الاثنا عشریه و اهل البیت علیهم السلام
و یربطها بالدّین الأصیل ، و إلا لم تکن فرقاً لدین واحد ، فلا بد لکل فرقه أن تأخذ بنصیب من دینها ، أمّا مقدار هذا النصیب ، و أیّ الفرق أکثر ملاءمه للأصل و المصدر فلا یعرف من کثره الأتباع و قوّتهم ، و سلطانهم .
الفرق الإسلامیه
و الذی نراه و نرجّحه أن أسباب الإختلاف و التعدّد فی الفرق الإسلامیه ، على ما بینها من رابط قویّ أو ضعیف ، هی واحده تتّحد مفهوماً ، و تختلف مصداقاً . و من هذه الأسباب أن الذین انتموا إلى الدّین ، عند بدایته ، منهم من انتمى إلیه حقاً و صدقاً ، و منهم من انتمى إلیه شکلاً و ظاهراً ابتغاء ما یجنیه من وراء هذا الانتماء ، تماماً کما ینتمی کثیرون إلى حزب من الأحزاب لمنافع شخصیه .
و منها أن التعالیم التی أتى بها النبیّ لم تطبق بکاملها فی عهده و حیاته . و لمّا جاء دور تطبیقها و العمل بها ، نظر إلیها کلّ من زاویته الخاصّه ، و واقع بیئته ، و منطق عقله . هذا و إنّ کثیراً من التعالیم المنسوبه إلى النبیّ لم ینطق بها صراحه ، و إنّما استنبطها الأتباع من إیماءه أو تصرّف ، أو من شیء لا یمتّ إلیه بسبب . بل اختلفوا فی الأحکام التی طبقها النبی ، و عمل بها . فلقد توضأ مئات المرات أمام ألوف من المسلمین ، و مع هذا اختلف السنّه و الشیعه فی صوره الوضوء ، و ادعت کل فرقه أنها هی التی تتوضأ بوضوئه دون غیرها .
و منها أن فئه من الأتباع قد تثق برجل ثقه عمیاء ، و توالیه ولاء دین و عقیده و أخرى تتّهمه و تهاجمه .
الخلافه
لهذه الأسباب و لغیرها افترق المسلمون إلى فرق و شیع . و قامت بینهم حدود و حواجز ، و أهمّها مسأله الخلافه و ما یتّصل بها ، بخاصه الطریق الذی یعین الخلیفه بعد الرسول ، و هل هو النصّ من الرسول ، أو اختیار الوجهاء و الأعیان ؟ قال الشیعه بالأول ، و قال السنه بالثانی . و آمن کل بما رأى ، و أصبح إیمانه هذا جزءاً من عقیدته و نظامها . و هذا ـ کما ترى ـ اختلاف فی المنهج و الطریق المثبت للخلافه ، لا فی أصل الخلافه : فالقول بأنها من عقیده الشیعه خطأ . ما دام الکلّ متفقین على أصل الفکره ، و أنها تستند إلى الدین باعتبارها رئاسه عامه فی الدین و الدنیا نیابه عن الرسول باتفاق الجمیع ، إذن لیست الخلافه ، من حیث الفکره ، شیعیّه فقط ، أو سنّیه فقط و إنما هی عقیده لجمیع المسلمین .
أجل ، إن فکره النص من النبی على الخلیفه شیعیه لأن السنّه لا یقولون بها ، کما أن فکره الانتخاب سنّیه لأن الشیعه لا یقولون بها .
و بعد أن أناط السنّه تعیین الخلیفه بانتخاب الوجهاء خاصه ، و هم الذین عبّروا عنهم « بأهل الحلّ و العقد » قالوا مبرّرین رأیهم هذا إن الجماعه ـ أی الوجهاء ـ منزّهون و معصومون عن الخطأ ، و إن اللّه یهدیهم إلى الحقّ و الصواب ، لحدیث « لا تجتمع أمتی على ضلاله » و لما رواه البخاری فی «صحیحه» [2] من أن النبیّ قال : « من رأى من أمیره شیئاً یکرهه فلیصبر ، فإنّه ما أحد یفارق الجماعه شبراً فیموت إلا مات میته جاهلیه » .
و ردّ الشیعه هذا الحدیث ، و کلّ حدیث یتضمّن عصمه الجماعه ، لأنَّها قد تخطئ بل جاء فی الآیه ۱۸۷ من «الأعراف» ﴿ … وَلَکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لاَ یَعْلَمُونَ ﴾ [۳] فبالأولى القلّه و إن کانوا « أهل الحلّ و العقد » .
هذا ، إلى أن السنّه و الشیعه متفقون قولاً واحداً على أن أیّ حدیث یأتی من الرّسول یجب أن یعرض أولاً على « کتاب اللّه » فإن تناقض معنى أحدهما مع معنى الآخر ، وجب طرح الحدیث و إهماله . و لیس من شک أنّ بین قوله ﴿ … وَلَکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لاَ یَعْلَمُونَ ﴾ [۴] و بین حدیث عصمه الجماعه تناقضاً ظاهراً ، فیجب طرحه و إهماله .
و أیضاً : بعد أن أناط الشِّیعه تعیین الخلیفه بنصّ النبیّ علیه اسماً و عیناً قالوا مستدلین على ذلک : « إن محمداً نصّ على علی بن أبی طالب ( علیه السلام ) باسمه و عینه و نسبه ، و عقد له الخلافه على المسلمین من بعده ، و أمرهم بالسمع و الطاعه له ، و أعلمهم أن طاعته طاعه اللّه و رسوله » و نقل الشیعه عن جلد ۱ من « مسند » الإمام أحمد بن حنبل و جلد ۲ من « تاریخ» الطبری ، و جلد ۲ من « تاریخ » ابن الأثیر ، و جلد ۳ من « مستدرک الصحیحین » للنیسابوری و من « السیره الحلبیه » نقلوا عن هذه الکتب و غیرها .
إن محمداً ( صلى الله علیه و آله ) حین نزلت علیه هذه الآیه : ﴿ وَأَنذِرْ عَشِیرَتَکَ الْأَقْرَبِینَ ﴾ [۵] ، جمع عشیرته فی بیته . و بعد أن أکلوا من مائدته ، قال لهم مشیراً إلى علی ( علیه السلام ) : هذا أخی و وصیّی و خلیفّتی فیکم ، فاسمعوا له ، و أطیعوا . و علّق الأستاذ محمد عبد اللّه عنان المصری ، فی کتابه على ذلک « تاریخ الجمعیّات السریّه » : فقال : من الخطأ أن یقال إن الشیعه إنما ظهروا لأول مرّه عند انشقاق الخوارج ، بل کان بدء الشیعه و ظهورهم فی عصر الرّسول ، حین أمر بإنذار عشیرته بهذه الآیه : ﴿ وَأَنذِرْ عَشِیرَتَکَ الْأَقْرَبِینَ ﴾ [۶] ثم ساق الحدیث إلى نهایته .
و وضع علماء الشیعه الاثنی عشریه العدید من الکتب فی النصّ على علی علیه السَّلام ، و جمعوا فیها الآیات و الأحادیث من طرق السنه و الشیعه .
من هذه الکتب « الشافی » للمرتضى ، « و نهج الحق » للعلامه الحلّی ، و الجزء الثانی « من دلائل الصدق » للمظفّر ، « ونقض الوشیعه » و الجزء الأول من « أعیان الشیعه » للسیّد الأمین ، و « المراجعات » لشرف الدّین ، « و الغدیر » للأمینی .
و ممّا قدّمناه نستخلص :
أولاً ـ إن فکره العصمه لم یقل بها الشیعه وحدهم ، فإن السنّه یقولون بها أیضاً ، و الاختلاف بینهم فی التطبیق فقط . فالسنّه یجعلونها للجماعه ، و الشیعه للإمام المنصوص علیه ، فنسبه الفکره من حیث هی إلى الشیعه دون السنّه خطأ و اشتباه ، تماماً کما هی الحال فی فکره الخلافه من حیث هی ، و نسبتها إلى الشیعه دون غیرهم .
ثانیاً ـ إنّ فکره النصّ على علی علیه السَّلام بالذات هی فکره دینیه إسلامیه تستند إلى الکتاب و السنه ، و لیست فکره سیاسیه ـ کما قیل ـ ترتکز على حق الوراثه فی الحکم ، و لا فکره عاطفیه صرف ، لا مصدر لها إلا قرابه النسب و السبب بین محمد صلى اللّه علیه و آله .
ثالثاً ـ إن مبدأ النص على علی علیه السلام بالخلافه فارق أساسی ، و حاجز منیع بین السنه و الشیعه . و قد کان له المقام الأول فی الإیمان و العقیده ، و تعدد الفرق الإسلامیه ، و التأثیر البالغ فی السیاسه ، و الفلسفه ، و علم الکلام ، و فی الفقه ، و فی التفسیر و الحدیث ، و التصوف ، و الأدب الإسلامی فی جمیع مراحله ، بل والأساطیر التی یبرأ منها الکتاب و الرسول ( صلى الله علیه و آله ) ، و علی وأبناؤه علیهم السلام ، و المحقون من شیعتهم . قال الإمام جعفر الصادق علیه السلام : « ما شیعتنا إلا من یقول علینا حقّاً » .
بدء التشیع :
قال الشیعه : إن رسول اللّه هو الذی غرس بذره التشیع لعلی علیه السلام بالنص علیه ، و بالمدح و الثناء بما لم یثن به على غیره من الأصحاب .
کقوله : « یا علی ، لا یحبّک إلا مؤمن ، و لا یبغضک إلا منافق » و قوله : « علی مع الحق ، و الحق مع علی » بل هو الذی أطلق على أتباع علی علیه السلام لفظ الشیعه ، و أسماهم بهذا الاسم ، حیث قال له : « یا أبا الحسن أنت و شیعتک فی الجنه » و قال : « تأتی أنت و شیعتک راضین مرضیین » نقل الشیعه هذا الحدیث عن کتاب « الصواعق المحرقه » لابن حجر الشافعی .
و ظهرت هذه البذره أوّل ما ظهرت حین توفی النبی صلى اللّه علیه و آله ، و بویع أبو بکر بالخلافه ، حیث امتنع علی علیه السلام ، و معه شیعته و أنصاره ، و استمرّوا ممتنعین عن البیعه سته أشهر کامله . ذکر هذا المؤرخون و الکتّاب القدامى و الجدد .
و آخرهم الکاتب المصری أحمد عباس صالح ، فقد نشر مقالاً متسلسلاً بعنوان « الیمین و الثوره » فی مجله الکاتب القاهریه . و ممّا قاله [۷] : إنّ غالبیه المسلمین حین توفی النبی صلى اللّه علیه و آله ، کانوا مع الاتجاه الذی یمثله علی بن أبی طالب علیه السلام و أصحابه . لأنّ النبی صلى اللّه علیه و آله کان زعیم هذا الاتجاه ، و واضع مبادئه الأساسیه و قال [۸] : « کان حزب کبیر من أحزاب المسلمین یعتقدون أن علیاً علیه السلام کان أولى بالخلافه من أبی بکر و عمر » .
و أخذت بذره التشیع تنمو و تعلو ، و تواصل نموها و علوها مع الزمن ، و الحرکات الاجتماعیه الإصلاحیه فی الإسلام ، حتى أصبحت عقیده الأصحاب و الرواد الأول ، و الصالحین و المخلصین . ذلک أن علیاً کان یسیر على الطریق التی رسمها الرسول . قال المسعودی فی مروج الذهب : کان مع علی فی صفین تسعون ألفاً ، فیهم ألفان و ثمانمائه من أصحاب الرسول صلى اللّه علیه و آله .
الخلفاء الاثنا عشر
روى السنه و الشیعه عن رسول اللّه ( صلى الله علیه و آله ) أنه قال : إن الخلافه فی قریش و إن عدد الخلفاء اثنا عشر خلیفه ، فقد جاء فی صحیح البخاری [۹] ما نصه بالحرف : « قال رسول اللّه : لا یزال هذا الأمر فی قریش ما بقی منهم اثنان . . . و یکون اثنا عشر أمیراً » . و قال ابن حجر العسقلانی ، و هو یشرح هذا الحدیث [۱۰] : « کم یملک هذه الأمه من خلیفه ؟ فقال : اثنا عشر ، کعده نقباء بنی إسرائیل » .
و لم یخالف فی ذلک إلا الخوارج ، فإنهم قالوا : لیست الخلافه فی قریش ، بل الناس فیها سواء .
و بعد أن اتفق السنه و الشیعه على أن الخلافه لا تکون إلا فی قریش ، قال الشیعه و أفضل قریش بنو هاشم ، لما رواه مسلم [۱۱] أن النبی قال : « إن اللّه اصطفى کنانه من إسماعیل ، و اصطفى قریشاً من کنانه ، و اصطفى من قریش بنی هاشم ، و اصطفانی من بنی هاشم » . و أیضاً روى مسلم فی الکتاب المذکور بعنوان فضائل علی بن أبی طالب أن النبی « قال : أما بعد ، ألا أیها الناس ، فإنما أنا بشر یوشک أن یأتی رسول ربی ، فأجیب ، و أنا تارک فیکم ثقلین : أولهما کتاب اللّه ، فیه الهدى و النور ، فخذوا بکتاب اللّه ، و استمسکوا به ، و أهل بیتی أذکرکم اللّه فی أهل بیتی » کررها ثلاثاً .
و قال الشیعه : فإذا جمعنا بین الأحادیث الثلاثه ، فی قریش ، « و الاصطفاء ، و الثقلین» و عطفنا بعضها على بعض جاءت النتیجه أن الخلافه فی أهل بیت رسول اللّه ، و هم علی و بنوه .
فالسنه یتفقون مع الشیعه فی أن الخلافه لا بد منها ، و أنها فی قریش دون غیرهم و أن عدد الأئمه اثنا عشر إماماً و یختلفون معهم فی أمرین :
الأول : فی حصر الخلافه بالهاشمیین ، و بصوره أخص بعلی و بنیه .
الثانی : فی تعیین الأئمه الاثنی عشر بأسمائهم و أنسابهم ، یختلفون فی هذین ، أما أصل فکره الاثنی عشریه فمحل وفاق بین السنه و الشیعه الاثنی عشریه ، و على هذا تکون فکره إسلامیه تعم الطرفین ، لا سنیه فقط ، و لا شیعیه فقط ، تماماً کفکره العصمه و فکره الخلافه من حیث المبدأ و القاعده .
أما السبب لتسمیه هذه الفرقه من الشیعه بالاثنی عشریه دون غیرها ، مع العلم بأن السنه یؤمنون بالأئمه الأثنى عشر فهو أن هذه الفرقه قد أجمعت على تعیین الأثنى عشر بأسمائهم و أعیانهم ، و اختلف السنه فی ذلک . . فمنهم من قال : إن الأثنى عشر لم یخلقوا بعد ، و سیخلقون ، و یملکون بعد ظهور المهدی المنتظر و وفاته ، و منهم من قال : « إن المراد بالأثنى عشر غیر أصحاب الرسول لأن حکم أصحابه یرتبط بحکمه . . إذن ، کل الأئمه الاثنی عشر من بنی أمیه ما عدا عثمان و مروان ، لأنهما صحابیان . . و علیه یکون أول الأئمه الذین عناهم النبی یزید بن معاویه ، ثم ابنه معاویه ، ثم عبد الملک ، و أولاده الأربعه : الولید ، و سلیمان ، و یزید ، و هشام و عمر بن عبد العزیز ، و الولید بن یزید ، و یزید بن الولید ، و أخوه إبراهیم ، و مروان الحمار . . و منهم من قال : هم أبو بکر ، و عمر ، و عثمان ، و علی ، و معاویه ، و ولده یزید ، و عبد الملک ، و أولاده الأربعه ، و عمر بن عبد العزیز . . و منهم من قال : المراد وجود إثنى عشر إماماً فی مده الإسلام ، حتى یوم القیامه ، و إن لم تتوال أیامهم إلى غیر ذلک [۱۲] .
الفرقه الاثنا عشریه
قدمنا أن بذره التشیع غرست فی عهد الرسول ، و ظهرت حین بویع أبو بکر ، و نمت و علت یوم صفین ، ففرقه علی هی أولى الفرق الإسلامیه على الإطلاق ، تکونت فی حیاته ، و بقیت ثابته على ولائه إلى أن قتل ، فافترقت بعده إلى فرق ، و باد أکثر هذه الفرق ، و ذهب مع الزمن ، و منها ما هی ثابته قائمه ، حتى الیوم ، و ستبقى إلى آخر یوم ، رغم الحملات و المحاولات لمحوها و إبادتها و هکذا جمیع الفرق ، أیه فرق تنطبق علیها قاعده تنازع البقاء ، و بقاء الأصلح ، تماماً کأغصان الشجره ، تتفرع عن أصل واحد ، فینمو ، و یمتد فی النمو ، و یحمل من الأزهار و الثمار ما یصلح للبقاء و الاستمرار ، و الذی لا یصلح لها یذبل و یجف و ینتهی إلى السقوط و الضیاع .
و من فرق الشیعه البائده فرقه قالت : إن علیاً لم یقتل و لا یموت حتى یملأ الأرض عدلاً .
و فرقه قالت بإمامه ولده محمد بن الحنفیه من بعده و هم المعروفون بالکیسانیه .
و من الفرق الباقیه حتى الیوم " الاثنا عشریه " التی لزمت القول بإمامه الحسن بن علی بعد أبیه ، لأن النبی نص علیه ، و على أخیه الحسین بقوله : « ولدای هذان إمامان قاما أو قعدا » و بهذا النص انتقلت الإمامه بعد الحسن إلى أخیه الحسین ، ثم اوصى بها الحسین إلى ولده علی زین العابدین ، و أوصى هو إلى ولده محمد الباقر ، و أوصى الباقر إلى ولده جعفر الصادق ، ثم أوصى الصادق إلى ولده موسى الکاظم ، ثم أوصى الکاظم إلى ولده علی الرضا ، ثم أوصى الرضا إلى ولده محمد الجواد ، ثم أوصى الجواد إلی ولده علی الهادی ، هو أوصى إلى ولده الحسن العسکری و منه انتقلت الإمامه بالوصیه إلى ولده محمد بن الحسن ، و هو المهدی المنتظر الذی اختفى بعد موت أبیه ، و کان ذلک سنه ۲۵۶ هجری .
و قد وضعت کتاباً مستقلاً ، اسمه « المهدی المنتظر و العقل » و قربت الفکره من وجهه عقلیه ، و ذکرت جمله من مؤلفات السنه و الشیعه فی المهدی ، ثم أدرجت کتاب المهدی فی کتاب « الإسلام و العقل » .
و هذا التسلسل فی الوصیه من إمام إلى إمام هو من صلب عقیده الاثنی عشریه ، لأن الإمام عندهم لا یکون إلا بنص النبی علیه مباشره ، أو بواسطه إمام منصوص علیه ، و من هنا کانت الإمامه منصباً إلهیّاً ، یأتی فی الدرجه الثانیه من النبوه ، فالنبی یبلغ عن اللّه ، و الإمام یبلغ عن النبی .
هؤلاء هم الأئمه الاثنا عشر للفرقه الاثنی عشریه التی مضى على وجودها أکثر من ألف عام ، رغم ما لاقته من الظلم و الاضطهاد .
عقیدتهم
یستطیع أی إنسان یحسن القراءه أن یعطی صوره واضحه الملامح عن عقیده الاثنی عشریه ، یستخلصها من أوثق المصادر ، و أصفى المراجع . . ذلک أن علماءهم قدیماً و حدیثاً قد وضعوا العدید من الکتب فی هذا الموضوع ، منها ـ على سبیل المثال ـ اعتقادات الصدوق و شرحها للشیخ المفید ، و أوائل المقالات للشیخ المفید أیضاً ، و قواعد العقائد للخواجه نصیر الطوسی ، و شرحها للعلامه الحلی ، و شرح الباب الحادی عشر للمقداد ، و نقض الوشیعه للسید محسن الأمین و أصل الشیعه و أصولها للشیخ محمد حسین کاشف الغطاء ، و عقیده الشیعه الإمامیه للسید هاشم معروف ، و عقائد الإمامیه للشیخ المظفر ، و الشیعه و التشیع و مع الشیعه الإمامیه للکاتب .
و لست أدری کیف یقطع فی الخطأ و الالتباس من یعرض عقیده هذه الفرقه ، مع کثره المصادر ، و انتشارها . . . و مهما یکن ، فإن الاثنی عشریه یعتقدون : بالتوحید ، و العدل ، و النبوه ، و المعاد ، و بوجوب الصوم و الصلاه ، و الحج ، و الخمس و الزکاه ، و بکل ما جاء فی القرآن الکریم ، و ثبت عن الرسول العظیم بالتواتر أو بنقل الثقات . و یعتقدون بوجوب تأویل النقل بما یتفق مع العقل ، و بأن القرآن هو هذا الذی بین أیدی الناس لا زیاده فیه ، و لا نقصان ، و یعتقدون بفتح باب الاجتهاد ، لأهل المعرفه و الکفاءه ، و بتقلید الجاهل للعالم فی الأمور الشرعیه الفرعیه ، و بوجوب طلب العلم على کل إنسان کفایه لا عیناً ، و بعصمه جمیع الأنبیاء ، و أئمتهم الاثنی عشر ، و بالتقیه ، مع خوف الضرر ، و قد ذکرنا العصمه و التقیه بصوره مفصله فی کتاب الشیعه و التشیع ، و یعتقدون بأن الإمامه أصل من أصول المذهب ، لا من أصول الإسلام ، و أن من أنکرها فهو مسلم ، له ما للمسلمین ، و علیه ما علیهم ، إذا اعتقد بالتوحید و النبوه و المعاد ، و لکنه لیس إمامیاً .
و یعتقدون بأن الغلو بأی إنسان فهو کفر سواء أکان من أهل البیت ، أم من غیرهم ، لقول الإمام علی : « سیهلک فیّ صنفان : محب مفرط ، یذهب به الحب إلى غیر الحق ، و مبغض مفرط یذهب به البغض إلى غیر الحق ، و خیر الناس فی هذا النمط الأوسط فالزموه » .
و روى الاثنا عشریه عن إمامهم الخامس محمد الباقر أنه قال: واللّه ما شیعتنا إلا من اتقى اللّه . . . لیس بین اللّه و بین أحد قرابه . . و لسنا نتقرب إلى اللّه إلا بالطاعه ، فمن کان للّه مطیعاً فهو ولینا ، و من کان للّه عاصیاً فهو عدونا ، و لا تنال ولایتنا إلا بالعمل و الورع .
و رووا عن إمامهم السادس جعفر الصادق أنه قال : لا تقولوا علینا إلا الحق .
و قال: إنما شیعه جعفر من عف بطنه و فرجه ، و اشتد جهاده ، و عمل بخالقه ، و رجا ثوابه و خاف عقابه ، فإذا رأیت أولئک فهم شیعه جعفر .
و قال بعض شعرائهم یصف الصادقین فی إیمانهم و عقیدتهم من هذه الفرقه :
إن ینطقوا ذکروا أو یسکتوا فکروا *** أو یغضبوا غفروا أو یقطعوا وصلوا
أو یظلموا صفحوا أو یوزنوا رجحوا *** أو یسألوا سمحوا أو یحکموا عدلوا
المهدی المنتظر
أما المهدی المنتظر فإنه فکره إسلامیه یعتنقها السنه و الشیعه ، فلقد روى السنه أخباره عن النبی ، و دونوها فی الصحاح من کتب الحدیث ، و بلغت لکثرتها حد التواتر منها ما جاء فی سنن ابن ماجه [۱۳] أن رسول اللّه قال : یکون فی أمتی المهدی ، تنعم به أمتی نعمه لم تنعم مثلها قط . و فی حدیث آخر أنه یملؤها قسطاً و عدلاً ، کما ملئت جوراً . و منها ما فی سنن أبی داود السجستانی [۱۴] و صحیح الترمذی [۱۵] أن رسول اللّه قال : لو لم یبق من الدنیا إلا یوم لطول اللّه ذلک الیوم ، حتى یبعث رجلاً من أهل بیتی یواطئ اسمه اسمی ، یملأ الأرض قسطاً و عدلاً ، کما ملئت ظلماً و جوراً » . و نقل صاحب أعیان الشیعه فی الجزء الرابع عن فوائد السمطین لمحمد بن إبراهیم الحموی الشافعی أن النبی قال : من نکر خروج المهدی فقد کفر بما أنزل على محمد .
و وضع علماء السنه کتباً خاصه بالمهدی نذکر منها على سبیل المثال : کتاب صفه المهدی ، لأبی نعیم الأصفهانی و البیان فی أخبار صاحب الزمان ، للکنجی الشافعی ، و البرهان فی علامات مهدی آخر الزمان ، لملا علی المتقی ، و أخبار المهدی ، لعباد الرواجنی ، و العرف الوردی فی أخبار المهدی ، للسیوطی ، و القول المختصر فی علامات المهدی المنتظر ، لابن حجر ، و عقد الدرر فی أخبار المهدی المنتظر ، لجلال الدین یوسف الدمشقی [۱۶] .
أما علماء السنه الذین أفردوا لأخبار المهدی باباً خاصاً فی مؤلفاتهم فلا یبلغهم الإحصاء ، و قد جرأت هذه الأحادیث و المقالات و الکتب الکثیرین من أهل السنه أن ینتحلوا المهدویه و یدعوها لأنفسهم ، و هذا یثبت ما قلناه من أن فکره المهدی المنتظر یقول بها السنه و الشیعه على السواء ، تماماً کفکره الخلافه و الاثنی عشریه ، من حیث المبدأ ، و لا اختلاف إلا فی اتجاه الفهم و تطبیقه .
و کما اتفق الطرفان على فکره المهدی المنتظر فقد اتفقوا أیضاً على اسمه و نسبه ، و کنیته و لقبه ، و أنه یملأ الأرض قسطاً و عدلاً ، و أما الجهه التی اختلفوا فیها فهی : هل ولد المهدی أو لم یولد حتى الآن .
أهم الفروق بین الشیعه و السنه
و بالإضافه إلى ما تقدم فإن الشیعه الاثنی عشریه تختلف مع السنه فی أشیاء . بعضها یرجع إلى العقیده ، و بعضها یرجع إلى الأحکام ، نلخص أهمها فیما یلی :
معرفه اللّه :
قال السنه : تجب معرفه اللّه بالسمع لا بالعقل ، أی أن اللّه وحده هو الذی أوجب على الناس أن یعرفوه . [۱۷]
و قال الشیعه : إن معرفه اللّه تجب بالعقل لا بالسمع ، أی أن العقل هو الذی أوجب على الإنسان أن یعرف خالقه ، لأن معرفه الإیجاب تتوقف على معرفه الموجب ، فلا بد أن نعرف اللّه أولاً بطریق العقل ، ثم ننظر فیما أوجب ، و ما لم یُوجب و محال أن نعرف أحکامه دون أن نعرف شیئاً عنه ، . . أما ما جاء فی السمع من هذا الباب کقوله تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ … ﴾ [۱۸] فهو بیان و تأکید و تقریر لحکم العقل ، و لیس تأسیساً جدیداً من الشارع .
و قال السنه : اللّه یصح أن یرى [۱۹]
و قال الشیعه : ان رؤیه اللّه محاله و غیر ممکنه فی الدنیا و الآخره : و أولوا الآیات الداله بظاهرها على إمکان الرؤیه ، أولوها بالعقل و البصیره لا بالعین و البصر .
و قال السنه : إن صفات اللّه زائده على ذاته .
و قال الشیعه بل هی عینها ، و إلا لزم تعدد القدیم .
کلام اللّه : هل هناک شیء آخر وراء ألفاظ التوراه و الإنجیل ، الأصلیّین و القرآن یسمى کلام اللّه ، أو أن کلامه تعالى هو هذا اللفظ الموجود فی الکتب السماویه ؟
قال السنه : إن الکلام الموجود فی الکتب السماویه لیس بکلام اللّه حقیقه ، بل إن کلامه قدیم قائم بذاته ، تماماً کالعلم و القدره و الإراده ، و هذه الکلمات المسطوره التی نتلفظ بها ، و ننسبها إلیه سبحانه تعبر عن کلامه القائم بذاته .
کما یعبر قولنا « علْم اللّه و إراده اللّه » عن علمه و إرادته القائمین بذاته .
و قال الشیعه : إن کل من یوجد کلاماً فکلامه یدل على معنى ما نطق به . و على هذا یکون کلام اللّه هو الکلمات نفسها الموجوده فی التوراه ، و الإنجیل ، و القرآن . و هی حادثه ، و مخلوقه . و لا یلزم من القول بحدوثها أن یکون اللّه محلاً للحوادث ، لأنه سبحانه یخلق الکلام ، کما یخلق سائر الکائنات .
أفعال اللّه :
قال السنه : لا یجوز تعلیل أفعال اللّه بشیء من الأغراض و العلل الغائیه ، لأنه لا یجب علیه شیء ، و لا یقبح منه شیء [۲۰] . و فی کتاب « المذاهب الإسلامیه » للشیخ أبی زهره [۲۱] ما نصّه بالحرف « قال الأشاعره أی السنه : إن اللّه سبحانه و تعالى خلق الأشیاء لا لعله و لا لباعث لأن ذلک یقیّد إراده اللّه » .
و قال الشیعه : إن جمیع أفعاله عزّ وجل معلّله بمصالح تعود على الناس ، أو تتعلق بنظام الکون ، کما هو شأن العلیم الحکیم .
الأمر و الإراده :
قال السنه : لا تلازم بین ما یأمر به اللّه و ما یرید ، و لا بین ما ینهى عنه و ما یکره ، فقد یأمر بما یکره ، و ینهى عما یحب [۲۲] .
و قال الشیعه : إن أمر اللّه بالشیء یدل على إرادته له ، و إن نهیه عنه یدل على کرهه له ، و محال أن یأمر بما یکره ، و ینهى عما یحب .
عقاب الطائع و ثواب العاصی :
قال السنه : إن العقل یجیز على اللّه أن یعاقب الطائع ، و یثیب العاصی ، لأن المطیع لا یستحق ثواباً بطاعته ، و العاصی لا یستحق عقاباً بمعصیته ، و أیضاً یجیز العقل على اللّه أن یخلف وعده [۲۳] .
و قال الشیعه: إن العقل لا یجیز على الله أن یعاقب المطیع ، و یجیز علیه أن یتفضّل على العاصی ، تماماً کما لک أن تتفضّل على من أساء إلیک ، و لا یجوز أن تسیء إلى من أحسن .
الجبر و الاختیار :
قال السنه : أفعال العباد کلها خیرها و شرها ، من اللّه ، و لیس لقدرتهم تأثیر فیها ، و إن التکلیف بما لا یطاق جائز على اللّه ، لأنه خالق کل شیء ، و لا یجب علیه شیء ، و لا یقبح منه شیء [۲۴] .
و قال الشیعه : إن الإنسان مخیر لا مسیر و إن اللّه لا یکلف نفساً إلا وسعها ، و إن أفعال العباد خیرها من اللّه ، لأنه أرادها و أمر بها و من العبد أیضاً لأنها صدرت منه باختیاره و إرادته .
أما شرها فمن العبد فقط ، لأنه فاعلها بمشیئته ، و لیست من اللّه لأنه نهی عنها .
الحسن و القبح :
قال السنه : إن العقل لا یدرک حسناً و لا قبحاً ، و إنما الحسن ما أمر به الشرع ، و القبیح ما نهى عنه . و لو أمر بما نهى عنه ، لصار حسناً بعد أن کان قبیحاً أو نهى عما أمر به لصار قبیحاً بعد أن کان حسناً . و یقولون هذا حسن لأن اللّه أمر به ، و هذا قبیح لأن اللّه نهى عنه [۲۵] .
قال الشیعه : العقل یدرک الحسن و القبح مستقلاً عن الشرع و یقولون إن اللّه أمر بهذا لأنه حسن ، و نهى عن ذلک لأنه قبیح .
الأسباب و المسببات :
قال السنه : إن المسببات لا تجری على أسبابها ، و إن جمیع الممکنات مستنده إلیه تعالى بلا واسطه و لا علاقه بین الحوادث المتعاقبه إلا بإجراء العاده بخلق بعضها عقب بعض ، کالإحراق عقب مماسه النار و الری بعد شرب الماء فکل من الإحراق و الری یستند إلى اللّه مباشره ، و لا مدخل إطلاقاً للمماسه و الشرب [۲۶] .
و قال الشیعه إن جمیع المسببات ترتبط بأسبابها ، فالماء هو الذی یروی و النار هی التی تحرق .
و قال السنه : لا یجب على اللّه أن یبعث أنبیاء یبینون للناس موارد الخیر و الشر ، ویجوز أن یترکهم بلا هادٍ و لا مرشد ، لأنه لا یجب علیه شیء ، و لا یقبح منه شیء .
و قال الشیعه : بل تجب بعثه الأنبیاء من باب اللطف الذی یقرب الناس من الطاعه و یبتعد بهم عن المعصیه .
عصمه الأنبیاء :
قال السنه: تجوز الذنوب على الأنبیاء الکبائر منها و الصغائر قبل البعثه ، أما بعد البعثه ، فتجوز الصغائر عمداً و سهواً و الکبائر سهواً ، لا عمداً .
و قال الشیعه : الأنبیاء معصومون من الذنوب کبیرها و صغیرها ، قبل البعثه و بعد البعثه و لا یصدر عنهم ما یشین لا عمداً و لا سهواً کما أنهم منزهون عن دناءه الآباء ، و عهر الأمهات و أن اللّه سبحانه نقلهم من أصلاب طاهره إلى أرحام مطهره منذ آدم إلى حین ولادتهم .
الصحابه :
قال أکثر السنه : إن أصحاب رسول اللّه جمیعهم عدول لا تطلب تزکیتهم [۲۷] .
و قال الشیعه : إن الصحابه کغیرهم ، فیهم الطیب ، و الخبیث ، و العادل ، و الفاسق ، و استدلوا بالآیه ۱۰۱ من سوره التوبه : ﴿ … وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِینَهِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَیْنِ … ﴾ [۲۸] .
و قالوا : بل أنزل اللّه على نبیه سوره خاصه بالمنافقین افتتحها بقوله : ﴿ إِذَا جَاءکَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّکَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ یَعْلَمُ إِنَّکَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ یَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِینَ لَکَاذِبُونَ ﴾ [۲۹] .
الاجتهاد :
للاجتهاد معنیان : الأول أن یستخرج الفقیه الحکم الشرعی فما یرتئیه هو و یستحسنه ، دون أن یعتمد على آیه قرآنیه ، أو سنه نبویه ، أو إجماع قائم ، أو مبدأ ثبت بحکم العقل و البدیهه ، و تسالم على صحته جمیع العقلاء . . و هذا النوع من الاجتهاد یعبر عنه بالرأی ، و هو جائز عند السنه .
أما عند الشیعه فمحرم ، و یستدلون على تحریمه بأنه یعتمد على مجرد الظن و الترجیحات الشخصیه .
المعنى الثانی : ان یجتهد الفقیه فی سند الحدیث من حیث الصحه و الضعف ، و فی تفسیر النص کتاباً و سنّه ، و فی استخراج الحکم من أقوال المجمعین ، و مبدأ العقل الثابت بالبدیهه کمبدأ قبح العقاب بلا بیان ، و مبدأ المشروط عدم عند عدم شرطه ، و ما إلى ذلک من أحکام العقل التی لاتقبل الشک ، و لا یختلف فیها اثنان . . . و قد أجاز الشیعه هذا الاجتهاد لکل فقیه یجمع الشروط المقرره للمجتهد ، ولم یقیدوا اجتهاده بقول إمام من أئمه السلف أو الخلف .
و حرم السنه هذا النوع من الاجتهاد واقفلوا بابه منذ القرن الرابع الهجری ، و حجروا على الفقیه أن یصحح أو یضعف حدیثاً من أحادیث الآحاد أو یعمل بما یفهمه من النص ، أو یستخرج حکماً من مبادئ العقل . إلا إذا وافق رأیه قول إمام من أئمه السلف .
التعصیب :
قال السنه : إذا کان للمیت بنت و أخ ، و لیس له ابن و لا أب فترکته مناصفه بین الأخ و البنت ، و إذا کان له بنتان فأکثر فلأخیه الثلث ، و الباقی للبنتین أو البنات . . . و هذی إحدى مسائل التعصیب الذی عقد الفقهاء له فصلاً خاصاً فی باب المیراث .
و قال الشیعه : التعصیب باطل من الأساس بشتى فروعه و مسائله ، و إن الترکه بکاملها للبنت أو البنات ، ولیس للأخ شیء لأن الولد ذکراً کان أو أنثى یأتی فی الدرجه الأولى نسباً و الأخ فی الدرجه الثانیه ، و العم فی الدرجه الثالثه .
العول :
القاعده فی الإرث أن فرض الزوجه من میراث زوجها الثُّمن إن کان له ولد ذکراً کان أو أنثى ، و للأبوین معاً الثلث و للبنتین الثلثان إذا لم یکن للمیت ابن فإذا افترض أن کان للمیت زوجه و أبوان و بنتان ، و لا ابن له اجتمع على ترکته من له الثمن ، و من له الثلث ، و من له الثلثان و بدیهه أن الترکه لا تتسع للثلث و الثلثین و الثمن ، فإذا أخذ الأبوان الثلث ، و البنتان الثلثین ، لم یبق للزوجه شیء . و إذا أخذت الزوجه الثمن ، دخل النقص على الأبوین أو البنتین ، فماذا نصنع . و هذی إحدى مسائل العول الذی أطال الفقهاء الکلام عنه فی باب المیراث ، و معنى العول هنا زیاده السهام على الترکه .
قال السنه : یدخل النقص على کل واحد بقدر سهمه ، تماماً کأرباب الدیون إذا ضاق مال المدیون عن دینهم .
و قال الشیعه : یدخل النقص على البنتین فقط .
المتعه :
من معانی المتعه الزواج إلى أجل ، و قد اتفق المسلمون قولاً واحداً السنه منهم و الشیعه على أن الإسلام شرعها ، و رسول اللّه أباحها ، و استدلوا بالآیه ۲۴ من سوره النساء : ﴿ … فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِیضَهً … ﴾ [۳۰] .
و جاء فی « صحیح البخاری » [31] : إن رسول اللّه قال لأصحابه فی بعض حروبه: « قد أذن لکم أن تستمتعوا فاستمتعوا . . إیما رجل أو امرأه توافقا فعشره ما بینهما ثلاث لیالٍ ، فإن أحبّا أن یتزایدا أو یتتارکا ترکا » .
و فی « صحیح مسلم » [32] عن جابر بن عبد اللّه الأنصاری أنه قال : « استمتعنا على عهد رسول اللّه ، و أبی بَکر ، و عمر » و فی الصفحه نفسها حدیث عن جابر ، قال فیه : « ثم نهانا عنه عمر » .
و بعد أن اتفق المسلمون على شرعیتها و إباحتها فی عهد رسول اللّه ، اختلفوا فی نسخها : و هل صارت حراماً بعد أن أحلها اللّه ؟
ذهب السنه إلى أنها نسخت ، و حرمت بعد الإذن بها قال ابن حجر العسقلانی [۳۳] « وردت عده أحادیث صحیحه و صریحه بالنهی عن المتعه بعد الإذن بها » و جاء فی الجزء السادس من کتاب « المغنی » لابن قدامه [۳۴] ، ما نصه بالحرف : قال الشافعی: « لا أعلم شیئاً أحله اللّه ، ثم حرمه ، ثم أحله ثم حرمه ، إلا المتعه » .
و قال الشیعه : أجمع المسلمون على إباحه المتعه ، و اختلفوا فی نسخها . و ما ثبت بالیقین لا یزول بمجرد الشک و الظن . و أیضاً استدلوا على عدم النسخ بأن الإمام الصادق سئل : « هل نسخ آیه المتعه شیء قال : لا ولولا ما نهى عنها عمر ، ما زنى إلا شقی » و أن کثیراً من الناس یحسبون المتعه ضرباً من الزنا و الفجور ، جهلاً بحقیقتها ، و یعتقدون أن ابن المتعه ، عند الشیعه ، لا نصیب له من میراث أبیه ، و أن المتمتع بها لا عده لها و أنها تستطیع أن تنتقل من رجل إلى رجل إن شاءت . . و من أجل هذا استقبحوا المتعه ، و استنکروها و شنعوا على من أباحها .
و الواقع أن المتعه عند الشیعه الاثنی عشریه کالزواج الدائم ، لا تتمُ إلا بالعقد الدال على قصد الزواج صراحه ، و أن المتمتع بها یجب أن تکون خالیه من جمیع الموانع ، و أن ولدها کالولد من الدائمه فی وجوب التوارث ، و الإنفاق و سائر الحقوق المادیه و الأدبیه و أن علیها أن تعتد بعد انتهاء الأجل مع الدخول بها ، و إذا مات زوجها و هی فی عصمته ، اعتدت کالدائمه من غیر تفاوت إلى غیر ذلک من الآثار و الأحکام .
و قال الشیعه : تجب الصلاه على النبی و آله فی الصلاه و من لا یصلی علیه و علیهم فیها فلا صلاه له ، و استدلوا بالآیه ۵۶ من سوره الأحزاب : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِکَتَهُ یُصَلُّونَ عَلَى النَّبِیِّ یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَیْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِیمًا ﴾ [۳۵] معطوفاً علیها الحدیث الذی رواه البخاری [۳۶] و هذا نصه بالحرف : « کیف نصلی علیک ـ یا رسول اللّه ـ فقال : قولوا : « اللهم صل على محمد و على آل محمد ، کما صلیت على آل إبراهیم ، إنک حمید مجید » .
و قال السنه : لا تجب الصلاه على آل محمد فی الصلاه و بالأولى فی غیرها . أما الصلاه على محمد دون آله فهی فرض عند الشافعیه و الحنابله ، و تبطل الصلاه بترکها ، و هی سنه راجحه عند الحنفیه و المالکیه ، و تصح الصلاه بترکها [۳۷] .
تاریخهم السیاسی
إن الارتباط وثیق جداً بین تاریخهم السیاسی ، و بین ملوک بنی بویه ، و الأمراء الحمدانیین ، و ملوک إیران من عهد الصفویین إلى الیوم ، و ذکرنا ما یتصل بذلک فی کتاب « الشیعه و التشیع » أما الفاطمیون فقد کانوا من الإسماعیلیه لا من الاثنی عشریه .
و لا بد للمؤرخ لهذه الفرقه أن یدخل فی حسابه الإمارات المستقله ـ غیر أمراء الأقطاع ـ کإماره بنی عمار الذین حکموا طرابلس الشام من أواسط القرن الخامس الهجری إلى سنه ۵۰۲ حین أخذها منهم الصلیبیون .
و أیضاً علیه أن ینظر إلى من تولى الوزاره من هذه الفرقه لدول غیر شیعیه ، کالعلقمی وزیر المستعصم العباسی ، و ابن الفرات وزیر المقتدر .
و أیضاً ینبغی أن یقف طویلاً عند الحوادث و الحرکات الثوریه التی قام بها الشیعه الاثنا عشریه ، للانتفاض على السلطه الحاکمه طلباً للحریه و العداله ، کثوره العراقیین ضد الإنکلیز سنه ۱۹۲۰ میلادی و موقف علمائهم من حکام الجور .
تاریخهم الثقافی
أما آثارهم الثقافیه فیستطیع الباحث أن یعرفها بالحس و الیقین ، لا بالحدس و التخمین ، فهذه المکتبه الإسلامیه العربیه منها ، و غیر العربیه تغص فی مؤلفاتهم من کل فن ، و قد ذکرنا طرفاً منها فی کلمتنا عن آل البیت ، أما منهجهم فی البحث و التألیف فهو الاجتهاد و منطق العقل ، قال الدکتور توفیق الطویل المصری فی کتاب « أسس الفلسفه » [38] : و رأی کارادی فو « أن التشیع رد فعل لفکر حر طلیق کان یقاوم جموداً عقلیاً بدا فی مذهب أهل السنه » و ایضاً [۳۹] : « کان للشیعه فضل ملحوظ فی إغناء المضمون الروحی للإسلام ، فبمثل حرکاتهم الجامعه تأمن الأدیان التحجر فی قوالب جامده » .
و قال الشیخ مصطفى عبد الرازق شیخ الأزهر فی کتاب تمهید لتاریخ الفلسفه الإسلامیه [۴۰] : «إن النزوع إلى تدوین الفقه کان أسرع إلى الشیعه من سائر المسلمین» وقدمنا أن الذهن یتجه عند سماع لفظه الشیعه إلى الاثنی عشریه .
و قال الأدیب أحمد أمین المصری فی کتاب « یوم الإسلام » [41] : « و کان الطوسی ـ أی الخواجا نصیر ـ أسبق من أینشتین فی فهم الزمنیه » .
و فی مجله المجله المصریه عدد تشرین الثانی سنه ۱۹۶۴ مقال بعنوان « نظره جدیده فی الفلسفه الإسلامیه » جاء فیه « صدر فی هذه السنه الجزء الأول من تاریخ الفلسفه الإسلامیه تألیف « هنری کوربان » الأستاذ بالمدرسه العلمیه للدراسات العلیا فی کلیه الآداب بالسوربون ، و قد أعطى للمؤلف الشیعه نصیب الأسد فی تطور الفلسفه الإسلامیه ، و الکثیر من آرائها و اتجاهاتها . . و کذلک أعطى أهمیه کبرى لمیرداماد ، و ملا محسن الفیض ، و عبد الرزاق لاهیجی ، و قاضی سعید القمی ، و صدر الدین الشیرازی ، و سید حیدر آملی ، و الجلال الروانی ، و ابن کمونه ، و محمود شبستری » .
بلدانهم و عددهم
إن إحصاء البلدان و النفوس من الموضوعات العلمیه التی تعتمد على الاستقراء و المشاهدات ، و لا نعرف أحداً أحصى بلدان هذه الفرقه و عددهم على هذا الأساس لنعتمد علیه ، و ننقل عنه و لکن الذی لا شک فیه أنهم من الفرق الکبرى فی الإسلام ، و یأتون بعد السنه من حیث العدد بلا فصل ، و أن العراق و إیران و البحرین و الأحساء و القطیف أکثرهم منهم .
و هم فی لبنان من الطوائف الأولى ، و یشعیشون فیه بحریتهم و کرامتهم ، لأن لبنان من حیث هو بلد الحریه و الکرامه ، و لهم فی هذا البلد تاریخ مجید ، و یعیش العدد الکبیر من الاثنی عشریه فی أکثر البلاد الإسلامیه کسوریه و الحجاز ، و الیمن ، و قطر ، و مسقط ، و عمان ، و الکویت و منهم نواب فی المجلس بترکیا ، و منهم الآن نائبان و یذهب إلیهم بین الحین و الحین بعض علماء النجف و إیران للهدایه و الإرشاد .
و لا یخلو مکان منهم فی أفغانستان ، و بعثات الأفغانیین الدینیه إلى النجف الأشرف مستمره منذ القدیم . و قال لی أدیب أندنوسی اثنا عشری ، و عالم من علماء النجف أقام أمداً غیر قصیر فی أندنوسیا ، قالا : إن عدد الاثنی عشریه هناک یبلغ نحواً من خمسه ملایین .
و یوجد منهم عدد غیر قلیل فی البانیا ، أما الصین فقال الشیخ المظفر فی تاریخ الشیعه : إن فیها ۱۱ ملیوناً ، و فی روسیا ۱۰ ملایین ، و قال صاحب أعیان الشیعه : إنهم فی الهند ۳۰ ملیونا . و فی الجزء الأول من دائره المعارف الإسلامیه الشیعیه التی یصدرها الأستاذ الکبیر السید حسن الأمین ـ باللغه الإنکلیزیه ـ إن عدد الشیعه الیوم یبلغ حوالی مائه و خمسین ملیوناً یقیمون فی شرق الأرض و غربها .
و قال الشیخ محمد أبو زهره المصری فی آخر کتاب الإمام جعفر الصادق : لقد نما المذهب الجعفری ، و انتشر لأسباب :
۱ ـ إن باب الإجتهاد مفتوح عند أهله [۴۲] .
۲ ـ إن المذهب الجعفری قد انتشر فی أقالیم مختلفه الألوان من الصین إلى بحر الظلمات ، حیث أوروبا و ما حولها ، و تفریق الأقالیم التی تتباین عاداتهم و تفکیرهم و بیئاتهم الطبیعیه و الاقتصادیه و الاجتّماعیه و النفسیه . إن هذا یجعل المذهب کالنهر الجاری فی الأرضین المختلفه الألوان یحمل فی سیره ألوانها و أشکالها من غیر أن تتغیر فی الجمله عذوبته .
۳ ـ کثره علماء المذهب الذین یتصدون للبحث و الدراسه و علاج المشاکل المختلفه ، و قد آتى اللّه ذلک المذهب من هؤلاء العلماء عدداً وفیراً عکفوا على دراسته ، و علاج المشاکل على مقتضاه .
———————-
[۱] القران الکریم : سوره هود ( ۱۱ ) ، الآیه : ۱۱۸ ، الصفحه : ۲۳۵ .
[۲] صحیح البخاری : ۹ / کتاب الأحکام
[۳] القران الکریم : سوره الأعراف ( ۷ ) ، الآیه : ۱۸۷ ، الصفحه : ۱۷۴ .
[۴] القران الکریم : سوره الأعراف ( ۷ ) ، الآیه : ۱۸۷ ، الصفحه : ۱۷۴ .
[۵] القران الکریم : سوره الشعراء ( ۲۶ ) ، الآیه : ۲۱۴ ، الصفحه : ۳۷۶ .
[۶] القران الکریم : سوره الشعراء ( ۲۶ ) ، الآیه : ۲۱۴ ، الصفحه : ۳۷۶ .
[۷] مجله الکاتب القاهریه : عدد ینایر ( کانون الثانی ) ۱۹۶۵
[۸] المصدر : عدد فبرایر «شباط» 1965
[۹] صحیح البخاری : ۹ کتاب الأحکام
[۱۰] فتح الباری : ۱۳ / ۱۸۳ طبعه ۱۳۰۱ هجری
[۱۱] صحیح مسلم : ۲ بعنوان کتاب الفضائل
[۱۲] فتح الباری للعسقلانی : ۱۳ / ۱۸۳ و ما بعدها طبعه سنه ۱۳۰۱ هجری
[۱۳] سنن ابن ماجه : ۲ الحدیث رقم ۴۰۸۳
[۱۴] سنن أبی داود : ۲ / ۴۲۲ طبعه سنه ۱۹۵۲
[۱۵] صحیح الترمذی : ۹ / ۷۴ طبعه سنه ۱۹۳۴
[۱۶] نقلاً عن منتخب الأثر للطف اللّه الصافی
[۱۷] المواقف للأیجی: ( المتوفى ۷۵۶ هجری ـ ۱۳۵۵ ) ۱ : ۲۵۱ ، مطبعه السعاده بمصر سنه ۱۳۲۵ هجری .
[۱۸] القران الکریم : سوره محمد ( ۴۷ ) ، الآیه : ۱۹ ، الصفحه : ۵۰۸ .
[۱۹] المواقف للأیجی ۸: ۱۱۵ .
[۲۰] المواقف: ۸ / ۲۰۲ .
[۲۱] فصل وحدانیه التکوین : فقره تعلیل الأفعال
[۲۲] المواقف : ۸ / ۱۷۶ .
[۲۳] المواقف : ۸ / المقصد الخامس و السادس من المرصد الثانی فی المعاد ، و المذاهب الإسلامیه لأبی زهره ، فصل بعنوان « منهاجه و آراؤه » رقم ۱۰۴ .
[۲۴] المواقف : ۸ / المقصد الأول و الثانی ، و السابع من المرصد السادس فی أفعاله تعالى .
[۲۵] المواقف : ۸ / المقصد الخامس فی الحسن و القبح من المرصد السادس فی أفعاله تعالى .
[۲۶] المواقف : ۸ / ۱۴۸و۲۰۳ ـ ۲۰۴ .
[۲۷] کتاب مسلم : الثبوت و شرحه ، وکتاب « أصول الفقه » للخضری .
[۲۸] القران الکریم : سوره التوبه ( ۹ ) ، الآیه : ۱۰۱ ، الصفحه : ۲۰۳ .
[۲۹] القران الکریم : سوره المنافقون ( ۶۳ ) ، الآیه : ۱ ، الصفحه : ۵۵۴ .
[۳۰] القران الکریم : سوره النساء ( ۴ ) ، الآیه : ۲۴ ، الصفحه : ۸۲ .
[۳۱] صحیح البخاری : ۷ / کتاب النکاح
[۳۲] صحیح مسلم : ۲ / باب نکاح المتعه / ۶۲۳ ـ طبعه ۱۳۴۸ هجری .
[۳۳] فتح الباری بشرح صحیح البخاری : ۱۱ / ۷۰ طبعه ۱۹۵۹
[۳۴] المغنی : ۶۴۵ ، طبعه ثالثه .
[۳۵] القران الکریم : سوره الأحزاب ( ۳۳ ) ، الآیه : ۵۶ ، الصفحه : ۴۲۶ .
[۳۶] صحیح البخاری : ۸ ، کتاب الدعوات ، باب الصلاه على النبی
[۳۷] میزان الشعرانی جلد ۱ باب صفه الصلاه . و المغنی لابن قدامى ، جلد ۱ مسأله التشهد .
[۳۸] أسس الفلسفه : ۳۹۰ طبعه ۱۹۵۵
[۳۹] المصدر : ۳۹۱ .
[۴۰] تمهید لتاریخ الفلسفه الاسلامیه : ۲۰۲ طبعه ۱۹۵۹ .
[۴۱] یوم الاسلام : ۸۹ طبعه ۱۹۵۸ .
[۴۲] تکلمنا مفصلاً عن الاجتهاد فی المجلد السابع من دائره المعارف ، و آخر الجزء السادس من فقه الإمام الصادق.