البرزخیّون ینتفعون بأعمال المؤمنین
وقبل الدخول فی صلب الموضوع لنا کلامٌ نقدّمه: هو أنّ الإیمان إنّما ینتفع به الإنسان إذا انضمّ إلیه العمل الصالح، ولا ینفع إیمان إذا خلا عنه، ولأجل ذلک یذکر سبحانه العمل الصالح إلى جانب الإیمان فی أکثر آیات الکتاب العزیز.
وقد أخطأت «المرجئه» لمّا زعموا أنّ الإیمان المجرّد وسیله نجاه ومفتاح فلاح، فقدّموا الإیمان وأخّروا العمل.
وقد شجب أهل البیت (علیهم السلام) هذه الفکره الباطله حیث حذّروا الآباء ودعوهم إلى حفظ أبنائهم منهم: (بادروا أولادکم بالأدب قبل أن یسبقکم إلیهم المرجئه .(1)
فالإعتماد على الإیمان مجرداً عن العمل فعل النوکى والحمقى، وهو لا یفید ولا ینفع أبداً.
ولقد کانت لهذه الفکره الباطله صیغه أُخرى عند الیهود، فهم کانوا یعتمدون على مسأله الإنتساب إلى الآباء وبیت النبوه، فزعموا أنّ الثواب لهم والعقاب على غیرهم حیث قالوا: (نَحَنُ أبناءُ اللهِ وأحبّاؤُهُ) أو قالوا: (لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلاّ أیّاماً مَعدودَه)، وفی ظلّ هذه الفکره اقترفوا المنکرات واستحلّوا سفک دماء غیرهم من الأقوام والأُمم والإستیلاء على أموالهم.
والحق الذی علیه الکتاب والسنّه هو: أنّ المنجی هو الإیمان المقترن بالعمل الصالح، کما أنّ التسویف فی إتیان الفرائض باطل جداً، وهو أن یؤخّر الإنسان الواجب ویقول سوف أحجّ مثلا، ویقول ذلک کلّ سنه ویؤخر الفریضه.
وهذا هو الإمام أمیر المؤمنین علی) علیه السلام( یؤکّد فی خطبته على العمل إذ یقول: «وإنّ الیوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل»(2).
ویقول: «ألا وإنَّ الیومَ المِضماَر وغداً السباق، والسَّبَقهُ الجنّه، والغایهُ النار، أفلا تائب من خطیئته قبل منیته، أَلا عامل لنفسه قبل یوم بؤسه»(3).
وهذا هو ما اتّفقت علیه الأُمه الإسلامیه وتضافرت علیه الأحادیث والأخبار.
انتفاع الإنسان بعمله وبعمل غیره:
لکنّه سبحانه بفضله و جوده الواسعین وسّع على الإنسان دائره الإنتفاع بالأعمال بحیث شمل الإنتفاع بعد الموت، بالأعمال التی تتحقق بعد الموت، وهی على نوعین:
الأول : ما إذا قام الإنسان بعمل مباشره فی زمانه ومات ولکن بقی العمل یستفید منه الناس کصدقه جاریه أجراها، أو إذا ترک علماً ینتفع به، ویقرب منه ما إذا ربّى ولداً صالحاً یدعو له، فهو ینتفع بصدقاته وعلومه، لأنّها أعمال مباشریه باقیه بعد موته ولیست کسائر أعماله الفانیه بفنائه الزائله بموته، فالجسر الذی بناه، والنهر الذی أجراه، والمدرسه التی شیدّها، والطریق الذی عبّده، إنّما تحقق بسعیه، فهو ینتفع به.
وقد وردت فی هذا المجال روایات کثیره، قام بنقل بعضها ابن القیم فی المسأله السادسه فی کتاب له بإسم «الروح» قال: وذهب بعض أهل البدع من أهل الکلام أنّه لا یصل إلى المیت شیء البته لا بدعاء ولا غیره، ثم قال: فالدلیل على انتفاعه بما تسبّب إلیه فی حیاته ما رواه مسلم فی صحیحه من حدیث أبی هریره: أنّ رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلاّ من ثلاث: صدقه جاریه، أو علم ینتفع به، أو ولد صالح یدعو له» فاستثناء هذه الثلاث من عمله یدل على أنّها منه، فأنّه هو الذی تسبّب إلیها.
وفی سنن ابن ماجه فی حدیث أبی هریره قال: قال رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم): (إنّما یلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علّمه ونشره، أو ولداً صالحاً ترکه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بیتاً لابن السبیل بناه، أو نهراً أکراه، أو صدقهً أخرجها من ماله فی صحته وحیاته یلحقه من بعد موته).
وفی صحیح مسلم أیضاً من حدیث جریر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم): «من سنّ فی الإسلام سنّه حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غیر أن ینقص من أُجورهم شیء، ومن سنّ فی الإسلام سنّه سیئه کان علیه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غیر أن ینقص من أوزارهم شیء».
وهذا المعنى روی عن النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) من عده وجوه صحاح وحسان.
وفی المسند عن حذیفه قال: سأل رجل على عهد رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم)فأمسک القوم، ثم إنّ رجلا أعطاه فأعطى القوم، فقال النبی (صلى الله علیه وآله وسلم): «من سنّ خیراً فاستنّ به کان له أجره ومن اُجور من تبعه غیر منتقص من أُجورهم شیئاً، ومن سنّ شراً فاستنّ به کان علیه وزره ومن أوزار من تبعه غیر منتقص من أوزارهم شیئاً».
وقد دلّ على هذا قوله (صلى الله علیه وآله وسلم): «لا تُقتل نفس ظلماً إلا کان على ابن آدم الأول کفل من دمها، لأنّه أوّل من سنّ القتل» فإذا کان هذا فی العذاب والعقاب ففی الفضل والثواب أولى وأحرى(۴).
ویؤیده ما ورد فی شأن صلاه الجماعه حیث تُفضَّل بسبع وعشرین درجه أو خمس وعشرین درجه على صلاه بغیر جماعه(۵).
فکیف ینتفع المصلّون بعضهم ببعض؟ وکلّما زاد المصلون ازدادوا انتفاعاً.
الثانی : فیما إذا لم یکن للمیت فی العمل سعی ولا تسبیب، فهل یصل ثواب عمل الغیر إلیه؟
الظاهر من الکتاب والسنه هو أنّه سبحانه بعمیم فضله وواسع جوده یوصل ثواب عمل الغیر إلى المیت، فیما إذا قام الغیر بعمل صالح نیابه عن المیت، وبعث ثوابه إلیه، ویدل على ذلک لفیف من الآیات وطائفه کبیره من الأحادیث والأخبار.
عرض المسأله على الکتاب:
لقد صرّحت الآیات بأنّ الإنسان المؤمن ینتفع بعمل غیره، وإن لم یکن له فیه سعی، ونحن نشیر إلى بعض هذه الموارد على سبیل المثال لا الحصر:
۱ ـ استغفار الملائکه للمؤمن، قال تعالى: (الَّذینَ یَحملونَ العرشَ ومَنْ حولَهُ یُسبِّحونَ بِحَمدِ ربِّهمْ ویُؤمِنونَ به ویَستغفرونَ للَّذینَ آمَنوا ربَّنا وَسِعْتَ کلَّ شیء رَحمهً وعِلماً فَاغِفر للَّذینَ تابُوا واتَّبَعوا سَبیلَکَ وقِهِمْ عذابَ الجَحیمِ) (غافر/۷)
وقال تعالى أیضاً: (تکادُ السَّمواتُ یَتفطَّرنَ مِنْ فَوقِهنَّ والملائکهُ یُسَبَّحونَ بِحمدِ ربِّهمْ ویَستغفرونَ لِمَنْ فی الأرض ألا إنَّ اللهَ هوَ الغفورُ الرَّحیمُ) (الشورى/۵)
۲ ـ دعاء المؤمنین للذین آمنوا: (والَّذینَ جَاءوا مِنْ بَعدهِمْ یَقولونَ رَّبنا اغفرْلَنا ولإخوانِنا الَّذینَ سَبقونا بِالإیمانِ ولا تَجعلْ فی قُلوِبنا غِلاًّ للَّذینَ آمنوا رَّبنا إنَّکَ رَوؤفٌ رَحیم) (الحشر/۱۰(
الأحادیث الداله على انتفاع المیت بفعل الحیّ:
تدلّ روایات کثیره على أنّ المیت ینتفع بعمل الغیر، إمّا بدعائه فیکفی فی ذلک ما تواتر عن النبیّ الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم) من زیارته لأهل بقیع الغرقد ودعائه لهم، وزیارته لشهداء أُحد وتعمیمهم بالدعاء، وتکرار ذلک منه، ولو لم ینتفعوا بدعائه لما قام به (علیه السلام)، وقد عرفتَ الآیات الداله على انتفاع المیت بدعاء الحی.
إنّما الکلام فیما إذا قام بعمل (لا بدعاء) قربى نیابه عن المیت، فالروایات المتضافره تدل على صحه العمل ووصول ثوابه إلیه وانتفاع المیت به، وقد وزّعت الروایات فی الصحاح والمسانید فی مختلف الأبواب کالصوم والحج والعتق والنذر والتصدّق والسقی وقراءه القرآن، فنحن نذکر هذه الروایات على هذا الترتیب، ولعلّ المتتبِّع فی الصحاح والمسانید یقف على أکثر من ذلک.
أ ـ انتفاع المیت بصوم الغیر نیابه عنه:
۱ ـ روى الشیخان عن عائشه: أنّ رسول الله قال: «من مات وعلیه صیام، صام عنه ولیّه».
۲ ـ روى الشیخان أیضاً عن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبیّ وقال: یا رسول الله إنّ أُمّی ماتت وعلیها صوم شهر أفأقضی عنها؟ قال: (نعم فدین الله أحق أن یقضى).
۳ ـ وفی روایه: جاءت امرأه إلى رسول الله وقالت: یا رسول الله إنّ أُمّی ماتت وعلیها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: «أفرأیتِ لو کان على أُمک دین فقضیْتیهِ أکان یؤدّى ذلک عنها؟ قالت: نعم قال: «فصومی عن أُمک».
۴ ـ روى بریده قال: بینا أنا جالس عند رسول الله إذ أتته امرأه وقالت: «إنی تصدّقت على أُمّی بجاریه وإنّها ماتت، فقال: «وجب أجرک، وردّها علیک المیراث».
فقالت: یا رسول الله إنّه کان علیها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: «صومی عنها» قالت: إنّها لم تحجّ قطّ، أفأحج عنها؟ قال: «حجّی عنها»(7).
ب ـ انتفاع المیت بحج الغیر نیابه عنه:
۵ ـ قال سعد بن عباده: یا رسول الله، إنّ أُم سعد فی حیاتها کانت تحجّ من مالی وتتصدّق وتَصِل الرحم وتنفق من مالی، وإنّها ماتت فهل ینفعها أن أفعل ذلک عنها؟ قال: «نعم».
۶ ـ وقال (ص): «لو کان مسلماً فَأَعْتقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلک».
وقد مضى جواز الحج نیابه فی الروایه الرابعه.
ج ـ انتفاع المیت بعتق الغیر عنه:
۷ ـ عن عطاء بن رباح قال: قال رجل: یا رسول الله أعتق عن أُمّی؟
۸ ـ عن عبد الرحمان بن أبی عمره الأنصاری: أنّ أُمّه أرادت أن تعتق فأخرت ذاک إلى أن تصبح فماتت؟ قال عبد الرحمان: قلت للقاسم ابن محمّد: أینفعها أن أعتق عنها؟ قال القاسم: أتى سعد بن عباده رسول الله فقال: إنّ أُمی هلکت فهل ینفعها أن أعتق عنها؟
فقال رسول الله: «نعم».
وقد مضى فی الروایه السادسه ما یدل على جواز العتق عن الغیر:
د ـ انتفاع المیت بعمل الغیر فیما إذا نذر ولم یعمل:
۹ ـ جاء سعد بن عباده إلى رسول الله فقال: إنّ أُمی کان علیها نذر، أفاقضیه؟ قال: «نعم» قال: أینفعها؟ قال: «نعم».
ورواه مسلم بلفظ آخر قال: استفتى سعد بن عباده رسول الله فی نذر کان على أُمّه توفیت قبل أن تقضیه؟ قال رسول الله: «فاقضه عنها».
هـ ـ انتفاع المیت بصدقه الغیر نیابه عنه:
۱۰ ـ عن أبی هریره: أنّ رجلا قال للنبیّ: إنّ أبی مات وترک مالا ولم یوص، فهل یکفّر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: «نعم».
۱۱ ـ عن معاذ، قال: «أعطانی رسول الله (ص) عطیه، فبکیت فقال: «ما یبکیک یا معاذ»؟ قلت: یارسول الله کان لأُمی من عطاء أبی نصیب تتصدّق به وتقدّمه لآخرتها وإنّها ماتت ولم توص بشیء قال: «فلا یبک الله عینک یا معاذ، أترید أن تُؤجر أُمک فی قبرها؟ قلت: نعم یارسول الله، قال: «فانظر الذی کان یصیبها من عطائک فامضه لها، وقل اللّهم تقبّل من أُم معاذ».
فقال قائل: یارسول الله لمعاذ خاصه أم لأُمتک عامه؟ قال: «لأُمتی عامه».
۱۲ ـ عن سعد أنّه سأل النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) قال: یا نبیّ الله إنّ أُمی قد افتلتت وأعلم أنّها لو عاشت لتصدّقت، أفإن تصدَّقتُ عنها أینفعها ذلک؟ قال (صلى الله علیه وآله وسلم): «نعم» فسأل النبی (صلى الله علیه وآله وسلم): أیّ الصدقه أنفع یارسول الله؟ قال: «الماء»، فحفر بئراً، وقال: هذه لأُم سعد.
واللام فی قوله: «هذه لأُم سعد» هی اللام الداخله على الجهه التی وجهت إلیه الصدقه، ولیست من قبیل اللام الداخله على المعبود المتقرّب إلیه، مثل قولنا: نذرت لله، وإن شئت قلت: اللام فی قوله «لأُم سعد» مثل اللام الوارده فی قوله تعالى: (إنَّما الصَّدقاتُ للفُقراءِ)(التوبه/۶۰).
۱۳ ـ وفی صحیح البخاری عن عبد الله بن عباس (رضی الله عنه): «إنّ رجلا أتى النبیّ فقال: یارسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) إنّ أُمّی افتلتت نفسها ولم توصِ، وأظنّها لو تکلّمت تصدقت، أفلها أُجر إن تَصدّقتُ عنها؟ قال: «نعم».
۱۴ ـ وفی صحیح البخاری عن عبد الله بن عباس)رضی الله عنه): (إنّ سعد ابن عباده توفّیت أُمه وهو غائب، فأتى النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) فقال: یارسول الله إنّ أُمی توفّیت وأنا غائب عنها فهل ینفعها إن تصدّقتُ عنها؟ قال: «نعم»، قال: «فإنّی أشهدک إنّ حائطی المخراف صدقه عنها» والمراد بالحائط البستان، والمخراف عباره عن اسم ذلک الحائط.
۱۵ ـ وعن عبد الله بن عمر: «إنّ العاص بن وائل نذر فی الجاهلیه أن ینحر مائه بدنه، وإنّ هشام بن العاص نحر خمسه وخمسین، وإنّ عمراً سأل النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) عن ذلک فقال: «أمّا أبوک فلو أقرّ بالتوحید فصمت وتصدّقت عنه نفعه ذلک» ورواه الإمام أحمد.
و ـ انتفاع المیت بالذکر والدعاء والقراءه والتحیه:
۱۶ ـ روى ابن ماجه فی صحیحه: إنّ رسول الله قال: «اقرأوا (یس) على موتاکم».
۱۷ ـ وعن أبی هریره: «زوروا موتاکم بـ (لا إله إلاّ الله)».
۱۸ ـ «ما من رجل یزور قبر حمیمه فیسلّم علیه ویقعد عنده إلاّ ردّ علیه السلام وأنس به حتى یقوم من عنده».
۱۹ ـ «ما من رجل یمرّ بقبر کان فیه (من) یعرفه فی الدنیا فیسلّم علیه إلاّ عرفه وردّ علیه السلام».
۲۰ ـ «ما المیت فی قبر إلاّ شبه الغریق المتغوث ینتظر دعوه من أب أو أُم أو ولد أو صدیق ثقه، فإذا لحقته کانت أحبّ إلیه من الدنیا وما فیها، وإنّ الله عزّ وجلّ لیدخل على أهل القبور من دعاء أهل الدنیا أمثال الجبال، وإنّ هدیه الأحیاء إلى الأموات الإستغفار لهم والصدقه عنهم».
۲۱ ـ من حدیث أبی هریره : قال: قال رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم): «إذا صلّیتم على المیت فأخلصوا له الدعاء».
۲۲ ـ وفی صحیح مسلم من حدیث عوف بن مالک: قال رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) على جنازه، فحفظت دعاءه وهو یقول: «اللّهمّ اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأکرم نزله وأوسع مدخله، وأغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّه من الخطایا کما نقّیت الثوب الأبیض من الدنس، وأبدله داراً خیراً من داره، وأهلا خیراً من أهله، وزوجاً خیراً من زوجه، وأدخله الجنه وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار».
۲۳ ـ وفی السنن عن واثله بن الأسقع قال: صلّى رسول الله على رجل من المسلمین فسمعته یقول: «اللّهم إنّ فلاناً ابن فلان فی ذمتک
وحبل جوارک، فقهِ فتنه القبر وعذابه، وأنت أهل الوفاء والحقّ، فاغفر له وارحمه إنّک أنت الغفور الرحیم».
۴۲ ـ وفی السنن من حدیث عثمان بن عفان کان النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) إذا فرغ من دفن المیت وقف علیه فقال: «استغفروا لأخیکم واسالوا له التثبت فأنّه الآن یسأل».
ولو استقصیت الصحاح والسنن لوقفت على روایات کثیره من هذا القسم.
أضف إلى ذلک ما ننقله عن النبی الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم) عند ما زار بقیع الغرقد، من دعائه لأهله وترحیمه لهم.
إلى غیر ذلک من الأحادیث والأخبار الوارده فی هذا المجال، ومن أراد التبسط فلیرجع إلى مظانّها(۷).
موقف المذاهب الإسلامیه من هذه المسأله:
وهؤلاء هم أئمه المذاهب الثلاثه (الحنبلی والشافعی والحنفی) یفتون بانتفاع المیت بعمل الحی حتى إذا لم یوص به ولم یکن له فیه سعی.
فهؤلاء هم فقهاء الحنابله یقولون: ومن توفی قبل أن یحجّ الواجب علیه سواء أکان ذلک بعذر أو بغیر عذر، وجب علیه أن یخرج من جمیع ماله نفقه حجه وعمره ولو لم یوص(۸).
وهذا هو الفقه الحنفی یقول: أمّا إذا لم یوص وتبرّع أحد الورثه أو غیرهم فإنّه یرجى قبول حجتهم عنه إن شاء الله(۹).
وهذا هو الشافعی یقول: فإن عجز عن مباشره الحج بنفسه یحج عنه الغیر بعد موته من ترکته (ولم یقید بالإیصاء وعدمه (۱۰). (
وقال ابن القیم: واختلفوا فی العباده البدنیه کالصوم والصلاه وقراءه القرآن والذکر: فذهب الإمام أحمد وجمهور السلف إلى وصولها، وهو قول بعض أصحاب أبی حنیفه، نصّ على هذا الإمام أحمد فی روایه محمّد بن أحمد الکحال قال: قیل لأبی عبد الله: الرجل یعمل الشیء من الخیر من صلاه أو صدقه أو غیر ذلک فیجعل نصفه لأبیه أو أُمّه، قال: أرجو، أو قال: المیت یصل إلیه کل شیء من صدقه أو غیرها، وقال: أیضاً اقرأ آیه الکرسی ثلاث مرات وقل هو الله أحد وقل: اللّهمّ إنّ فضله لأهل المقابر.
وقال: فقد أخرج ابن أبی شیبه فی مصنّفه والخلال فی جامعه عن الشعبی بسند صحیح، قال: کانت الأنصار إذا مات لهم المیت اختلفوا إلى قبره، یقرأون القرآن.
وقال النووی فی شرح المهذب: یستحب (أی للزائر للأموات) أن یقرأ ما تیسّر ویدعو لهم عقبها، نص علیه الشافعی واتفق علیه الأصحاب.
وقال فی الاذکار: قال الشافعی والأصحاب: یستحب أن یقرأوا عند المیت شیئاً من القرآن قالوا: فإن ختموا القرآن کلّه کان حسناً.
ثم قال: وقد روی عن بعض الشافعیه أنه لا یصل ثوابها للمیت.
ونقل عن جماعات من الشافعیه أنهم أوّلوه بحمله على ما إذا لم یقرأ بحضره المیت، أو لم ینو ثواب قراءته له، أو نواه ولم یدع(۱۱).
وهذه الروایات وإن أمکن المناقشه فی إسناد بعضها، لکن المجموع متواتر مضموناً، فلا یمکن ردّ الکل.
أضف إلى ذلک وجود روایات صحیحه قاطعه للنزاف والفقیه إذا لاحظ مع ما أفتى به أئمه المذاهب الثلاثه ینتزع ضابطه کلیه، وهو وصول ثواب کلّ عمل قربى إلى المیت، إذا أتى به نیابه عنه، سواء کان العمل داخلا فیما ذکر من الموضوعات أو خارجاً عنها، لأنّ الظاهر أنّ الموضوعات کالصوم والحج وغیرهما من باب المثال، لا من باب الحصر.
فتلک الآیات والروایات وهذه الفتاوى صریحه فی جواز القیام بعمل ما عن المیت من دون إیصاء، وبعباره أُخرى: من دون سعی له فیه، فإذا لم ینتفع المیت بعمل الغیر فکیف جاز الحج عنه أو وجب، وکذا فی سائر الأُمور الأُخرى کالإستغفار والدعاء له وشفاعته والتصدّق والعتق عنه.
وقال الدکتور عبد الملک السعدی: لم یثبت أنّ النبیّ (صلى الله علیه وآله وسلم)کان یقرأ شیئاً من القرآن إذا زار المقابر سوى ما ورد أنه (صلى الله علیه وآله وسلم) قال: «یس قلب القرآن اقرأوها على موتاکم» إذا حملنا لفظ الموتى على المعنى الحقیقی وهو خروج الروح من الجسد، لأنّ حمله على حاله النزع حمل اللفظ على معناه المجازی، والحمل على الحقیقه أولى، ومع هذا فلا مانع من قراءه القرآن فی المقبره لعدم ورود المنع من ذلک، ولأنّ الأموات یسمعون القراءه فیستأنسون بها، ولأنّ الإمام أحمد کان یرى ذلک حیث قد نهى ضریراً یقرأ عند القبور ثم أذن له بعد أن سمع أنّ ابن عمر (رضی الله عنه)أوصى أن یقرأ إذا دفن عنده بفاتحه البقره وخاتمتها، کما جاء فی المغنی لابن قدامه فی مسأله زیاره القبور(۱۲).
أمّا القول بأنّ القراءه عند القبور بدعه، فغیر مسلّم، لأنّ البدعه هی التی لم یرد بها نص خاص أو لم تدخل تحت القواعد العامه للإسلام، والقراءه مشروعه على الإطلاق فی الإسلام بغضّ النظر عن مکان القراءه وزمانها ما لم یرد نهی عنها بوقت معین وزمان معین أو مکان معین.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) الکافی ۶/۴۷، الحدیث ۵٫
(۲) نهج البلاغه، الخطبه ۴۲٫
(۳) نهج البلاغه، الخطبه ۲۸٫
(۴) ابن القیم تلمیذ ابن تیمیه (م/۷۵۱): کتاب الروح، المسأله السادسه عشره، ونقلها برمتها محمّد الفقی من علماء الأزهر فی کتابه التوسل والزیاره: ۲۲۶-۲۲۷٫
(۵) صحیح مسلم ۲/۱۲۸، باب فضل صلاه الجماعه.
(۶) هذه الروایات (۱-۵) رواها مسلم فی صحیحه،ج ۳، باب قضاء الصیام عن المیت: (۱۵۵-۱۵۶).
قال: «نعم» قال: أینفعها؟ قال: «نعم».
(۷) لاحظ للوقوف على مصادر هذه الروایات: صحیح مسلم، کتاب النذر، ج ۵/۷۳-۷۸ وکنز العمال ۶ ص۵۹۸-۶۰۲ رقم ۱۷۰۵۰-۱۷۰۷۱، والروح لابن القیم ۱۱۸-۱۲۱ وغیره، والتوسل والزیاره فی الشریعه الإسلامیه للشیخ الفقی ۲۲۹ وغیره.
(۸) الفقه على المذاهب الأربعه للجزری ۱/۵۷۱٫
(۹) المصدر نفسه ۱/۵۶۷٫
(۱۰) المصدر نفسه ۱/۵۶۹٫
(۱۱) ابن القیم، الروح: ۲۳۵-۲۳۶٫
(۱۲) المغنی ۲/۵۶۷٫