الصحابه والصحبه فی مفهوم أهل بیت النبوه وشیعتهم
مفهوم الصحبه والصحابه
بالاستقراء اللغوی الدقیق، تبین أن کلمه صاحب وصحبه لا تطلق إلا على من طالت مجالسته، ولکنها اصطلاحاً، وحتى فی القرآن الکریم، من العموم والسعه والشمول بحیث أنها تشمل کل من صحب النبی طالت مجالسته له أم قصرت، وتشمل من رآه، أو سمع منه على اعتبار أن الرؤیه والسماع نوع من الصحبه العابره، ما یعنی أن أصحاب النبی على العموم هم جمیع أفراد الأمه الإسلامیه، فما من فرد منهم إلا وقد أسلم على یدیه أو تظاهر بالإسلام، وما من فرد إلا وقد رآه أو سمع منه. فإذا کان مناط الصحبه الإسلام، أو التظاهر به ورؤیه النبی أو سماع صوته، فإن کل فرد شعب دوله النبی قد أسلموا أو تظاهروا بالإسلام وشاهدوا النبی أو سمعوا صوته، تلک حقیقه لا ینکرها إلا جاهل أو مکابر، والخلاف على سعه نطاق الصحبه أو ضیقها غیر مجد. فالصحبه، فی هذا المفهوم الواسع، لا تقدم ولا تؤخر، إنما ینحصر الخلاف فی الامتیازات أو فی وصف العداله والنزاهه إطلاقاً.
جوهر الاختلاف بین المفهومین
خلفاء دوله البطون وأولیاؤهم (أهل السنه) یؤمنون بأن کل من أسلم أو تظاهر بالإسلام ورأى النبی أو سمع منه، أو جالسه، هو صحابی جلیل منزه عن الکذب والتزویر، ومن العدول وهو من أهل الجنه، ولا یدخل النار، وبالتالی لا یجوز جرحه، لأنه من العدول، فالله سبحانه وتعالى قد تولی تعدیله، ومن المستحیل أن یتعمد الصحابی الخطأ، ففی کل أحواله مأجور لأنه بین مصیب للحق أو مجتهد فیه والمجتهد مأجور فی الحالتین، والعله فی ذلک کله تکمن فی صحبته للرسول بالمعنى المنوه به آنفاً!
بینما یؤمن أهل بیت النبوه، وشیعتهم تبعاً لهم، بعدم صواب اعتقاد خلفاء البطون وأولیاؤهم، وعدم شرعیه هذا الاعتقاد لأنه خاطئ من جمیع الوجوه، ویتعارض مع القرآن الکریم والسنه النبویه المطهره بفروعها الثلاثه، ومناقض لتاریخ دعوه النبی و دولته، ومع الروح العامه للدین، ومع حسن الخاتمه بل ویتعارض مع أحکام العقل السلیم والفطره النقیه!
برهان أهل بیت النبوه وشیعتهم
الصحابه فی مفهوم الخلفاء وأولیائهم، هم جمیع أفراد شعب دوله النبی بالمعنى الدستوری للشعب، باستثناء الطائفه الیهودیه المحدوده التی تمسکت بدینها، ولم یکرهها الرسول على ترکه. وبالرغم من حاله التجانس الظاهری لشعب دوله النبی إلا أنه فی الحق والحقیقه یتکون من مجموعه من الفئات غیر المتجانسه، بل والمتمیز بعضها عن بعض الآخر تمیزاً لا یخفى على من فهم حقیقه الأمور.
فئات الشعب فی دوله النبی
۱ – الفئه المؤمنه: وهی الفئه التی أسلمت عن قناعه لإیمانها الکامل بصدق النبی وصواب ما جاء به، لذلک التفت حوله وأطاعته، ووضعت نفسها تحت تصرفه، والتزمت التزاماً دقیقاً بأحکام دینه، وواجهت معه العرب. لم تستوحش لقله ناصریه، ولم ترهب کثره أعدائه ولم تخرج عن خطه حتى فارق الدنیا وهو راض عنهما. وبعد موته لم تعصیاه إنما تمسکت بالثقلین وأطاعت من أمر بطاعته، وفارقت الدنیا وهی على هذا الخط لا تحید.
أولئک هم المؤمنون حقاً، وأولئک هم الصحابه العدول الذین رضی الله عنهم ورضوا عنه وهم قمم أبناء الجنس البشری، فأهل بیت النبوه یحبون هذه الفئه ویدعون لأفرادها فی جمیع صلواتهم وکذلک تفعل شیعتهم، فهؤلاء عدول لأن الله عدلهم، ولأن أعمالهم عدلتهم، ولأن خاتمتهم کانت الحسنى. وهذه الفئه کانت موجوده فی عهد الرسول، وبقیت موجوده بعد انتقاله إلى جوار ربه، لکنها فی الحالتین کانت قلیله، حقاً قلیله، ولا ینکر وجودها إلا جاهل أو مکابر أو مریض، وهذه الفئه تعد جزءاً لا یتجزأ من الشعب فی دوله النبی، بل هی العمود الفقری لهذا الشعب.
۲ – الفئه المنافقه: وتتألف من قسم کبیر من أهل المدینه، وهم مرده النفاق، ومن الکثیر ممن یسکنون حول المدینه، ومن الکثیر من أهل مکه وبالتحدید من أبناء البطون القریشیه التی قاومت النبی وحاربته ۲۳ عاماً، ولما أحیط بها تظاهرت بالإسلام، ومن الکثیر من أبناء القبائل العربیه الذین مروا فی ظروف مشابهه لظروف أبناء بطون قریش وقد عرفوا جمیعاً بالمنافقین: أظهروا الإسلام، وقاموا بجمیع الواجبات التی کلفهم بها الإسلام، فصلوا وصاموا وحجوا ونطقوا بالشهادتین واشترکوا فی بعض غزوات النبی أو اعتذروا، وتظاهروا بطاعه النبی، وبقبول ولایته وبتصدیقه، وجالسوه وسمعوه وهو یتکلم، لکن قلوبهم کافره به وبدینه وبکل ما جاء به.
وهم یعتقدون أن النبی حاشاه کذاب، وطالب ملک، لکنهم لا یجرؤون على إظهار کفرهم لأسباب أوضحنا بعضها. هؤلاء صحابه فی مفهوم الخلفاء وأولیائهم، فکل وأحد من المنافقین قد أسلم ونطق بالشهادتین، وقام من حیث الظاهر بکل الواجبات، وجالس النبی، وطالت مجالسته، وسمع من النبی وطال سماعه، ورأى النبی وتعددت هذه الرؤیه فهو صحابی. ووفقاً لهذه القواعد التی وضعوها صار المنافق صحابیاً! وقاده البطون وأولیاؤهم أعقل من أن ینکروا وجود فئه کبیره من الناس فی عهد النبی، وأن هذه الفئه عرفت بالمنافقین، وتسترت على نفاقها، ومات النبی وهی على حالها من النفاق، ولا یمکن لعاقل أن ینکر وجود هذه الفئه والقرآن الکریم بمئات آیاته یشهد على وجوده ویؤکده! وبموجب نظریه عداله جمیع الصحابه التی وضعت شروطاً شکلیه للصحبه، صار جمیع المنافقین، حسب هذه الشروط، صحابه منزهین عن الکذب والتزویر، وفوق الجرح والتعدیل، ومن أهل الجنه! ولا یدخل أحد منهم النار، ویستحیل أن یتعمدوا الخطأ وهم بین مصیب للحق ومجتهد فیه، والأجر محقق فی الحالتین!
یجری کل هذا فی الوقت نفسه الذی بین الله ورسوله فیه أن المنافقین فی الدرک الأسفل من النار! یتصایح أولیاء الخلفاء وبصوره فوقیه یقولون إنهم لم یعنوا المنافقین! فإذا سألتهم: أین ذهب المنافقون؟ فهل تبخروا بعد موت النبی أم ابتلعتهم الأرض. أم کانوا ینتظرون موت النبی حتى إذا مات أصلحوا أنفسهم قبل ارتداد الطرف!! وصاروا بقدره قادر من أهل الجنه؟ وکیف نوفق بین المعطیات القرآنیه التی شخصت أحوالهم وحسمت أمرهم بنفاق إلى یوم یلقونه والمعطیات التاریخیه التی عرتهم وبین التصور المهزوز لنظریه عداله جمیع الصحابه الذی فرض بقوه السلاح وبالضغوط الاعلامیه والاقتصادیه والسلطویه لدوله البطون؟ فما من أحد من المنافقین إلا وتنطبق علیه جمیع الشروط التی وضعوها للصحابی، فالمنافق متظاهر بالإسلام والإیمان، وجالس الرسول ورآه وسمع منه. لیکن صحابیاً لا اعتراض لنا على ذلک، أما أن یقولوا إن هذا الصحابی المنافق أو ذاک منزه عن الکذب والتزویر، ومن المستحیل أن یتعمد الخطأ وهو مأجور فی جمیع أحواله وهو من أهل الجنه فهذا موضع الاعتراض والاستهجان والاستغراب،! لأن ما یقوله أولیاء الخلفاء ینقض الأحکام الإلهیه والنبویه والمعطیات التاریخیه معاً!.
وهل یتفضل أولیاء الخلفاء فیدلوننا على منافق واحد استثنوه من شروط الصحبه! ومن هو؟ فإن لم یفعلوا فأین ذهب المنافقون إذاً؟! ومن أعطاهم صلاحیه إدخالهم الجنه وجعلهم عدولاً فی الوقت نفسه الذی أعقبهم الله فیه نفاقاً إلى یوم یلقونه. اعتقدوا کما یحلوا لکم!! والوا الحجاره والحدید أو ما شئتم من أبناء البشر!! لکننا نرجوکم ألا تدخلوا فی دیننا الحنیف ما لیس منه! ولا تتوسلوا بالقوه لفرض هذا الحشو الآثم علینا!
۳ – فئات أخرى: ووجد فی مجتمع النبی فئه من الناس فی قلوبها مرض، وفئه عرفت بالمخلفین من الأعراب، وفئه فاسقه، وفئه والت أعداء الله، وفئه امتهنت الصد عن سبیل الله ورسوله، وتخصصت بمقاومته ومحاربته حتى أحیط بها. وجمیع هذه الفئات تظاهرت بالإسلام والإیمان، وجالست الرسول، ورأته وسمعته وهو یتکلم، وصدرت الأحکام الإلهیه بحق أفرادها ومع هذا فهم صحابه حسب نظریه البطون وهم من أهل الجنه وعدول! فهل استثنى أولیاء الخلفاء أحداً من هذه الفئات؟ ومن هو؟ الله تعالى یقول (فی قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً) [ البقره / ۱۰ ] وأولیاء الخلفاء یؤکدون أنه من أهل الجنه وعادل لتوفر شروط الصحبه فیه! إن هذا لأمر عجاب! فعبد الله بن أبی سرح، کبیر معاونی الخلیفه الثالث، أسلم، ثم افترى على الله الکذب، واعتبر هو الأظلم، لأنه ادعى أنه سینزل مثل ما أنزل الله!!
ثم تظاهر بالإسلام یوم الفتح لینجو من قرار النبی بقتله، وتدخل عثمان، واضطر النبی آسفاً لعدم قتله! فعبد الله بن أبی سرح، وفق النص الشرعی مفتر على الله، وهو الأظلم وهو فی النار! ومع هذا فهو من العدول ومن أهل الجنه حسب معطیات نظریه عداله جمیع الصحابه التی اخترعها معاویه وأولیاؤه! إن هذا هو العجب العجاب.
۴ – الفئه الضاله: یحدثنا القرآن الکریم عن أناس أسلموا ثم زاغوا (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا یهدی القوم الفاسقین) [ الصف / ۵ ] ویحدثنا النبی الکریم عن أناس أسلموا ثم ارتدوا على أعقابهم، فالإسلام مهم، لکن الاستمرار فی دربه حتى النهایه هو الأهم وهو ما یعبر عنه بحسن الخاتمه، فقد یسلم الإنسان ویسیر على درب الإسلام والإیمان مده طویله من الزمن، وفجأه یزل ینحرف ویسقط فی الهاویه. یجمع الرواه على أن أحد المسلمین قاتل مع النبی فی إحدى حروبه، ثم أصیب بجرح بالغ، فاتکأ على سیفه فقتل نفسه فاستحق النار بالنص الشرعی، وقد ضل أفراد وانحرفت أمم کانت مسلمه!
۵ – فئه مخطئه: لا ینکر أولیاء الخلفاء أن الرسول الله أقام الکثیر من الحدود على الکثیر من رعایا دولته المسلمین، فمنهم من زنى، ومنهم من سرق ومنهم من أفسد فی الأرض، ومنهم من رمى المحصنات الغافلات ومنهم من قذف، ومنهم من شرب الخمر، وهم جمیعاً صحابه حسب شروط هذه النظریه والسؤال: کیف تجتمع (العداله) مع السرقه والزنا والإفساد!؟ وأنت ترى أنهم جمیعاً قد تعمدوا الخطأ، وانتهاک الحریات! فکیف نوفق بین هذه النظریه وبین هذا الواقع الذی لا تنکرون!!