درس فی الإخلاص والقربه
الدین : الطاعه والعباده ، والحنیف : المائل إلى الحق ، والحنفاء : المائلون إلى ربهم فی أعمالهم الراغبون عن غیره إلیه فی طاعاتهم. وقال تعالى : ( قل إن صلاتی ونسکی ومحیای ومماتی لله رب العالیمن ) (۳). النسک: العباده، واللام فی قوله: « لله » للملکیه والسلطنه، والمعنى: أن عملی ونفسی جمیعاً لله تعالى، ولیس لغیره فیهما نصیب. وقال تعالى : ( وقضى ربک ألا تعبدوا إلا إیاه ) (۴). _______________۱ ـ الزمر : ۱۱٫۲ ـ البینه : ۵٫۳ ـ الأنعام : ۱۶۲٫۴ ـ الإسراء : ۲۳٫
هذا البحث لبیان لزوم إخلاص العبد قصده لله فی جمیع ما یعمله له ، وعدم شوب أی غرض فیه ، وأن لا یعبد غیره تعالى من الوثن والشیطان والنفس ، ولا یشرک غیره فیما هو عباده له. فالإخلاص یکون ـ تاره ـ واجباً عقلاً وشرعاً ، ویکون ترکه شرکاً وکفراً کعباده غیر الله تعالى فقط أو إشراکه فی عبادته ، و ـ أخرى ـ واجباً وترکه فسقاً مبطلاً للعمل کالرئاء ونحوه. و ـ ثالثه ـ مندوباً مطلوباً وترکه مسقطاً للعمل عن درجه الکمال ، کشوب الضمائم المباحه التبعیه لنیه العباده ، ویقرب منه العباده لله طمعاً فی جنته أو خوفاً من ناره کما مر. والنصوص الداله على لزوم إخلاص الأعمال وتزکیتها وتمحیصها والسعی فی کونها خالصه لله تعالى بحیث لا یشوبها أی غرض غیره کثیره جداً بألسنه مختلفه ، بعضها وارد فی تفسیر الآیات الشریفه ، وبعضها مستقل. فقد ورد أن رسول الله (صلى الله علیه وآله) قال : « أیها الناس ، إنما هو الله والشیطان ، والحق والباطل ، والهدى والضلال ، والرشد والغی ، والعاجله والعاقبه ، والحسنات والسیئات ، فما کان من حسنات فلله ، وما کان من سیئات فللشیطان » (1). والضمیر فی « هو الله » راجع إلى مقصد کل عامل ونیته ، والمعنى : أن الغرض الباعث إلى العمل فی الناس لا یخلوا من أحد أمرین : إما هو الله تعالى فهو إذا حق وهدایه ورشد وعاقبه وحسنه ، أو هو الشیطان فهو باطل وضلاله وغی وعاجله وسیئه. وقوله : « فما کان من حسنات » تفریع لما قبله ، والمعنى : أن کل حسنه نراها فهی من الأول ، وکل سیئه فهی من الثانی. ____________________۱ ـ المحاسن : ص۳۹۱ ـ الکافی : ج۲ ، ص۱۶ ـ الوافی : ج۴ ، ص۳۷۳ ـ وسائل الشیعه : ج۱ ، ص۴۹ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۲۸٫
وورد أنه : طوبى لمن أخلص لله العباده والدعاء ولم یشغل قلبه بما ترى عیناه (۱). وأن الله أراد بالأحسن فی قوله : ( لیبلوکم أیکم أحسن عملاً ) (۲) الأصوب الصادر عن النیه الصادقه (۳). وأن قوله تعالى : ( إلا من أتى الله بقلب سلیم ) (۴). هو القلب الذی یلقى ربه ولیس فیه أحد سواه ، وکل قلب فیه شرک أو شک فهو ساقط (۵). وأنه إذا أخلص عبد إیمانه بالله وأجمل ذکر الله أربعین یوماً زهده فی الدنیا وبصره دائها ودوائها وجرت ینابیع الحکمه من قلبه إلى لسانه (۶) ، أی : أثبت الله الحکمه فی قلبه وأنطق بها لسانه ( والإیمان هنا : عقد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأرکان ، وإخلاصه تصفیه القلب عن غیره تعالى وتخلیص الکلام عما لا یلیق بمقام المؤمن وإخلاص العمل عن الحرام والشبهه ، والأربعین لها خصوصیه أو هو مثال ). وأن إخلاص العمل لله مما لا یغل علیه قلب إمرء مسلم (۷) ، أی : لا یغش ولا یخون المسلم فی إخلاص عمله ، ولیس ذلک من شأنه. __________________۱ ـ الکافی : ج۲ ، ص۱۶ ـ وسائل الشیعه : ج۱ ، ص۴۳ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۲۹ ، وج۸۴ ، ص ۲۶۱٫۲ ـ هود : ۷ والملک : ۲٫۳ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۳۰٫۴ ـ الشعراء : ۸۹٫۵ ـ الکافی : ج۲ ، ص۱۶ ـ المحجه البیضاء : ج۷ ، ص۳۳۰ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۵۴ و ۲۳۹ و ج۸۲ ، ص۳۰۵٫۶ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۴۰٫۷ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۴۲٫
وأن عمل أهل الدنیا کله رئاء ، إلا ما کان مخلصاً ، والإخلاص على خطر حتى ینظر العبد بما یختم (۱). وأن قول إبراهیم (علیه السلام) عند توجیه وجهه إلى الله بالعباده : ( حنیفاً مسلماً ) معناه : خالصاً مخلصاً لا یشوبه شیء (۲). وأن العبد إذا أشرک غیر الله فی عمله ترک الله الجمیع لغیره فإنه خیر شریک (۳). وأنه قد یصلی العبد رکعتین یرید بهما وجه الله فیدخله الله به الجنه (۴). وأن الحسن الزکی (علیه السلام) قال : لو جعلت الدنیا کلها لقمه واحده ولقمتها من یعبد الله خالصاً لرأیت أنی مقصر فی حقه (۵). وأن الله لا ینظر إلى الصور والأعمال ، وإنما ینظر إلى القلوب (۶). وأن المؤمن الکامل هو من یکون حبه وبغضه ، وإعطاؤه ومنعه لله تعالى وطلباً لمرضاته (۷). وأن أفضل العباده : الإخلاص (۸) ، أی : العباده التی فیها الإخلاص ، أو أن نفس إخلاص النیه ـ مع قطع النظر عن العمل الخارجی ـ عباده قلبیه لها فضیله وثواب ، وغیرها مما ورد فی هذا الباب._________________________۱ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۴۲٫۲ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۴۳٫۳ ـ نفس المصدر السابق.۴ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۴۴٫۵ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۴۵٫۶ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۴۸٫۷ ـ نفس المصدر السابقه.۸ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۴۹٫