إشارة:
إنّ مذهب الإمامية يعتقد بعصمة أئمة أهل البيت، ومعنى ذلك أنّ الإمام يجب أن يكون مصونًا عن الكبائر والصغائر، وكذلك عن الخطأ والاشتباه والسهو.
ويمكن إثبات عصمة أئمة الشيعة بطريقين: العقلي والنقلي، وقد أُشير إلى ذلك في هذا المقال.
1. الطريقة العقلية:
مهما فسّرنا العصمة بأيّ معنى، فإنّها بالذات من خصائص الله تعالى؛ فهو الذي تنزّه، في ظلّ علمه الواسع، عن الخطأ والاشتباه، وهو بحكمته منزّه عن الأعمال القبيحة وغير اللائقة.
وهذه النقطة لا تختص بالعصمة، بل تشمل سائر الصفات أيضًا؛ فهو العالم والقادر والحيّ بالذات، وعلم الآخرين وقدرتهم وحياتهم منه سبحانه.
وبعبارة أخرى، هو الغنيّ المطلق، وغيره فقير بالذات، كما يقول تعالى:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ»(1)؛ أي: يا أيها الناس، أنتم جميعًا محتاجون إلى الله، والله هو الغنيّ المستحقّ لكل حمد وثناء.
وبتعبير الشيخ محمود الشبستري:
«سيهرويي ز ممكن در دو عالم
جدا هرگز نشد، والله أعلم»(2)
وهذا الغنى الذاتي لله تعالى هو الذي يجعل سائر الممكنات تستمدّ منه الغنى، فتكون حيّة وعالمة وقادرة.
ومسألة العصمة أيضًا من هذا القبيل؛ فإنّ الله تعالى، بناءً على المصلحة، يزوّد جماعة من عباده الذين هم معلّمو البشر وهاديو الإنسان بقوة تمكّنهم، مع قدرتهم على ارتكاب الذنب، من اجتنابه، وتصونهم من الخطأ والاشتباه.
ولعلّ هذه القوة، التي يُعبَّر عنها بـ «روح القدس»، تكون داخل وجودهم أو خارجه؛ فمثلًا قد يكون هناك مَلَك يمنعهم من الزلل.
وعليه، فإنّ اختصاص العصمة بالله تعالى ـ بمعنى العصمة الذاتية ـ لا يمنع من أن يكون الأنبياء أيضًا منزّهين عن الذنب والخطأ؛ كما أنّ جميع المسلمين في العالم يرون أنّ النبيّ الإسلامي، صلى الله عليه وآله، معصوم في كلا المجالين: من المخالفة والخطأ. وقد بيّن علماء الكلام الإسلامي، من الإمامية والأشاعرة والمعتزلة، أدلّة عصمة النبي، صلى الله عليه وآله، في كتبهم الكلامية.
2. عصمة الأئمة الاثني عشر من طريق النقل القطعي
1.
إنّهم، بمقتضى حديث الثقلين، عدل القرآن ونظيره، ولازم النظيرية هو التماثل والتساوي. وبما أنّ القرآن كلام الحق، ولا ينحرف قيد أنملة عن الواقع والصواب، فإنّ نظيره يجب أن يكون كذلك أيضًا؛ وإلا فلن يكون نظيرًا للقرآن.
وبعبارة أخرى، بما أنّ النبي، صلى الله عليه وآله، عرّف القرآن وأهل البيت، عليهم السلام، بأنهما وسيلتا الهداية إلى يوم القيامة، إلى أن يردا عليه الحوض، فلا بدّ أن يكون كلاهما مصونًا من المخالفة والخطأ؛ إذ لا يمكن أن يكون أشخاص هم وسيلة هداية البشر إلى يوم القيامة، ثم يرتكبون الخطأ والاشتباه.
2.
إنّ آية التطهير التي تتحدث عن أهل البيت، عليهم السلام، تذكّر بأنّ إرادة الله التكوينية والقطعية قد تعلّقت بأن يطهّرهم من كل نوع من أنواع الرجس.
ويمكن تفسير إرادة التطهير وتطهير أهل البيت، عليهم السلام، بمعنيين:
1. الإرادة التشريعية والقانونية:
أي أنّ الله تعالى يريد، من الناحية التشريعية، أن يبتعدوا عن ألوان الرجس والآثام.
2. الإرادة التكوينية:
أي أنّ الطهارة والنزاهة قد امتزجتا بوجودهم، وتغلغلتا في نفوسهم وأرواحهم.
إنّ الإرادة بالمعنى الأول لا تختص بأهل البيت، عليهم السلام، بل تشمل جميع البشر؛ لأنّ الله تعالى، في مقام التشريع، يريد من جميع الناس أن يسلكوا الطريق المستقيم ولا ينحرفوا عنه. في حين أنّ هذه الآية تخاطب أهل بيت النبي، صلى الله عليه وآله، بصورة خاصة، حيث يقول تعالى:
«إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا».
ومن الطبيعي أن تكون هذه إرادة خاصة؛ إذ لو لم تكن كذلك، لكانت إرادة عامة تشمل الجميع. ومن هنا ينبغي أن نقول إنّ المقصود هو الإرادة التكوينية والخلقية، التي أودع الله بمقتضاها عوامل الطهارة في وجودهم، مع أنّها في الوقت نفسه لم تسلبهم القدرة على ارتكاب الذنب.
وقد بيّن المرحوم الشيخ المفيد معنى العصمة، وأنّ العصمة لا تعني سلب الإنسان القدرة على ارتكاب الذنب، بذكر مثال، فقال:
إنسان في حال الغرق، فألقوا إليه حبلًا لكي يمسك به، ثم يسحبه الآخرون ويخرجوه من الماء. وهو في هذه الحالة مخيّر بين النجاة والغرق، إلا أنّ الإنسان العاقل يتمسّك بالحبل وينقذ نفسه من الغرق. (3)
پینوشتها
(1) سورة فاطر، الآية 15.
(2) گلشن راز، الشيخ محمود الشبستري، ص 41، تحت عنوان «تمثيل».
(3) جمع وإعداد من كتاب: راهنمای حقیقت، الشيخ جعفر سبحاني، ص 364–366.