبق إلى بیعته مستبق ، نجد منفذا إلى خبایا هذا التکتم ونطمئن إلى أنهم رأوا الأصلح لهم أن یتدارکوا الأمر بأنفسهم من دون أن یشیع الخبر وحینئذ یستطیعون أن یهیمنوا على الوضع ولا یقع ما یحذرون ، إذ یکبسون على الأنصار اجتماعهم السری فی جو هادئ ممن یتحمس لعلی .

وهذا التخصیص من عمر یشجعنا على أن ندرک التفاهم السری بینه وبین أبی بکر بل بینهما وبین أبی عبیده فی هذا الشأن بل بینهم وبین سالم مولى أبی حذیفه .

ولذلک وجدنا عمر بن الخطاب یأسف عند الموت ألا یکون واحد من هذین " أبی عبیده وسالم " حیا حتى یجعل الخلافه فیه من بعده ، مع أن سالما لیس من قریش .

وإذا کانوا لم یلاحظوا فی علی ما قلناه ، فمن هو أجدر منه بالإخبار بهذا الأمر ومن أجدر من قومه بنی هاشم ، وعلی
– ص ۱۲۳ –
لیس ذلک الرجل الذی یستهان بشأنه ویستصغر قدره حتى لا یستشار ولا یخبر بمثل هذا الأمر الخطیر ، وهو أن لم یکن منصوصا علیه بالخلافه فإن مؤاخاه النبی له مرتین دون سائر الخلق وجعله منه بمنزله هارون من موسى وهو أحب الناس
إلیه ومولى کل من کان مولاه وولی کل مؤمن بعده ووارثه ووصیه ویدور الحق معه کیفما دار . . . کل هذا وغیره ما شئت أن تحدث یجعل له المنزله الأولى فی هذا الشأن لیستشار على الأقل .

ولئن کان مشغولا عنهم بجهاز النبی ( ص ) فجدیر بأن یکون على خبر من ذلک لیکون ردا لهم عند حدوث ما یکره ، وهم مقدمون على أمر عظیم ، وعلی من لا ینکر فی شجاعته وبطولته وإیمانه وتفانیه فی سبیل نصره الإسلام .

ولکنه بالرغم من ذلک کله لم یعلم بالحادث إلا بعد أن سمع التکبیر من المسجد عالیا ، وقد فرغوا من اجتماع السقیفه وجاءوا بأبی بکر یبایعونه البیعه العامه .

ولست فی تعلیلی هذا أدعی الإحاطه بأسرار هذا التکتم وإنما ذکرت ما یبدو لی عند البحث مقتنعا أنه أهم أسراره وعسى أن یکون هناک من یستطیع أن یشبع الموضع بحثا ، فیزیدنا علما على علم أو یکشف لنا إنا على جهل .
– ص ۱۲۴ –
۶ – تأثیر دخول المهاجرین فی اجتماع الأنصار

لنجئ الآن مع أبی بکر وعمر وأبی عبیده إلى السقیفه ، فنرى الأنصار مجتمعین یتداولون الحدیث ، وسعد بن عباده بینهم مزمل وجع یخطب فیهم وقد ترأس حفلهم مرشحا للخلافه .
ولا نشک أن الأنصار الآن فی لغط وحماس ، قد أخذت الأنانیه والفخر بأطرافهم معدین للوثبه عدتها ، یریدون فی اجتماعهم السری هذا أن یقبضوا على ناصیه هذا الأمر العظیم ، ولیس أمامهم من یطاولهم .
وإذ یدخل علیهم وجوه المهاجرین فجأه لا بد أن یسقط ما فی أیدیهم بافتضاح أمرهم قبل إبرامه ، وبتخوفهم من خروجه من أیدیهم بعد ما قالوا وصنعوا . ولا بد أن یرتبکوا لذلک ویقوى فیهم شعور الخذلان .
 
وقد عرفنا نفسیاتهم التی یتغلب علیها الضعف ، فیتغیر علیهم مجرى الحادثه . وهنا ینقلب الدور فیتهیئون لمواجهه هذا الحادث الجدید بما یقتضیه : فمن کان یبغض الإماره لسعد وجد الفرصه قد حانت للانتقاض علیه ، وبالعکس أصحابه الذین یوادونه لا بد أن ینقلبوا مدافعین .

وهذا أول تبدل فی حالهم وانخذال فی اجتماعهم . وبعد دخول جماعه المهاجرین هذا الاجتماع وسؤالهم عن
– ص ۱۲۵ –
هذا المزمل من هو ؟ وما شأنه ؟ نرى عمر یذهب لیبتدئ المنطق ، وقد زور فی نفسه مقاله فی الطریق لیقولها بین یدی أبی بکر ، وکان یخشى جد أبی بکر أو حدته ، وکان ذا جد کما یقول هو .

ومن الواضح أن الموقف دقیق جدا یدعو إلى کثیر من اللین واللباقه رعایه لهذه العواطف الثائره المتحفزه ، ولکن أبا بکر یمنع عمر من ابتداء الکلام ، وکأنه هو أیضا یرقب شدته وغلظته المعرفتین فیه فانطلق یتکلم ، وما شئ کان زوره عمر إلا أتى به أو بأحسن منه على ما یحدثنا عمر نفسه .

ولقد کان أبو بکر یحسن المعرفه بما یتطلب هذا الوضع من الرفق والسیاسه ، أولا ترى لما کادوا أن یطأوا سعدا قال قائل : قتلتم سعدا . . فقال عمر وهو مغضب : " اقتلوا سعدا قتله الله إنه صاحب فتنه " فالتفت إلیه أبو بکر قائلا : " مهلا یا عمر ! الرفق هنا أبلغ " .

ولا أعتقد مع ذلک أن عمر کان یجهل ضروره الموقف ، ولکنی أخاله – وقد تمت البیعه لأبی بکر – لم یجد حاجه لکثیر من هذا اللین والمداراه ، وقد أخذ بموافقه الأنصار إلا القلیل ، وتحقق فشل سعد وانخذاله . فهو إذن یعرف موضعی اللین والشده . ولعله – وهو رجل الساعه بعد أبی بکر – أراد أن یظهر بالغلظه لینطق أبا بکر بکلمه اللین .
 
۷ – تأثیر خطب أبی بکر على المجتمعین

من المتیقن أن الرجال الذین سادوا الأمم والجماعات فأحسنوا سیادتهم هم من أبرع الناس فی علم الاجتماع وهم لا یشعرون . وإنما جبلوا على معرفه فطریه تشحذها التجارب التی تخلق فی النفس الملکه على تطبیق النظریات عند الحاجه .

وأبو بکر وعمر هما من أولئک الناس الذین عرفوا خواص نفسیه الجماعات وکیف یمکن التأثیر علیها فی الوقت المناسب کما دلت الحوادث المتکرره على ذلک .

ولا شک أن ممیزات الجماعه المقصوده لعلماء الاجتماع کانت متوفره أیضا هنا أتم من توفرها فی اجتماع المسجد غب موت النبی الذی أشرنا إلیه سابقا : فقد کان الاجتماع حافلا التجأ فیه سعد بن عباده أن ینیب عنه ابنه أو بعض بنی عمه فی إلقاء کلامه ، فیرفع به صوته لیسمع المجتمعین .

وقد اجتمعوا لغرض واحد حساس أعنی تأمیر من یخلف ذلک النبی العظیم ، لیکون على رأس هذه الأمه الکبیره القویه المستجده ، وهم على ما هم علیه من الحال التی وصفناها من التوثب والشعور بالاستحقاق والتکتم .

وأظنک عرفت فی البحث الأسبق إن الاجتماع الذی یتألف على هذا النحو کیف یطلع فیه قرن العاطفه ویأرز
– ص ۱۲۷ –
رأس العقل والتفکیر فی المجتمعین فیصبح عرضه للتقلبات والانقلابات الفجائیه ویقوى فیه سلطان المحاکاه والتقلید الأعمى .
بل تظهر علیه الأعراض المتناقضه ، فبینا تجده قد یقوم بأعمال وحشیه جباره تدل على شجاعه أفراده البالغه حدها تجده مره أخرى یجبن من الصفیر . وبینا تراه یأتی بأعمال صبیانیه مضحکه تراه تاره أخرى یحکم التدبیر والتنظیم .
وما ذلک کله إلا من سجیه المحاکاه الموجوده فی کل إنسان فتسود على المجتمع عندما یبطل حکم العقل وحینئذ یکون تابعا مسخرا لکل من یحسن تسخیره بالمؤثرات التی تهیمن على العاطفه کالمنوم تنویما مغناطیسیا .

ونحن إذا فهمنا جیدا هذه البدیهیات عن روحیه الجماعات ، ولاحظنا توفر شروط الجماعه الاجتماعیه فی جماعه السقیفه ، نفهم معنى تلک الأسالیب التی اتبعها أبو بکر وصاحبه – کما سترى – للتأثیر على المجتمعین یومئذ ونفهم سر تأثر جماعه الأنصار وانقلابهم الفجائی على أنفسهم ، فأخذ أبو بکر وعمر الأمر من أیدیهم باختیارهم .

على أنهما فی جنب قوه الأنصار واعتزازهم بجمعهم تلک الساعه لا یعدان شیئا ، ولیس من المهاجرین معهما إلا أبو عبیده بن الجراح کما سبق وسالم مولى أبی حذیفه على روایه . فاسمع الآن إلى الأسالیب التی قلنا عنها : لقد رأینا سابقا کیف حرش أبو بکر بین الأنصار ، وأثار
– ص ۱۲۸ –
عواطف الأوس على الخزرج . وقد صادف منهم نفوسا متهیئه الوثبه على سعد . حتى استمالهم إلى جانبه وهم یشعرون أو لا یشعرون .
فی حین أنهم یعلمون أن الأمر إذا کان للأنصار وأن تولاه رئیس الخزرج فهو إلى حیازتهم أقرب وإلى سلطانهم أدنى . ولکن للعاطفه هنا سلطانها القاهر على النفس لا یقف فی وجهها أی سور محکم من المنطق والتفکیر .

ولنفحص الآن " خطبته " التی واجههم بها فی أول الملاقاه وقال عنها عمر : " ما شئ کان زورته فی الطریق إلا أتى به أو بأحسن منه " فإنه ذکر فیها أولا ما للمهاجرین من فضل وسابقه فی الإسلام بأنهم أول من عبد الله فی الأرض وآمن بالله
وبالرسول وأنهم أولیاؤه وعشیرته وأحق أناس بهذا الأمر " أی الخلافه " من بعده . وأن العرب لا تدین إلا لهذا الحی من قریش ، وأنهم لا ینازعهم فی ذلک إلا ظالم . . . ! ثم خاطب الأنصار فلم یغمط حقهم وسابقهم وجهادهم ، لکن . . . لکن من
غیر استحقاق لهذا الأمر ، وإذا استحقوا شیئا فإنما هی " الوزاره " . . ولغیرهم . . . " الإماره " ، فقال : – ( . . . وأنتم یا معشر الأنصار من لا ینکر فضلکم فی الدین ولا سابقتکم العظیمه فی الإسلام . رضیکم الله أنصارا لدینه ولرسوله وجعل إلیکم هجرته ، وفیکم جله أزواجه
– ص ۱۲۹ –
وأصحابه ، فلیس بعد المهاجرین الأولین عندنا بمنزلتکم ، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء ) ( ۱ ) .

وفی هذا البیان الشئ المدهش من إطفاء نار عواطفهم المتأججه ضد المهاجرین ، وإشباع نهمه نفوسهم الفخوره المتطاوله بفضلهم ، وجهادهم ونصرتهم ، وتقریبها إلى المهاجرین للاعتراف بفضلهم علیهم ، لأنه لیس أقوى على تخدیر أعصاب
الجماعه الهائجه من الذهاب مع تیار روحهم المندفعین بها ، فأعطى لهم ما یسألون بلسان حالهم من الاعتراف بالفضل والجهاد وکل فخر یشعرون به متطاولین .

حقا لقد صدق وصدقوا ، فإن لهم الفضل الذی لا ینکر ، ولکنهم أخطأوا بزعمهم أن لهم بذلک حق الإماره ، وهنا نجد أبا بکر یرید أن یحولهم عن هذا الزعم ، فیحذر أن یخدش عواطفهم بما ینقص منزلتهم ویحط من مقامهم ، فعدل عن التصریح بکلمه
الخطأ أو ما ینسق علیها من معناها ، واتبع أسلوبا آخر من البیان وأنه لمن السحر المأثور فلم یزد على کلمه : " فلیس بعد المهاجرین الأولین عندنا بمنزلتکم فنحن الأمراء وأنتم والوزراء " .

وفیها تنبیه على خطأهم من طرف خفی من دون التجاء إلى الکلمه التی بها تجرح عواطفهم وتثیر الحزازات مع الثناء علیهم فی نفس الوقت ثم إثبات الوزاره لهم .
_____________________________

( ۱ ) الطبری ( ۳ : ۲۰۸ ) . ( * )
 
– ص ۱۳۰ –
وإذا أردت التدقیق فی هذه الکلمه ترى الشئ الأعجب : فهو الآن یرید أن یفضل المهاجرین الأولین " الأولین بالخصوص ! " علیهم ، لیثبت لهم استحقاق الخلافه ، ولو کان وضعهما فی طرفین وفضل المهاجرین لأثار ذلک بحفیظتهم وحرش بین
خصمین متطاولین من القدیم ، فعدل عن منطوق مقصوده والتاف إلیهم من طریق تفضیل الأنصار أنفسهم على الناس وألقى فی الطریق کلمه " بعد المهاجرین الأولین " ، فتظاهر أنه یرید أن یقول : لیس أحد بمنزله الأنصار .

وأن مقصوده لیس غیر ، وإنما استثنى المهاجرین کأمر ثابت مقرر لا یتطرق إلیه الشک ولیس محلا للنقاش لا لأنه المقصود فی البیان . ؟ ؟ نا إذ تهدأ تلک النفوس الجامحه فی الجماعه راضیه بما قیل لها وفق شعورها تتفکک أوصالها وترجع من حیث جاءت کأنما حصل لها کل ما تصبو إلیه .

وهذا من انحطاط نفسیه الجماعات ، فلا تشعر بالنتیجه التی یراد أخذها منها وإن خالفت تفکیرها عند التأمل ، لأن عاده الجماعه فی الأفکار أن تقبلها جمله أو تردها جمله ، ولا طاقه لها على التأمل والتفکیک بین الأفکار ولا صبر لها على التمییز .
مضافا إلى أن الوعد بجعلهم الوزراء لا یفتاتون بمشوره ولا تقضی الأمراء دونهم الأمور یطمن من رغباتهم وأطماعهم ، ویذهب بخوفهم من الاستبداد علیهم وأخذ الثأر منهم ،
– ص ۱۳۱ –
ویسدل على ما حاولوه ستارا کثیفا من النسیان . وبعباره أصح ، یأخذ أثره الوقتی وتلهو الجماعه عن صدق الوفاء ولا تحتاج إلى التدلیل علیه ، ولا یکلف قائله إلا الوعد وبهرجه الکلام .

وهناک کلمتان أخریان فی تلک العباره التی حللناها لا یفوتنا أن نتعرف إلیهما وإلى ما فیهما من معنى أخاذ الأولى – کلمه ( الأولین ) – فأبعدهم بها عن شعور الخصومه الموجوده للمهاجرین عامه .

والمهاجرون والأنصار حزبان متطاولان وقد کان تنافسهما أمرا واضحا للعیان فی زمن الرسول وبعده حتى قال لهم النبی یوما : " ما بال دعوى أهل الجاهلیه " ، وذلک عندما قال الأنصاری : " یا للأنصار ! " وقال المهاجری : " یا للمهاجرین – "
فأقبل جمع من الجیشین وشهروا السلاح حتى کاد أن تکون فتنه عظیمه ، فی قصه مشهوره ( ۱ ) – فتجد أبا بکر بتخصیص المهاجرین بالأولین کیف اتقى شعور الأنصار بخصومتهم لعامه المهاجرین ، وهم لا ینکرون ما للأولین من فضل وقد سبقوهم
إلى الإسلام وعباده الرحمن على أنه بهذا التخصیص قرب نفسه وصاحبیه إلى هذا الأمر . الثانیه : کلمه ( عندنا ) – فانظر إلى ما فیها من قوه
___________________________________________

( ۱ ) راجع البخاری ( ۲ : ۱۶۵ و ۳ : ۱۲۶ ) . ( * )
 
– ص ۱۳۲ –
سحریه إذ رفع بها عن مقام القرن المنازع للأنصار ، وأخرجها عن الحزبین : الأنصار والمهاجرین ، ونصب نفسه بها کحکم بینهما یفضل هذا على ذاک ثم یختار لهم ما فیه الصلاح .

وهذا له الأثر البلیغ فی إخماد نار عاطفه التعصب علیه ، ویعطیه أیضا منزله فی نفوسهم هی أعلى وأرفع تجعل له نفوذ الحکم المستشار والزعیم للفریقین وعلى العکس فیما لو نصب نفسه مزاحما لهم مطالبا بحق یعود له ولحزبه . وشأن الجماهیر أنها لا تنتظر الدلیل على الدعاوی البراقه المبهرجه . لأن التصویر ولو بالألفاظ له الحکم الفصل على نفسیاتها .

فارجع الآن إلى تلک العباره ودققها ! وهی جعجعه تسحن الجماعات من غیر طحن ، وإلا فمن المقصود بضمیر ( عندنا ) یتکلم عنه أبو بکر غیر جماعه المهاجرین وهو منهم ، وعلى تقدیره فمن الذی خوله أن یمثل المهاجرین بشخصه ؟ . . . ولکنه جرد من نفسه " ومعه غیره " حکما مفضلا ، عنده المهاجرون أفضل من الأنصار ولیس بمنزله الأنصار أحد بعدهم .

فلا نعجب بعد عرفاننا هذه الأسالیب التی لها القوه السحریه على الجماعات أن یأخذ أبو بکر بناصیه الحال ، ویستهوی المجتمعین لینظروا إلیه بقلوبهم لا بعقولهم ، فیصرفهم کیف یرید . فانتظر نتیجه تأثیره علیهم .
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.