الخلفاء المقدسون
وقتلوا مالک بن نویره، الصحابی الجلیل الذی ولاه النبی أمور قومه، للاشتباه بعدم إخلاصه لخلیفه البطون، وجردوا أهل بیت النبوه من جمیع ممتلکاتهم ومن المنح التی أعطاها لهم الرسول حال حیاته، وحرموهم من ترکه النبی، ومن حقهم بالخمس، مع أنهم أحد الثقلین!
إذا کانت هذه معامله البطون لعلیه القوم وأشرافهم وأهل الدین والسابقه ممن یشتبهون بولائهم للخلیفه فکیف تکون معاملتهم للمستضعفین وعامه الناس!؟
بهذه الأسالیب الموغله بالقسوه؟ وبالترغیب بالمال والجاه وبنصیب من السلطه، استقامت الأمور لدوله البطون وانقاد لهم الناس رغبه أو رهبه. لم تنتظر البطون طویلاً إنما جیشوا الجیوش لإشغال المسلمین بالحرب، وتوسیع رقعه الملک، ونشر الإسلام على طریقتهم. فی هذا الوقت نفسه کانت شخصیه النبی الفذه، وسمعته العطره، وعدله العجیب، ومعاملته الفریده لخصومه ومعارضیه، وتساویه بمستوى المعیشه نمط الحیاه مع المملوکین، وسرعته المذهله بتوحید العرب ونقلهم من دین إلى دین، کانت قد شقت طریقها بین شعوب الدولتین الأعظم، وسبقت جیوش خلیفه البطون، وخلقت حاله من التعاطف العمیق مع هذه الجیوش، على اعتبار أنها جیوش خلیفه النبی والأمل بإنقاذ الشعوب المظلومه من جلادیها! لذلک لم تجد جیوش الخلیفه مقاومه تذکر، فهزمت الدولتین الأعظم وبسطت سلطانها على الأقالیم، وتوالت الانتصارات، وأثرت جیوش الخلیفه، فتعجب المسلمون من قدره الخلیفه وقدره جیوشه المظفره، وأعجبهم ما حدث، وحتى الذین کانوا یرونه غاصباً للسلطه غضوا النظر عن ذلک أمام هذه الانتصارات، وألقی فی روع الناس أن الله مع الخلیفه وأن الله قد أتاه الملک لأنه یستحقه، وزاد من افتتان المسلمین بالخلیفه البطل، إنه لم یغیر کثیراً من مستوى معیشته، بل ألزم نفسه بنمط معتدل منها، ما أذهل عامه المسلمین، وملأ قلوبهم حباً وإعجاباً للخلیفتین الأول والثانی ولجیوشهما المظفره التی دکت عروش الأکاسره والقیاصره، وألحقت بهم أشنع الهزائم، وصار الخلیفه شخصاً مقدساً، وفوق کل الشبهات، ووضعت الجموع المعجبه الرجلین عملیاً على قدم المساواه مع النبی نفسه، بل ورجحت الرجلین على النبی فقد یخطئ النبی لأنه بشر، ولا تجد الجموع المعجبه غضاضه من وصف النبی بالخطأ، لکن لا أحد فی الدنیا یجرؤ على القول: أن أحد الخلیفتین أو کلاهما قد أخطأ، لأن العنایه الإلهیه تدعمها، وإذا اختلف أحد الخلیفتین مع النبی شخصیاً، کأن أصدر النبی أمراً، فأبدى أحدهما رأیاً معارضاً لأمره وحکمه، فإن البطون آلیاً تقف مع أحدهما ضده وترجح رأیه على حکم النبی! وأبرز مثال على ذلک ما حدث فی بیت النبی أثناء مرضه.
وبعد أن انتقل النبی إلى جوار ربه لم تتغیر الأمور، فإذا رأى أحد الخلیفتین أن سنه من سنن الرسول لیست مناسبه برأیه، فإنه یلغیها ویحل رأیه محلها فتصفق له البطون وتؤیده وتبعاً لتأیید البطون تؤیده القوى المنافقه، والمرتزقه من الأعراب، فتتعرى القله المؤمنه وتنکشف، فتؤیده تبعاً لتأیید الجمیع حفظاً لحیاتها. کان الرسول یوزع بین الناس بالسویه وکذلک فعل أبو بکر، فجاء عمر فألغى سنه المساواه وأعطى الناس حسب منازلهم عنده. هذا مثال على ما أسلفنا، ومثال آخر، صعد عمر بن الخطاب یوماً على المنبر وخطب الناس قائلاً: (متعتان کانتا على عهد رسول الله وأنا أحرمهما وأعاقب علیهما: متعه الحج ومتعه النساء).
ویأتی الأولیاء والأنصار فیحشرون کل مواهبهم لتسویغ قرار الخلیفه وإثبات عبقریته وحکمته. الناس الیوم إذا أرادوا أن یرمزوا للعدل قالوا: (عدل عمر)، ولا یقال عدل الرسول! مع أن رسول الله أعدل من مل ء الأرض من أمثال عمر. وما یعنینا أن هذه النظریه أسهمت فی إرساء حکم البطون وإضفاء الشرعیه على ما فعلت وکانت جزءاً من عقیده متکامله حاولت البطون وضعها لتسویغ ما فعلت.
نظریه عداله جمیع الصحابه
أ – الأسباب الموجبه لاختلافها:
اکتشفت البطون وهن نظریاتها، وعجزها عن تکوین عقیده مقنعه، لها القدره على دعم حکمها وتثبیته. لقد انهارت مقوله القرابه، فلم یعد بوسع عاقل فی الدنیا أن یصدق أن بنی تیم وبنی عدی وبنی أمیه أقرب للنبی من بنی هاشم!
مثلما انهارت نظریه الشورى، فالخلیفه الغالب یعهد لمن یخلفه، ودور الأمه منحصر بمبایعته، وانهارت مقوله التخلیه، لأن الخلفاء أنفسهم لم یعملوا بها، وعدوا موت الواحد منهم من دون تعیین من یخلفه کارثه! وانهارت مقوله حسبنا کتاب الله فکتاب الله لا یغنی عن رسول الله فکلاهما متمم للآخر ومضى الخلفاء الراشدون ولم تبق إلا ذکریاتهم وحل محلهم خلفاء غیر راشدین! لقد انهارت المفاصل الأساسیه للنظریه التی بناها رواد البطون واقتصرت علاقه البطون – کطبقه حاکمه – بالمحکومین علی العطاء والسیف والمشارکه بالسلطه إنه حکم بلا عقیده تذکر. ولیس له أساس إلا ظواهر الشرعیه لقد أدرکت البطون أن نذر زوال حکمها قد أقبلت، وأن حکمها قائم على البطش والقوه، فإذا ولت القوه ولى حکمها، وآل إلى أعداء البطون الألداء: أهل بیت النبوه، وبخاصه أن (محمدا) قبل موته قد ربط أهل بیت النبوه بالدین ربطاً محکماً عبر شبکه من بیانه، حتى أن الصلاه لا تقبل من عبد مسلم إن لم یصل على محمد وآل محمد، والمسلمون جمیعهم یعرفون حدیث الثقلین الذی أعلنه النبی فی غدیر خم، فقد أکد النبی أن الهدى لن یدرک إلا بهذین الثقلین: کتاب الله وعتره النبی أهل بیته وأن الضلاله لا یمکن تجنبها إلا بالتمسک بالثقلین معاً، بالإضافه إلى مئات النصوص النبویه التی تبین التأهیل الإلهی لأئمه أهل البیت أو عمدائهم، وقد تحدث لقرآن فی الکثیر من الآیات عن خصوصیه أهل بیت النبوه وأئمتهم، کآیه التطهیر وآیه المباهله وآیه ذوی القربى إضافه إلى قرابتهم القریبه من النبی، ودورهم البارز فی نصره النبی.
وقد مات الخلفاء المقدسون الذین أوتوا المکانه والجرأه لمواجهه أهل بیت النبوه علناً، وهزیمتهم وإذلالهم، ولم یبق لبطون قریش غیر قوه الدوله، وهذه القوه ستعجز عن الوقوف أمام تمیز أهل بیت النبوه ومرجعیتهم ومکانتهم فی الدین وقربهم من الرسول. لکل هذا وجدت البطون نفسها مضطره لاختلاق نظریه جدیده لتحل محل النظریات السابقه، وتکون بمثابه عقیده یستند إلیها حکم البطون وفی الوقت نفسه تکون أسلوباً عملیاً لتحجیم دور أهل بیت النبوه، وتقزیم مکانتهم فاهتدوا لاختلاق نظریه عداله کل الصحابه، بالمعنى الذی فهمه الخلفاء وأولیاؤهم!
ب – أهداف اختلاقها:
تنحصر أهداف بطون قریش من اختراع هذه النظریه بما یلی:
۱ – إیجاد عقیده دینیه سیاسیه یستند إلیها حکم البطون، فتکون هذه العقیده، مع القوه، ضمانه لوجود الدوله واستمرارها ومسوغاً شرعیاً ظاهریاً لإقصاء أهل بیت النبوه عن حقهم فی قیاده الأمه.
۲ – القضاء التام على مکانه أهل بیت النبوه ومرجعیتهم من خلال إیجاد مرجعیه کبرى أو مرجعیات دینیه تقف على قدم المساواه مع مرجعیه أهل بیت النبوه، والقضاء التام على تمیز أئمه أهل بیت النبوه وتفویت الحکمه الإلهیه من إعدادهم وتأهیلهم إلهیاً لقیاده الأمه، فبموجب هذه النظریه یصبح إمام أهل بیت النبوه مجرد صحابی من جمله تسعمائه ألف صحابی! فعلی بن أبی طالب صحابی، وأبو سفیان صحابی! والولید بن عقبه صحابی! وما قیمه معارضه أهل بیت النبوه جمیعهم، ولا یتجاوزون الثلاثین أمام إجماع تسعمائه ألف صحابی؟!
وما قیمه فتوى إمام أهل بیت النبوه أمام تسعمائه ألف فتوى؟! أو فتوى یجمع على صحتها تسعمائه ألف صحابی!؟
وفی هذه الحاله یصبح أهل بیت النبوه شذاذاً ومبتدعه على حد تعبیر ابن خلدون! فما قیمه إجماع أهل بیت النبوه الذین لم یتجاوز عددهم الثلاثین مع إجماع الصحابه الذین تجاوز عددهم التسعمائه ألف!؟
فأی عاقل فی دنیا البطون یمکن أن یکذب تسعمائه ألف ویصدق ثلاثین!؟ أو یترک الکثره والجاه والنفوذ والسلطه ویقف مع القله الفقیره المعدمه التی لا تملک إلا حقاً موضع شک واستنکار! ومن هنا کان اختراع نظریه عداله الصحابه فیض عبقریه تفوق التصور والتصدیق! وهی بحق أعظم النظریات التی اخترعها قاده البطون وأولیاؤهم ۳ – خلط الأوراق وتضییع الحقائق وتمییعها، وهذا الهدف من صمیم مصلحه البطون، فالمعروف تاریخیاً أن بطون قریش هی التی قاومت النبی طوال حقبه الدعوه فی مکه بجمیع وسائل المقاومه، وتآمرت على قتله وطاردته یوم هاجر إلى یثرب. ثم استعدت علیه العرب وجیشت الجیوش ودخلت معه فی حرب مسلحه، ولم تتوقف عن حربه إلا بعد أحاط بها، فاستسلمت عسکریاً.
وبموجب نظریه عداله الصحابه فإن أبناء البطون جمیعهم یصبحون صحابه تماماً مثل الذین سبقوا إلى الإیمان، فالمهاجر کالطلیق ومن قاتل النبی بجمیع وسائل القتال طوال ۲۳ عاماً تماماً مثل الذی قاتل مع النبی، لا فرق بینهما فهی سواسیه کأسنان المشط. فالجمیع صحابه، وفتوى الصحابی الجلیل الذی رافق النبی طوال حیاته تماماً کفتوى الصحابی الطلیق الذی قاتل النبی حتى أحیط به وبقی یجهل أحکام الدین. والخلیفه والفقیه حر فی اتباع فتوى أی صحابی! کان للدین مرجع واحد خلال حیاه النبی وهو النبی نفسه، وبعد وفاه النبی إمام أهل بیت النبوه، وباختراع نظریه عداله الصحابه صار للدین عملیاً تسعمئه مرجع، فاختلطت الأوراق وضاعت الحقائق، وتغیرت المواقع، فتقدم المتأخرون الذی قاوموا الإسلام وحاربوه خلال ۲۱ عاماً من عهد النبوه، وتأخر المتقدمون الذین قامت دوله الإسلام على أکتافهم وتحملوا أعباء المواجهه، فصار معاویه بن أبی سفیان أمیراً وهو الطلیق ابن الطلیق وأحد رؤوس الأحزاب، وابن قائد الأحزاب! وصار علیاً بن أبی طالب مأموراً، وهو فارس الإسلام الأوحد فی کل معارکه، وابن عم النبی وزوج ابنته البتول، ووالد سبطیه وولی الأمه وقائدها الشرعی، وفوق ذلک ابن أبی طالب شیخ البطاح الذی ربی النبی، وحماه طوال مده وجوده فی مکه.
فمعاویه یتکلم وعلى علی بن أبی طالب أن یصغی! وصار مروان بن الحکم أمیراً وخلیفه للمسلمین، وهو اللعین بن اللعین فی کتاب الله وعلى لسان رسوله، وصار عمار بن یاسر والمقداد بن عمرو مأمورین وعلیهما أن یطیعا، ومن لا یطیع یرفسه مروان حتى یکسر أضلاعه ویترک فی حاله بین الموت والحیاه، کما فعل بعمار، ویخرج أبو ذر الصحابی الجلیل مذموماً مدحوراً منفیاً من مدینه الرسول من دون أن یقوى أحد على تودیعه! لقد سوغت نظریه عداله الصحابه جمیع أفعال البطون التی تغضب وجه الله الکریم وجعلت عالی کل سافله فحل الظن والتخمین محل الجزم والیقین، واختلطت الأمور اختلاطاً عجیباً، فصار الجاهل عادلاً تماماً کالعالم والمقتول عادلاً تماماً کالقاتل، وصار ولی الله کالفاسق تماماً، فالولید بن عقبه فاسق بنص القرآن، وعلی بن أبی طالب مؤمن وولی لله بنص القرآن، ولکن بموجب نظریه عداله الصحابه صار الولید بن عقبه تماماً کعلی فکلاهما صحابی وکلاهما من العدول، ولأن الولید بن عقبه معروف وأبوه بعداوتهما لرسول الله وأهل بیته، فقد تقدم الولید وتأخر علی فکأن مفتاح التقدم هو عمق العداوه لرسول الله وأهل بیته، فکل الذین أبرزهم الخلفاء کانوا بارزین بعداوتهم لرسول الله.
۴ – نظریه عداله کل الصحابه تستفید منها الأکثریه الساحقه من أبناء الأمه، فبموجب هذه النظریه التی اخترعها قاده البطون، صار کل الشعب صحابه: الرجال والنساء والأطفال، والعرب والموالی، الأعمى والبصیر، وأعلنت عداله هؤلاء جمیعهم بمختلف وسائل الإعلام. فمن المعروف أن جمیع سکان الجزیره – ما عدا جزء من الیهود – قد أسلموا أو تظاهروا بالإسلام، ولم یمت الرسول وفی الجزیره شخص واحد یجهر بشرکه، فالکل قد أسلم على ید الرسول أو تظاهر بالإسلام والکل قد شاهد الرسول أو سمع منه أو رآه، وهذه هی المعاییر التی وضعتها البطون للصحبه بمعنى أن کل الشعب کان مسلماً وکل الشعب کان صحابه (۱)!
____________
(۱) راجع کتابنا نظریه عداله الصحابه ص ۱۳ وما بعدها. تجد التفصیل والمراجع.
وهکذا أوجدت البطون الحوافر لتتمسک الأکثریه بهذه النظریه، ولتعدها نظریه شعبیه، من ینتقص منها فإنما ینتقص من حقوق الشعب، ویصادر العفو الإلهی! فمن سرق فی زمن النبی أو زنى، أو شرب الخمر، أو نافق صار بموجب هذه النظریه من الصحابه، وصار منزها وعادلاً ومن أهل الجنه! وصار من حق الخلیفه أو الفقیه أی یأخذ برأی أی فرد من أفراد الشعب لأن أفراده الذین عاصروا النبی کلهم عدول! وعممت هذه النظریه بمختلف وسائل الإعلام حتى عدها أفراد الشعب حقوقاً شخصیه تستحق الاحترام، وامتدت هذه الحقوق الشخصیه إلى الأبناء والمعاشرین والأولیاء!
ورضیت الأکثریه الساحقه من الشعب بهذا الاختراع وصارت لها مصلحه فی حکم دوله البطون، وتعاونت منه عداله کل الصحابه مع منن العطایا والصلات والمشارکه بالسلطه والنفوذ، وحققت لبطون قریش مرادها ومناها إذ صار لها عقیده دینیه یتبناها الشعب کله إلا شر ذمه قلیله! وتم عزل أعداء البطون (أهل بیت النبوه) عملیاً، ونکلت بهم السلطه تنکیلاً من دون استنکار یتناسب مع حجم هذا العزل والتنکیل. وصار الولاء لدوله البطون مقیاس الشرف ومفتاح الأمن والخیر فی الدنیا، وصار أهل بیت النبوه مجرد قله قلیله أو عدد محدود جداً من الصحابه من شعب کله صحابه! وجمیع أفراده عدول! ولم یتغیر وضع أهل بیت النبوه بعد موت جمیع الصحابه، فصار لأولاد أهل بیت النبوه المقام نفسه الذی کان لآبائهم فی مجتمع الصحابه الذی صنعت البطون عقائده ورؤاه!
ج – معاویه بن أبی سفیان یضفی على النظریه طابعاً دینیاً
معاویه من أکثر الناس حقداً على أهل بیت النبوه، فقد قتل علی بن أبی طالب وحمزه عم النبی أخاه وجده وخاله وابن خاله شقیق جده وتسعه من شیوخ بنی أمیه، لذلک کان قلبه وقلب أبیه وقلب أمه وأکثریه قلوب البیت الأموی طافحه بالحقد الأسود على محمد وعلى آل محمد وعلى البیت الهاشمی بعامه. فقاد أبوه مقاومه محمد. وعندما أحیط بهم، وسقطت عاصمه الشرک، وأغلقت کل الأبواب، ولم یبق إلا باب الإسلام، استسلم أبو سفیان وبنوه وأقاربه وأسلموا أو تظاهروا بالإسلام، فعفا عنهم النبی، وسماهم بالطلقاء، وجعلهم من المؤلفه قلوبهم. ویلوح لی أن البطن الأموی، ومنه معاویه وأبوه، برأوا ساحه النبی من قتل (الأحبه) وعصموا دماءهم بعلی بن أبی طالب وذریته. ولما نجحت البطون بالاستیلاء على السلطه، ورغبه فی عزل البیت الهاشمی والانفراد به عین الخلیفه الأول یزید بن أبی سفیان قائداً لجیوش الشام، ویزید هذا کأخیه طلیق وابن طلیق ومن المؤلفه قلوبهم، وعندما مات یزید حل محله معاویه، وفی وقت طال أم قصر صار معاویه والیاً لبلاد الشام کلها، وهی دره ملک خلافه البطون، ومات الخلیفه الأول ومعاویه على ولایته، وجاء الثانی وقتل، وهو على ولایته یجمع من الأموال ما یشاء، ویصرف منها ما یشاء من دون حسیب أو رقیب. وجاء الخلیفه الثالث، وهو دنف بهوى الأمویین لأنه أموی، لذلک جعل الأمویین بطانه له، وسلمهم مقالید أمور الدوله عملیاً. خلال هذه الآونه الطویله توطد أمر معاویه وتألق نجمه.
وفی عهد عثمان أصبح معاویه ملکاً حقیقیاً على أعظم ولایه من ولایات دوله البطون الکبرى، ولکنه ملک غیر معلن، ولما قتل الخلیفه الثالث، وآلت الأمور إلى علی بن أبی طالب قاتل الأحبه جن جنون البطون، وأصحاب الامتیازات والمنافقین. فنهد معاویه وصمم على مواجهه الإمام علی وعلى قیاده الجموع الحاقده على آل محمد وأهل بیته، ولکن تحت خیمه الإسلام فرفع شعار (معاقبه قتله الخلیفه عثمان) وکان قد أعد واستعد لهذه المواجهه، واختیاره والیاً لأعظم الولایات الإسلامیه وإطلاق یده فی ولایته هو من قبیل إعداد الخلفاء لهذا الرجل، وتجهیل معاویه لأهل الشام وجمعه الأموال الطائله وتجنیده إیاهم هو من قبیل الأعداد.
کان سکان ولایه بلاد الشام یجهلون الدین وتاریخه وبناته، ولا یعرفون من ذلک إلا القشور التی ألقاها لهم معاویه، وکانوا بمثابه جند مجنده له یأمرهم فیطیعوا ویمکن أن یصلی الجمعه فیهم یوم الأربعاء کما فعل! لقد کان معاویه موضع ثقه الخلفاء الثلاثه ورجلهم الذی أعدوه لمواجهه (طموحات وطمع أهل بیت النبوه بالرئاسه). ولیس من المستبعد أنهم قد استفادوا من دهاء معاویه وذکائه فی جهدهم الحثیث لإیجاد نظریه تحجم أهل بیت النبوه وتضفی الشرعیه على حکم خلفاء البطون. ولا شک فی أن معاویه کغیره من قاده البطون قد استشعر وهن النظریات التی اخترعوها کنظریه القرابه، ونظریه التخلیه ونظریه الشورى.. الخ فلم یعد فی الأرض مجنون واحد یمکنه أن یصدق بأن بنی تیم وبنی عدی وبنی أمیه أقرب إلى النبی من بنی هاشم، وأن الخلفاء الثلاثه أقرب إلى النبی من ابن عمه ووالد سبطیه وزوج ابنته علی بن أبی طالب، مما یجعل من نظریه القرابه استهتاراً بالعقل واستغفالاً للناس. وهکذا بقیت النظریات التی اخترعوها. ومن هنا صمم قاده البطون، بقیاده معاویه، على إیجاد عقیده تدعم حکمهم وتدمر إلى الأبد تمیز أهل بیت النبوه، وصمموا على فرضها ورعایتها بکل قوتهم وسلطانهم، وإضفاء الطابع الدینی علیها وجعلها عقیده عامه لکل رعایا دوله البطون، وهذا ما فعله معاویه ; إذ جند دولته وولاه أقالیمه، وکل سلطان ووسائل إعلامه لنشر نظریه عداله جمیع الصحابه وفرضها على العامه والخاصه، وقاد بنفسه حمله کبرى لوضع الأحادیث على رسول الله واختلاقها وإقناع الناس بأنها صحیحه، وأن محمداً قد قالها بالفعل وصولاً إلى خلط الأوراق، وتصویر نظریه عداله الصحابه بأنها جزء لا یتجزأ من الحدیث إن لم تکن الدین نفسه! وجعل من قتل عثمان ومن شعار المطالبه بثأره ومعاقبه قتلته المناسبه لنشر هذه العقیده. فأصدر سلسله من (المراسیم الملکیه) لکافه عماله وأمرهم بتنفیذ عده أمور منها:
۱ – أن یقدموا العطایا والصلات ویمنحوا المنح والإقطاعات وأن یقربوا کل من یروی فی فضائل عثمان والخلفاء، فتسابق الناس على الروایه فی فضل الخلفاء وفضائل عثمان بخاصه وتکفلت وسائل إعلام دولته بنشر هذه المرویات وتصمیمها على الناس حتى استوعبها الجمیع: الخاصه والعامه، الرجال والنساء، الساده والعبید، الکبار والصغار، ووضعت هذه المرویات الخلفاء بعامه وعثمان بخاصه فی موضع لا یدانیه الملائکه المقربون، ولا الأنبیاء المرسلون!
۲ – لما وصلت تلک الروایات إلى حد الإشباع والاستیعاب، وفاقت حدود التصور والتصدیق، أمر معاویه جمیع عماله فی مختلف الأقالیم، أن یوقفوا الروایه فی فضل عثمان، ولیکتفوا بما تجمع من الروایات. وأمرهم بأن یقربوا مجلس الذین یروون فی فضائل الصحابه مجتمعین ومنفردین ویغدقوا العطایا والصلات والمنح والإقطاعات علیهم وطمعاً فی ثواب معاویه ورضاه وأمواله انشقت الأرض فجأه عن آلاف الرواه الذین جعلوا للصحابه فضائل لا تعد ولا تحصى، وجعلوا للصحابه مجتمعین فضائل تساوی فضائل الأنبیاء والشهداء والصدیقین أو تفوقها واستندت هذه الفضائل إلى أحادیث أسندها الرواه إلى رسول الله، فأصبح کل واحد من الصحابه مرجعاً قائماً بذاته، واختلقوا على الرسول قولاً مفاده:
(أصحابی کالنجوم بأیهم اهتدیتم اقتدیتم!!) وهکذا صار للأمه تسعمئه ألف نجم، ویمکن للأمه أن تنقسم إلى تسعمئه ألف قسم، لتسیر فی تسعمئه ألف اتجاه. ومع هذا تکون مهتدیه! ومره أخرى، تکلفت وسائل إعلام الدوله بنشر هذه المرویات، وتعمیمها على الناس حتى استوعبها الجمیع وصارت عقیده لکل أفراد الأمه، مع أن الأکثریه الساحقه من هذه الأحادیث مختلفه ولا أساس لها من الصحه إطلاقاً، ومعاویه وولاته یعلمون ذلک ویدعمونه! قال ابن عرفه، المعروف بنفطویه، وهو من أکابر المحدثین: (إن أکثر الأحادیث الموضوعه فی فضائل الصحابه افتعلت فی أیام بنی أمیه تقرباً إلیهم بما یظنون أنهم یرغمون به أنوف بنی هاشم) (۱).
____________
(۱) راجع شرح نهج البلاغه لعلامه المعتزله ابن أبی الحدید ۳ / ۹۷ تحقیق حسن تمیم.
۳ – واستکمالاً لبناء عقیده دوله البطون، وتوضیحاً للهدف من اختلاق نظریه عداله جمیع الصحابه، وبعد أن تأکد معاویه وأرکان دولته أن بحار الروایات الکاذبه فی فضل عثمان والخلفاء والصحابه والتی اختلقوها على رسول الله قد غمرت المجتمع، وأروت الأرض، وأن الناس جمیعاً حفظوها واستوعبوها، واقتنعوا بها أو تظاهروا بالاقتناع، أدرک معاویه أن نظریه عداله جمیع الصحابه صارت بالفعل عقیده رسمیه للأمه وأن الصحابه مجتمعین قد صاروا مرجعیه بدیله من مرجعیه أهل بیت النبوه، وصار کل واحد من الصحابه له القیمه نفسها التی أعطاها النبی لإمام أهل بیت النبوه! عندئذ أدرک معاویه أن الحلقه لن تکتمل إلا إذا مزق رداء الهیبه والقداسه الذی خلعه الشارع الحکیم على إمام الأمه علی بن أبی طالب، وشکک بشرعیه مرجعیه أهل بیت النبوه وبالأسس التی قامت علیها هذه الشرعیه. وتحقیقاً لهذه الأهداف أصدر معاویه (المراسیم الملکیه التالیه وأمر کل عماله فی کل أقالیم الدوله أن ینفذوها بدقه:
أ – (لا تترکوا خبراً یرویه أحد من المسلمین فی أبی تراب [ علی بن أبی طالب ] إلا وتأتونی بمناقض له فی الصحابه، فإن هذا أحب إلی وأقر لعینی، وأدحض لحجه أبی تراب وشیعته وأشد علیهم من مناقب عثمان وفضله). وأنت ترى أن معاویه وعماله یقودون حمله اختلاق واضحه هدفها إبطال مفاعیل النصوص الشرعیه الوارده فی علی، فانطلقت طواقم رواه الدوله تختلق على رسول الله، وتتقول علیه، فلم تترک نصاً قد ورد فی علی بن أبی طالب إلا ووضعت نصاً ینقضه ویسلب هذه الفضیله أو تلک من علی ویعطیها لأحد الخلفاء أو لأحد أبناء البطون أو الموالی عند اللزوم. والمهم ألا تبقى تلک الفضیله لعلی أو لأحد من یوالیه! وتفنن الرواه المؤهلون وفاض المجتمع الإسلامی بروایاتهم الکاذبه، وقدمت وسائل إعلام الدوله هذه الروایات بوصفها الحقائق بعینها ودرستها الدوله مع بقیه المرویات فی کل کتابتها ومدارسها وجامعاتها وصار استیعابها طریق الرزق ب – أصدر معاویه (مرسوماً ملکیاً) یقضی بلعن علی بن أبی طالب على کل منبر، ونفذ مرسوم معاویه، فلعنه الولاه والرواه والحواشی ثم لعنته الأمه کلها، وصار الشیطان فی نظر الرأی العام أقرب إلى الله من علی بن أبی طالب. لقد أحلت قیاده البطون علیاً محل الشیطان، فاستفتحت بلعنه کل شئ! مع أنه على الأقل صحابی، والصحابی حسب ظاهر عقیده البطون مقدس!
ج – وتثبیتاً لهذه العقیده التی اخترعتها البطون ألحق معاویه (مراسیمه) السابقه بسلسله متکامله من (المراسیم الملکیه) طلب فیها من ولاته ما یلی:
۱ – انظروا من قامت علیه البینه أنه یحب علیاً وأهل بیته فامحوه من الدیوان وأسقطوا عطاءه ورزقه. ۲ – من اتهمتموه بموالاه هؤلاء القوم فنکلوا به واهدموا داره) (۱).
____________
(۱) راجع شرح نهج البلاغه لعلامه المعتزله ابن أبی الحدید: ۳ / ۵۹۶٫
د – نظریه عداله جمیع الصحابه عقیده الدوله
نجح معاویه وولاه أقالیم دولته فی تکوین آلاف الطواقم من الرواه المؤهلین الذی یتقاضون رواتبهم وعطاءاتهم من تلک الدوله ویروون لها ما ترید. وقد نجحت هذه الطواقم فی اختلاق عشرات الآلاف من الأخبار والأحادیث فی فضل عثمان والخلفاء، ثم نجحت، فی اختلاق عشرات الآلاف من الأخبار والأحادیث فی فضل الصحابه مجتمعین، ونجحت، أیضاً، فی اختلاق مئات الألوف من الأخبار والأحادیث فی فضل أفراد الصحابه، وفی تخصیص المئات أو العشرات منها لکل صحابی منهم.
ونجح الرواه، کذلک فی التشکیک بجمیع النصوص الشرعیه الوارده فی فضل علی بن أبی طالب بخاصه وأهل بیت النبوه بعامه، واختلاق الأحادیث المناقضه لها، والأحادیث التی تعطی فضائل مشابهه لها للمئات من الصحابه.
لقد کان عمل الرواه مجزیاً فبدو کأنهم یعملون فی منجم ذهب! لقد بذل معاویه مئه ألف لمن یروی حدیثاً بأن آیه (ومن الناس من یعجبک قوله فی الحیاه الدنیا ویشهد الله على ما فی قلبه وهو ألد الخصام) [ البقره / ۲۰۴ ] قد نزلت فی علی بن أبی طالب! وبذل أضعاف هذا المبلغ لاختلاق أحادیث تشید بفضائل عبد الرحمن بن ملجم قاتل علی! ولک أن تعرف حجم هذا الإغراء على أفراد أمه تعتمد حیاتهم على عطاء الدوله ورزقها الشهری! فإذا أضفت إلى هذه کله إمکانیات دوله عظمى و عزمها المؤکد على سحق من یعارضها بلا رحمه، فلا توجد موانع ولا حواجز تحجز قوه الدوله عن البطش بمعارضیها، فحجر بن عدی الصحابی الجلیل المشهور رفض أن یسب علیاً بن أبی طالب هو ومجموعه من أصحابه، فسیرهم الوالی إلى معاویه بهذه التهمه، ومن دون أن یسمع منهم معاویه کلمه واحده ومن دون محاکمه أمر بإعدامهم وأعدموا بالفعل!
ولنفترض أن مجموعه من المعارضین دخلوا الکعبه، وهی أقدس مقدسات المسلمین، وهی بیت الله من دخله کان آمناً، ومع هذا فإن الدوله لن تتورع عن هدم الکعبه نفسها على رؤوس المعارضین، وقد هدمت بالفعل فی زمن الخلیفه یزید والخلیفه عبد الملک! فالولاء للدوله واتباع سیاستها وکراهیه أئمه أهل بیت النبوه بخاصه وأهل البیت بعامه واجب دینی على کل إنسان مقیم على أرض دوله البطون والدوله لا تهاون فی أداء هذه الواجبات! وما عدا ذلک لا تثریب علیک حتى لو کنت کافراً أو کتابیاً أو زندیقاً. وبتعبیر أدق من یوالی الخلیفه ودولته فهو مؤمن، ومن یعارضه فهو کافر (۱) هذه هی الأجواء التی تجمعت فیها مئات الألوف من الأحادیث. والأخبار التی جمعتها طواقم رواه الدوله فی فضائل عثمان والخلفاء والصحابه مجتمعین ومن والاهم من أفراد الصحابه. والأخبار والأحادیث التی شنعت بعلی بن أبی طالب وأهل بیت النبوه وشوهت النصوص الشرعیه الوارده بفضلهم.
وعند ما تجمعت جمیع هذه الأحادیث والأخبار أمرت الدوله جمیع الکتاتیب والمدارس والجامعات ورجال العلم بتعلیمها لکافه الناس الخواص والعوام، العرب والموالی الرجال والنساء، الکبار منهم والصغار، حتى استوعبها الناس جمیعاً، وصار بمثابه عقیده سیاسیه أو منهاج تربوی وتعلیمی کالمناهج التی تتبناها کل دوله من الدول المعاصره، وتدرسها رسمیاً فی روضاتها ومدارسها ومعاهدها وجامعاتها. لقد صارت نمط تفکیر، وطراز حیاه ثقافیه، وصارت جزءاً من القوانین النافذه یعمل بها الولاه والقضاء وأرباب الفتوى. وباتت جزءاً من وثائق الدوله، تبقى ملتصقه بها بوصفها مؤسسه حتى وإن تغیرت الحکومات، أو تبدل الخلفاء وظلت هذه العقیده تتعمق فی نفوس الجمیع وتتوطد طوال ألف شهر یتناقلها الناس جیلاً بعد جیل وبعد سقوط الدوله الأمویه، لم یسقط المنهج التربوی والتعلیمی الذی توطد خلال مده الحکم الأموی، على أساس عقیده نظریه عداله جمیع الصحابه ولم تحرق وثائق الدوله الأمویه بسقوطها، بل آلت هذه الوثائق التی تشتمل على مضمون النظریه إلى الدوله العباسیه.
____________
(۱) راجع سنن أبی داود ۴ / ۲۰۹ ح ۴۶۴۱، ومعالم الفتن لسعید أیوب ۲ / ۳۳۴٫
خلال هذه المده، تکونت عند الناس قناعه بأن هذه الأحادیث والأخبار صحیحه فقبلوها ورووها، وهم یظنون أنها حق. ولو علمت الأجیال اللاحقه أنها باطله لما روتها ولما تدینت بها، وظلت هذه الترکه تنتقل من جیل إلى جیل حتى وصلتنا فتقبلناها بأنبائها ومن دون شک، لأنها استجابت لمیولنا التی تحب البطوله والعظمه، والتی تفترض القداسه فی أولئک العظماء الذین تجمعوا حول النبی وقهروا الدولتین الأعظم! ومن هنا صارت هذه النظریه جزءاً لا یتجزأ من الدین تقرأ معه! ویتعبد بها الناس على هذا الأساس المفروض أصلاً بقوه الدوله الغالبه!
ه – مفهوم معاویه ل (الصحابه)
نتیجه روایات طواقم رواه معاویه وولاته، ونتیجه دوله البطون لهذه المرویات، واعتبارها منهاجاً تربویاً وتعلیمیاً للدوله وجزءاً من قوانینها النافذه کما بینا، تکونت نظریه عداله جمیع الصحابه، وألقت أجرانها فی الأرض، وصورها معاویه وأولیاؤه کأنها جزء من الدین. ومع ضغط وسائل أعلام الدوله وسیطرتها التامه على مناهج التربیه والتعلیم، وسطوتها الاقتصادیه، ونفوذها القوی ألقی فی روع العامه أن هذه النظریه بالفعل جزء لا یتجزأ من الدین. وعلى فرض أن بعض الخاصه قد اکتشفت زیف هذا التصور، فهو غیر قادر على الجهر باکتشافه لأنه فی هذه الحاله سیدخل فی مواجهه دوله لا قبل له بها، ثم إنه لیس بوسع معلم المدرسه إلا تدریس الکتاب الذی قررته الدوله! ولیس بوسع القاضی إلا أن یطبق القانون الذی وضعته الدوله، ولیس بوسع الوالی إلا أن یلتزم بتوجه الدوله. ووفق هذا التصور صار التعریف العام للصحابی کما یلی: (من لقی النبی مؤمناً به ومات على الإسلام) ویدخل فی هذا التعریف: ۱ – من طالت مجالسته للنبی أو قصرت، ۲ – من روى عنه أو لم یرو، ۳ – من غزا معه أو لم یغز، ۴ – من رآه ولم یجالسه، ۵ – من لم یره لعارض، ۶ – الجن الذی سمعوا النبی صحابه أیضاً والمنافقون الذین قالوا: آمنا وهم لا یؤمنون وهم الذین تظاهروا بالإسلام وأبطنوا الکفر والعصیان هم صحابه أیضاً، لأن العبره تکمن بالإسلام أو التظاهر به ومجالسه النبی أو سماعه، أو رؤیته. وإذا عرفت أن النبی لم ینتقل إلى جوار ربه، وفی الجزیره إنسان واحد یجهر بشرکه، لعلمت أن جمیع أفراد الشعب کانوا، وفق هذا المفهوم، صحابه!
وهذا یشمل المنافقین الذین تظاهروا بالإسلام والإیمان والمجرمین الذین أقام الرسول علیهم الحدود، فالعبره بمجالسه الرسول أو سماعه. فالصبیان الذین رأوا الرسول صحابه (۱).
ولا یکفی هذا حتى تحصل على مزایا الصحبه بل یجب أن یکون موالیاً لدوله البطون ومؤمناً بکل معقولاتها، وکارهاً لأعدائها فإذا کان هذا الصحابی أو ذاک أول من أسلم، وسکن طوال حیاته مع الرسول فی بیت واحد، ومتزوجاً من ابنه الرسول، ومن أعلم الناس بما جاء به، ولکنه لا یوالی دوله البطون، ولا یؤمن بمقولاتها ولا یکره أعدائها، فهو عملیاً لیس صحابیاً بل یعامل معامله الشیطان فیلعن ویشتم من قبل الحکام والمحکومین على السواء، کما فعلوا بعلی بن أبی طالب، وبسبطی النبی: الحسن الحسین وهم جمیعاً صحابه وفق معاییر معاویه وأرکان دولته!
و لنفترض أن أحداً من الصحابه امتنع عن لعن أعداء دوله البطون أو شتم أولئک الأعداء فلا یعد من الصحابه ولا فضائل ولا کرامه له ولا قیمه لحیاته فیقتل فوراً ومن دون محاکمه کما فعلوا بحجر بن عدی وأصحابه، وبعمرو بن الحمق!
فالعبره فوق الصحبه بمعاییرها السابقه الولاء لدوله البطون ومعاداه أعدائها، فالصحبه وحدها لا تقدم ولا تؤخر! ولنفترض أن أحداً من الصحابه بمفهوم معاویه لعنه الرسول ونفاه ومات الرسول وهو غاضب علیه، ولکنه موال لدوله البطون ومؤمن بمقولاتها وکاره لأعدائها فیصبح من المقربین وله الحق فی أن یصبح خلیفه النبی، وأن تتولى ذریته الخلافه من بعده، کما حدث لمروان بن الحکم بن العاص! وإذا کان هذا الصحابی فاسقاً بنص القرآن ویشرب الخمر علناً ویصلی بالناس وهو سکران، ولکنه موال لدوله البطون وکاره لأعدائها فهو أیضاً صحابی من العدول منزه تماماً عن الطعن، کما هی حال الولید بن عقبه. بمعنى أن مجالسه الرسول أو رؤیته أو سماعه لیست کافیه للحصول على صفه العداله والنزاهه، ولیست فضیله تنزل صاحبه فی المنزله الرفیعه، بل یجب أن یقترن هذا کله بالولاء لدوله البطون والقول بمقولاتها، والتعبد بکراهیه أعدائها!
____________
(۱) راجع کتابنا نظریه عداله الصحابه ص ۱۲ وما بعدها لتجد المراجع والتفصیل.
فإذا ثبت أن أحداً من الصحابه یحب عدو دوله البطون علیاً بن أبی طالب، أو یحب أهل بیت النبوه، أعداء دوله البطون، فهو لیس صحابیاً، ولا یعد مسلماً ولا یعامل معامله المسلمین، ولا تقبل شهادته ویمحى اسمه من دیوان العطاء، ثم یهدم منزله ثم یقتل کائناً من کان (۱)!
و – امتیازات الصحابه فی مفهوم معاویه وأولیائه
إذا ثبت أن هذا الشخص أو ذاک جالس الرسول، أو رآه، أو سمعه، وثبت أنه موال لدوله البطون، ومؤمن بمقولاتها وکاره لعلی بن أبی طالب وأهل بیت النبوه فهو صحابی جلیل، وهو عادل لا یجوز علیه الکذب والتزویر، ولا یجوز تجریحه مهما فعل وهو مرجع بحد ذاته عملاً بالحدیث المکذوب على رسول الله (أصحابی کالنجوم بأیهم اهتدیتم اقتدیتم) (۲) وتصبح للصحابی، فی هذا المفهوم، سنه، قال أبو حنیفه: (إذا لم أجد فی کتاب الله ولا فی سنه رسوله أخذت بقول أصحابه، فإذا اختلفت آراؤهم فی حکم الواقعه آخذ بقول من شئت، وادع من شئت، ولا أخرج من قولهم إلى قول غیرهم من التابعین). وجاء فی أعلام الموقعین لابن القیم الجوزیه: أن أصول الأحکام عند الإمام أحمد خمسه: ۱ – النص، ۲ – فتوى الصحابی، مذهب الأحناف والحنابله إلى تخصیص عموم القرآن الکریم بعمل الصحابی، لأن الصحابی لا یترک العمل بعموم الکتاب إلا لدلیل، فیکون عمله على خلاف عموم الکتاب دلیلاً على التخصیص، وقول الصحابی بمنزله عمله (۳). ومن الطبیعی أن الروایات التی روتها (طواقم معاویه) والفضائل التی اختلقتها تلک الطواقم للصحابه تکمن وراء هذه المکانه المقدسه وهذا التعمیم والخلط، فکلها ثمرات مره استقرت فی ضمائر العامه نتیجه طبیعیه لنظریه عداله جمیع الصحابه التی أرسى قواعدها معاویه، لغایه محدده وواضحه تتلخص بالقضاء على مکانه أهل بیت النبوه الدینیه والقیاده وجعلهم مجرد أفراد ضمن مجموعه کبرى تربو على تسعمئه ألف صحابی وصحابیه!
____________
(۱) راجع شرح نهج البلاغه ۳ / ۵۹۵ – ۵۹۷، تحقیق حسن تمیم وادرس مراسیم معاویه الملکیه.
(۲) راجع کتابنا نظریه عداله الصحابه ص ۲۰ تجد التفصیل والمراجع.
(۳) راجع کتابنا نظریه عداله الصحابه ص ۵۵ وما بعدها.
والخلاصه أن الصحابه من أهل الجنه ولا یدخل أحد منهم النار!!.
ز – جزاء من یشکک بهذه النظریه
یقول أولیاء معاویه: (إذا رأیت الرجل ینقص أحداً من أصحاب رسول الله، فاعلم أنه زندیق، والذین ینقضون أحداً من الصحابه على الإطلاق بالمعنى الذی وضحناه زنادقه، والجرح أولى بهم، ومن عابهم أو انتقص منهم، فلا تواکلوه، ولا تشاربوه، ولا تصلوا علیه) (۱). ولکن أولیاء معاویه لا یقولون لنا لماذا قتل معاویه خیار الصحابه، ولماذا جعل مسبه بعضهم واجباً رسمیاً على کل أفراد رعیته!؟ فهل ینطبق هذا الحکم على معاویه؟ وعلى أولیائه؟ ثم إن القرآن الکریم نعت بعض الصحابه – بمفهوم معاویه وأولیائه – بالفاسقین کحال الولید بن عقبه، ونعت بعضهم بالمنافقین کحال عبد الله بن أبی، ومرده النفاق فی المدینه ومن حولها من الأعراب، واکتمل القرآن ومات الرسول ولم تنسخ هذه الأحکام فهل نترک الوصف الإلهی بنفاق هذه الفئات وفسقها ونتبع وصف معاویه وأولیائه!؟. ثم إن الرسول الکریم قد أخبرنا أن بعض الصحابه سیرتدون على أعقابهم القهقری، وسیبدلون ویغیرون فکیف توفق بین أحکام معاویه وأولیائه وبین أحکام الله و رسوله!؟ ثم إن روح الدین ترکز ترکیزاً مکثفاً على حسن الخاتمه، فإذا استقام صحابی وفی أواخر عمره انحرف ورجع عن دینه فما هی الفائده من استقامته الأولى، لأن المدار یتمثل من خواتیم الأمور (۲) ولو سألتهم من الذی وضع هذه العقوبات؟ ومن الذی أعطاه صلاحیه وضعها؟ وهل یملک فرض مثل هذه العقوبات؟ لأبلسوا ولاتهموک بالزندقه!
____________
(۱) راجع کتاب الکبائر للذهبی ص ۲۳۸، وکتابنا نظریه عداله الصحابه ص ۲۱٫
(۲) راجع نظریه عداله الصحابه ص ۵ وما بعدها، واقرأ نقضنا العلمی لهذه النظریه.
محاولات لتعدیل هذه النظریه
اکتشف عمر بن عبد العزیز أن نظریه عداله جمیع الصحابه، تشکل استهتاراً بالعقل البشری، ففی وقت یطول أو یقصر سیزول الحکم الأموی، وسیعلم المسلمون أن علیاً بن أبی طالب هو ابن عم النبی وزوج ابنته البتول، ووالد سبطیه، وفارس الإسلام، وأعلم الناس بالدین، إضافه إلى أنه صحابی! ولعن من کانت هذه صفاته مهزله مشینه یترفع عن السقوط فیها عقلاء الکفره والمشرکین. لذلک صمم على إلغاء سنه لعن علی بن أبی طالب، فقاومه أولیاء دوله البطون، ولکن الخلیفه الفاضل نجح وألغى سنه اللعن!
واستغرب الخلیفه عمر بن عبد العزیز موجات الاندفاع للروایه بفضل عثمان والخلفاء، ثم بفضل الصحابه جمیعاً، ثم بنقض فضائل علی بن أبی طالب وأهل بیت النبوه، وقصر الروایه عن الرسول الله على هذه الأمور فقط، واکتشف الخلیفه أن أبا بکر وعمر وعثمان قد منعوا روایه أحادیث الرسول وکتابتها لغایه فی نفس یعقوب قضاها ثم أصبح هذا المنع سنه، وأدرک الخلیفه أن سنه المنع إن بقیت ساریه سیندثر العلم، وسیختفی البیان النبوی نهائیاً، لذلک أصدر أوامره بروایه أحادیث الرسول وکتابتها، فجن جنون أولیاء دوله البطون وعلمائها وقالوا للخلیفه بصراحه: کیف تلغى سنه أبی بکر وعمر وعثمان؟ أصر الخلیفه على تنفیذ قراره فأصدر أمره لوالیه على المدینه بالشروع فی روایه أحادیث الرسول وتدوینها، ومره ثانیه، نجح الخلیفه عمر بن عبد العزیز فی إلغاء إحدى سنن خلفاء البطون المقدسین!
ولکن الخلیفه الفاضل وقف عاجزاً أمام تلک السیول من فضائل الصحابه التی اجتاحت مجتمع الدوله ; إذ لیس بإمکانه أن یشکک بتلک الروایات التی صارت منهاجاً تربویاً وتعلیماً للمجتمع والتی حفظها الجمیع کما یحفظون القرآن وصارت حقوقاً مکتسبه للصحابه وللرواه معاً! فلو قال مثلاً: أن هذا الحدیث الذی یضع فضائلاً لأبی بکر وعمر وعثمان غیر صحیح أو کاذب أو مختلق على رسول الله لجن جنون علماء دوله البطون وعدوه کافراً. والخلیفه، بذکائه وفطرته النقیه، یعلم ذلک علم الیقین. لذلک تجاهل تلک السیول من الروایات، وانصب جهده على إداره شؤون الدوله ورفع بعض المعاناه عن أهل بیت النبوه، وترویض مجتمع الدوله للتسامح ومعامله أهل بیت النبوه کغیرهم من أبناء المجتمع!
وجرت محاولات لتضییق نطاق النظریه، وقال المارزی فی شرح البرهان:
(لسنا نعنی بقولنا: الصحابه عدول کل من رأى النبی یوماً أو رآه لماماً أو اجتمع به لغرض وانصرف عن کثب، وإنما نعنی الذین لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذی أنزل معه أولئک هم المفلحون). واکتشف أولیاء معاویه أن هذا القول یهدم نظریه عداله جمیع الصحابه التی بناها معاویه هدماً کاملاً، ویخرج الأکثریه الساحقه من أبناء البطون من الصحبه، لذلک قال الشیخ صلاح الملانی: هذا قول غریب، یخرج کثیراً من المشهورین بالصحبه والروایه عن الحکم بالعداله، وقال ابن جرح:
قول المارزی اعترض علیه الفضلاء وهو غیر صحیح، والأصوب هو ما وضحناه قبل قلیل تحت عنوان (من هو الصحابی بنظر معاویه)!!
ورأى آخرون أن مسبه علی بن أبی طالب، وکراهیه أهل بیت النبوه لیست شرطاً لصحبه الصحبه حسب مقاییس نظریه عداله جمیع الصحابه! وأبعد من ذلک فقد اعترفوا بأن علیاً بن أبی طالب وأهل بیت النبوه الذین عاصروا النبی صحابه کغیرهم من الصحابه رضی الله عنهم أجمعین، ومحبه أهل بیت النبوه واجبه على الجمیع لأنهم صحابه کرام کغیرهم! وسنه مسبه أهل بیت النبوه وعزلهم والتشنیع علیهم ومحو أسماء أولیائهم من دیوان العطاء وقتلهم وهدم دورهم لیست موجهه لأهل بیت النبوه إنما هی موجهه لحزب أهل البیت أو شیعتهم! وهی من قبیل اجتهادات الصحابی معاویه وأولیاؤه، والمجتهد مأمور!
لم تصدر من معاویه بن أبی سفیان هذه التوضیحات. وإنما اخترعها أولیاؤه لیصححوا ما اعتقدوا أنه یجلب الانقاد له، ولیثبتوا نظریه عداله جمع الصحابه التی بدأت تهتز وتتهاوى.