تربية الأبناء في سيرة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام

محمد حسین مولایی زارگز

0

تربية الأبناء في سيرة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام

تُعَدُّ تربية الأبناء في سيرة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام أحد أبرز النماذج التربوية في تاريخ الإسلام. فقد انتهجت عليها السلام في تربية أبنائها منهجًا شاملًا وعميقًا، وقدّمت من خلال سيرتها مبادئ وأساليب تربوية يمكن أن تكون مصدر إلهام للآباء والأمهات في عصرنا الحاضر. وتتجلّى أبعاد التربية في سيرتها في جوانب متعددة، منها: التربية العاطفية القائمة على المحبة والحنان، والتعليم بالممارسة والقدوة الحسنة، والاهتمام بالنمو العلمي، وترسيخ العدل والمساواة، ومتابعة السلوك والعلاقات الاجتماعية، والعناية بالتغذية الروحية والجسدية.

إن الدور التربوي الذي يضطلع به المربّي الجدير بأن يكون قدوة للآخرين يُعَدّ من أثمن خصاله وأبرز مميزاته. ومن الخصائص التي تميّزت بها السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام اضطلاعها بدور محوري في ثلاثة مجالات أساسية، هي: الحياة الزوجية، وتدبير شؤون المنزل، وتربية الأبناء.

لقد كانت فاطمة عليها السلام في هذه المجالات الثلاثة قدوةً ومعيارًا يُحتذى به. ويمكن القول إن نجاحها فيها يعود إلى الانسجام التام بين فكرها وقولها وسلوكها؛ إذ لم يُعرف عنها أيّ تناقض بين ما تؤمن به وما تقوله وما تمارسه في حياتها.

فقد كانت في فكرها مؤمنةً بالحق، وعلى لسانها كلمات الدين والهدى، وفي سلوكها ملتزمةً التزامًا كاملًا بمبادئها الدينية. وقد تجلّت توجيهات الدين في أقوالها وأفعالها، حتى غدت حياتها وحياة أبنائها نموذجًا يُقتدى به.

وبعبارة أخرى، فإن نجاح السيدة فاطمة عليها السلام في هذه المجالات الثلاثة يرجع إلى تجسيدها تعاليم الدين في كيانها ووجودها؛ فقد كان الدين هو المنبع الذي استمدّت منه مختلف شؤون حياتها، وانعكس أثره في جميع مواقفها وتصرفاتها.

فإذا كانت الأم أسمى النساء منزلةً، بل من أسمى البشر، وكانت على معرفة تامة بأصول التربية وقواعدها، ومتفوّقةً على سائر الناس، بل حتى على الأنبياء أولي العزم في الفضائل الإنسانية ـ كما يعبّر النص عن مكانتها ـ فكيف سيكون شأن الأبناء الذين نشؤوا في كنفها وتربّوا في حجرها؟!

إن الطفل الذي يكون من جسد فاطمة وروحها، والذي هو بضعة منها، ويرضع من صدرها، وينشأ في حجرها، لا بدّ أن يتربّى في أجواء تصنع منه إنسانًا عظيمًا؛ كما هو شأن الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم عليهم السلام.

لقد غدا أبناء فاطمة وبناتها نماذج سامية يُقتدى بها في مختلف جوانب الحياة، وأضحوا معالم بارزة في ميادينها المتعددة، بما شهدته من تحديات وتقلبات.

ومن مدرسة فاطمة نشأ رجال ونساء بلغوا ذرى المجد الإنساني. ولأن فاطمة عليها السلام كانت مؤمنةً بالحق، متمحورةً حوله، راسخةً في موقفها وثابتةً على مبادئها، فقد ربّت أبناءً شجعانًا، يدافعون عن الحق ويتمسكون به.

فهل يمكن العثور على حضنٍ أصفى وأطهر من حضن فاطمة؟! وإذا لم نجد أبناءً يفوقون أبناءها في سموّ منزلتهم، فلأننا لا نجد حضنًا أطهر ولا مدرسةً تربوية أرقى من مدرستها.

لقد كانت فاطمة عليها السلام قدوةً في العلم والمعرفة والإيمان، وقدوةً في العبادة والتهجّد، وفي الإيثار، والصبر والثبات. كما كانت مفعمةً بالمودة والألفة تجاه الأطفال، ومتميزةً في تربيتهم ورعايتهم.

فكيف بلغت هذه المكانة؟ أليس ذلك باتباعها هدي الوحي الإلهي والتزامها بتعاليمه؟ وهل كان نجاحها في تربية أبنائها بهذه الصورة الرفيعة إلا ثمرةً لإيمانها بالحق، وتمحورها حوله، والتزامها بأصول التربية السليمة؟[1]

لقد ربّت السيدة فاطمة عليها السلام أبناءً كان لكل واحد منهم أثر بارز في صناعة التاريخ، فسطع نورهم في صفحاته، وسيظلّ ذكرهم مشرقًا على مرّ العصور.

وفي وصف عظمة دورها التربوي، يقول الإمام الخميني قدّس سرّه:

«إنّ المرأة التي ربّت في حجرة صغيرة وبيت متواضع أناسًا يمتدّ نورهم من بسيط الأرض إلى ما وراء الأفلاك، ومن عالم المُلك إلى ما وراء عالم الملكوت الأعلى، تستحقّ كلّ إجلال وتكريم. فالسلام والصلاة من الله تعالى على تلك الحجرة المتواضعة التي تجلّت فيها عظمة النور الإلهي، وكانت مهدًا لتنشئة صفوة أبناء آدم».[2]

وينبغي لنسائنا أن يسعين إلى أن يكنّ أمهات صالحات ومربّيات قدوات، على غرار السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام؛ إذ يكفي المرأة شرفًا ما أكّده الإمام الخميني قدّس سرّه بقوله: «إنّ الرجل يعرج إلى المعراج من حضن المرأة».[3]

ويتوقف تحقيق هذه الغاية على وعي المرأة بمسؤوليتها وقدرتها على أداء دورها التربوي؛ إذ ينبغي لها، قبل كل شيء، أن تنهض بمسؤولية تربية أبنائها، فإذا أحسنت القيام بهذه المسؤولية، أمكنها أيضًا أن تؤدي دورها في مختلف الميادين التي تستدعي حضورها ومشاركتها.

وقد أكّد الإمام الخميني قدّس سرّه أهمية هذه المسؤولية بقوله:

«إنّ تربية الأبناء من أسمى الأعمال وأعظمها شأنًا. فإذا قدّمتم للمجتمع ابنًا صالحًا، كان ذلك خيرًا لكم من الدنيا وما فيها».[4]

وقال أيضًا:

«قد تستطيع الأم أن تربّي طفلًا تربيةً صالحة، فيكون ذلك الطفل سببًا في إنقاذ أمّة بأكملها، وقد تسيء تربيته، فيصبح سببًا في هلاك أمّة».[5][6]

وتكشف هذه الكلمات عن الأثر العميق الذي تتركه التربية الأسرية في مستقبل المجتمعات؛ فالأم لا تقتصر مسؤوليتها على رعاية طفلها في سنواته الأولى، بل تسهم في بناء شخصيته وتشكيل منظومة قيمه ومبادئه، بما قد ينعكس أثره في حياة المجتمع بأسره.

ومن هنا، فإن الاقتداء بالسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام في تربية الأبناء لا يقتصر على استحضار مكانتها الروحية والأخلاقية، بل يتطلب أيضًا التأمل في منهجها القائم على الإيمان، والقدوة العملية، والمحبة، والصبر، والثبات على الحق؛ وهي مبادئ تظلّ جديرة بالاهتمام والاستفادة في التربية الأسرية المعاصرة.

الهوامش والمصادر

  1. أحمدي، حبيب الله، الإمام الحسن عليه السلام قدوة الحياة، ج 1، ص 28.

  2. في البحث عن الطريق من خلال كلام الإمام، الدفتر الثالث من رسالة الإمام الخميني، سنة 1361هـ ش.

  3. المصدر نفسه، ص 111.

  4. المصدر نفسه، ص 115.

  5. المصدر نفسه، ص 119.

  6. ره‌توشه، ج 1، مجموعة من المؤلفين.

Leave A Reply

Your email address will not be published.