دراسه عوامل الإنحراف

0

إن أهم ما یشکِّل الفرق بین الرؤیه الکونیه الإلهیه و الرؤیه الکونیه المادیه هو: (وجودُ إلهٍ عَالمٍ قادِر) حیث تصرُّ علیه الرؤیه الکونیه الإلهیه و تنکره الرؤیه الکونیه المادیه.

عوامل الانحراف:

وهی تتلخص فی أمورٍ أربعه: الأوَّل: العوامل النفسیه: وأهمها:الرغبه فی الراحه و الارتخاء و المیل إلى العبث و الانفلات و عدم الشعور المسئولیه . و قد أشار إلى ذلک القرآن الکریم فی قوله:(أیحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ، بلى قادرین على أن نسوی بنانه ، بل یرید الإنسان لیفجر أمامه ، یسأل أیان یوم القیامه) قال الراغب: الفجر شق الشیء شقا” واسعا” ..أقول:الإنفجار یؤدِّی إلى فسح الطریق بإزاله کلِّ ما یواجه الإنسان من موانع نفسیَّه، فکأنَّ الآیه تشیر إلى هذا الأمر وهو :أنَّ الإنسان حیث یرید إزاله الموانع لیرتکب ما یریده فیسأل أیّان یوم القیامه. الثانی:العوامل الاجتماعیه: وهی الظروف الاجتماعیه السیئه التی تمرُّ على بعض المجتمعات و الشعوب حیث یکون لقاده الدین و من بأیدیهم أزمَّه الشئون الدینیه دورٌ فی حدوثها أو اتساعها.

الثالث:العوامل الفکریه:

و هی الأوهام و الشبهات التی تخطر فی ذهن الإنسان أو یسمعها من الآخرین، ولا یمکنه مواجهتها، لضعف و قصور فی قدرته على التفکیر و الاستدلال و یمکن تلخیصها فی: ألف:الشبهات الناشئه من المیل إلى الأمور الحسیه. ب: الشبهات الناشئه من المعتقدات الإنحرافیه. ج: الشبهات الناشئه من خلال مشاهده الحوادث و الکوارث المؤلمه. هـ: الشبهات الناشئه من الفرضیات العلمیه. و: الشبهات النابعه من بعض الأحکام و التعالیم الدینیه و خاصه الحقوقیه والسیاسیه منها.

مواجهه عوامل الإنحراف:

ولکل من تلک العوامل طریقه معینه من المواجهه .

أمَّا:العوامل النفسیه:

فیجب معالجتها بالتربیه الصحیحه و التنبیه إلى الآثار السیئه لها.

وأمّا:العوامل الاجتماعیه:

فینبغی أن تُمنع من حدوثها من بادئ الأمر ویلزم الوقوف دون بروز مثل هذه الظروف مضافاً إلى ذلک، لابدَّ من بیان الفرق الکبیر بین بطلان الدین نفسه و بین سوء مواقف و تصرفات الذین ینتمون إلیه ، حیث أنَّ تصرفات هؤلاء السیئه لا یعنی إنحراف الدین عن الحقیقه.

وأمّا:العوامل الفکریه:

فیلزم اتخاذ أسالیب سلیمه و مواقف صائبه من مضاعفاتها کالتمییز بین المعتقدات الخرافیه و المعتقدات الصحیحه أو اجتناب التوسل بالأدله الضعیفه و غیر المنطقیه فی إثبات المعتقدات الدینیه..و أیضا لا بد من توجیه الناس إلى انه على فرض ما لو کان الدلیل ضعیفا هذا لا یدل على بطلان الادعاء و عدم صوابه. الدرس الثالث عشر (شبهات و حلول) ۱-الإیمان بموجود غیر محسوس: من الشبهات المثاره حول الإیمان بالله انه کیف یمکننا أن نؤمن بموجود لا یدرک بالحس؟ و الجواب:ان المدرکات الحسیه انما تحصل نتیجه لارتباط الجوارح بالأجسام و الجسمانیات و کل حاسه من الحواس تتلاءم مع نمطٍ خاصٍ من الظواهر المادیه وفى ظل شروطٍ معینهٍ ، فلا یمکن للعین ان تدرک الأصوات أو الأذن أن تدرک الألوان و لا یتوقع منهما ذلک. وأیضا لا بد وأن نعلم بأن الحواس الخمسه غیر قادره على إدراک الموجودات کلها وذلک: أوَّلا: إن هناک موجودات مادیه غیر قابله للإدراک الحسی کالأشعه فوق البنفسجیه وتحت الحمراء، والأمواج المغناطیسیه و غیرها. ثانیا: إنَّنا نُدرک حقائق کثیره لا عن طریق الحواس الظاهریه و نؤمن بها إیمانا جازما کالشعور بالخوف و الحبِّ و العزم و أیضا الروح. بل الإدراکُ نفسُه غیرُ مادیٍّ و غیر محسوس. فإذن عدم إدراک شئ بالحس لا یدل على عدمه بل لا ینبغی أن یکون ذلک سبباً للإستبعاد و الاستغراب.
 
۲-دور الخوف و الجهل فی الإیمان بالله: و هی الشبهه التی أثارها بعض علماء الاجتماع وهی:إن منشأ الإیمان بالله هو الخوف من الأخطار و المخاوف الناشئه من الزلازل و الصواعق و أمثالها فالبشر لتسکین نفسه التجأ إلى أمر وهمی و أخذ یلتجأ إلیه ویعبده. وعلیه فکلما زادت معرفه الإنسان على الاسباب الطبیعیه للحوادث و اسالیب مواجهتها قلَّ إیمانه بالله!! أقول:هذه الشبهه لا أساس لها أصلاً وذلک: أوَّلاً: إن هذه الشبهه لیست إلا نظریه مطروحه من قبل البعض فلاحجَّه علیها ولا دلیل علمی یدعمها. ثانیاً: هناک الکثیر من العلماء المعاصرین رغم تعرفهم على أسباب هذه الحوادث و الظواهر الطبیعیه ولکنهم مازالوا یؤمنون بالله الحکیم ایمانا جازما یقینیاً(أمثال إینشتاین،کرس موریسن،الکسیس کارل). ثالثا:لو فرض أن الخوف من بعض الحوادث او الجهل بالاسباب الطبیعیه لبعض الظواهر هو باعث للإیمان بالله فلا یعنى ذلک أن الله ولید الخوف و الجهل.وهذا نظیر کثیر من الدوافع النفسیه أمثال حبّ اللذه وحبّ البروز والظهور و غیرهما التى شوَّقت عدد کبیر من العلماء إلى البحث والتحقیق فى قضایا علمیه و فنِّیَّه و غیرهما مما أدَّى ذلک إلى إکتشاف کثیر من الحقائق، فهذا لا یعنی أن هذه الحقائق لا إعتبار ولا اساس لها بحُجَّه أنَّها نشأت من حبّ اللذه و حبّ البروز بین الناس و ما شابه ذلک.ولا یصح القول بأنَّ هذه المعلومات ولیده لمثل هذه الأمور(أعنی حب اللذَّه والظهور وو) رابعاً: لو أنَّ هناک من یؤمن بأن الله هو السبب فى حدوث هذه الظواهر المجهوله العله و بمجرد کشف الاسباب الطبیعیه لها یضعف إیمانه ، فهذا إن دلَّ على شیئ فإنَّما یدلُّ على قلَّه فهمه و ضعف إیمانه، ولا یدلُّ على عدم إعتبار الإیمان بالله و أن الإیمان بالله لا أساس له!! وذلک لأن علیَّهَ الله للظواهر الکونیه لیست فى مستوى العلل الطبیعیه ولیست فی عرضها، بل إن علیتَه تعالى شاملهٌ ومستوعبه لجمیع العلل الطبیعیه و غیر الطبیعیه و کل هذه العلل المادیه و غیر المادیه فى طول تلک العله لا فى عرضها. وعلیه: معرفه العلل و الأسباب الطبیعیه أو عدم معرفتها لا أثر لها فی إثبات الله (علَّه العلل) أو فی نفیه.. تأمل تعرف.

هلَ قانون العلیَّه قانون کلِّی وعام؟

قیل :إنَّ قانون العلیَّه لو کان شاملاً لشمل الله تعالى أیضاً والمفروض أنَّه العلَّه الأولى فإذاً الإیمان بإله لا علَّه له نقضٌ لقانون العلیَّه ..وعلیه لا یمکن التمسک بها لإثبات واجب الوجود. أقول:لیس کلَ شیءٍ یحتاج إلى العلَّه بل “کلُّ ممکن الوجود یحتاج إلى العلَّه”

معطیات الأمور الحسیَّه:

قیل: أنَّ الإیمان بوجود الخالق للکون والإنسان لا یتلائم مع بعض المنجزات العلمیَّه مثل:أصل بقاء کمیَّه الماده والطاقه وثباتها دائماً… فلا یمکن أن یوجد أی شیءٍ من العدم. وأیضاً: أنَّ الکائنات الحیَّه وجدت من موجودات غیر حیَّه نتیجه تطوُّرها بالتدریج مع أنَّ المؤمنین بالله یعتقدون أنَّ الله خلق الموجودات بصوره مستقلَّه.

أقول:

۱-إنَّ مبدأ بقاء الماده تجریبی لا یمکنه معالجه قضیَّه فلسفیه وهی أنَّ الماده أو الطاقه هل هی أزلیَّه أبدیه أم لا. ۲-إنَّ بقاء کمیَّه الماده والطاقه لا یعنی عدم إحتیاجهما إلى الخالق بل مادام الماده ممکنه الوجود فهی محتاجه إلى خالق یوجدها.وبعباره أخرى (الماده والطاقه یمثلان العلَّه المادیه للکون) ولا بدَّ من علَّه فاعلیَّه . ۳-إنَّ بقاء کمیَّه الماده والطاقه لا یستلزم نفی الظواهر الجدیده أو زیادتها أو نقیصتها فهناک ظواهر غیر مادیه کالروح والحیاه والشعور والإراده وغیرها. ۴-إنَّ فرضیه التطوُّر مضافاً إلى أنَّها غیر ثابته لا تعارض الإیمان بالله أصلاً.

Leave A Reply

Your email address will not be published.