أکلُّ هذا الحزن فی عینیک یا غروب ؟!
أجل أیها المجل الأسود ، أنت الرایه الخضراء التی تعشب فی جدب الزمان . وأنت الضمیر الأبیض الذی یحیی الإنسانَ بالحب والحنان .
وأنت الصرخه الإیمانیه فی وجوه المتاجرین بالدّین ، الذین اشتروا بعلمهم وزیّهم ثمناً قلیلاً ، لا یلبثون إلا برهه ، فیُحمى علیه من نار جهنم ، فتُکوى به جباههم وجنوبهم …
أنت الصرخه التی تفضحهم فی کلّ زمان ومکان ..
للّه درّک یا ابن سیّد شباب أهل الجنه ..
هذا ابن عمّ لک یا زین العابدین ، کنتَ تأتیه فی اللیل متلثّماً ، فتُناوله ما یسدّ حاجته من الصله ، فیقول لک وهو لا یعرفک : ( لکنّ علی بن الحسین لا یواصلنی ، لا جزاه اللّه عنّی خیرا ) … وأنت فی کل مره تسمع سوء أدبه ، فلا یزیدک ذلک إلاّ إصراراً على المواصله الحانیه ، ها هو قد عرف بعد فوات الأوان ، أنّ الملثّم اللیلی هو نفسه الذی کان یدعو علیه بمرأى منه ومسمع !
والتفتَ إلى الوراء ، فإذا الشمس قد غربت تماماً ، ولیس سوى بقایا شفق حزین ..
آه ، ما أعظمک یا ذا الثفنات ؟ ..
یتابع سیره ، وهو یسمع من الناس الباکین أحادیثَ لم یکن سمعها عنک یا ابن الحسین ، ومعاجزَ لم تطرق عقله ، وأشعاراً ما رواها أحد قبل الیوم ، وحکایا دافئه عنک أیها العملاق المعجزه …
یبقى یتلفّتُ إلى الوراء ، لکنّه لا یرى غیر أصیل منتحر ، وظلام مطبق ، إلاّ صفحه من السماء ، کانت تبدو متلألئهً من وراء بحر اللیل اللجیّ ، کأنّها ضفه نور ..
یا ترى أهذا کلّ شیء ؟
وتذکر الذین کانوا یودعون زین العابدین ، کیف أنه أخذ بید أکبر أبنائه ، وراح یتکلم آخر الکلمات بصوت مهیب :
(( یا بنیّ ؛ أخذ بیدی جدّی وقال : یا بنی ؛ افعل الخیر إلى کل من طلبه منک ، فإن کان أهله أصبتَ موضعه ، وإن لم یکن أهله ، کنتَ أهله ، وإن شتمک رجل وتحوّل إلى یسارک واعتذر إلیک فاقبل منه .
یا بنی ؛ خمسه لا تصاحبهم ، ولا توافقهم ، ولا تحادثهم :
وإیاک ومصاحبه الکذّاب ؛ فإنه بمنـزله السراب ، یقرّب لک البعید ، ویبعّد لک القریب .
وإیاک ومصاحبه الفاسق ؛ فإنه بائعک بأکله أو أقل منها .
وإیاک ومصاحبه البخیل ؛ فإنه یخذلک فیما تکون إلیه أحوج .
وإیاک ومصاحبه الأحمق ؛ فإنه یرید أن ینفعک فیضرّک .
وإیاک ومصاحبه قاطع رحمه ؛ فإنی وجدته ملعوناً فی کتاب الله فی ثلاثه مواضع .
یا بنی ؛ اصبر على النوائب ، ولا تتعرّض للحقوق ، ولا تجب أخاک إلى الأمر الذی مضرّته علیک أکثر من منفعتک له )) .
(( أُوصیک بما أوصانی به أبی : اصبر على الحقّ وإن کان مرّاً ، وافعل الخیر إلى کلّ من طلبه منک ، واشکر الله فیما أنعم علیک ، وأنعم على مَن شکرک ، فإنه لا زوال لنعمه إذا شُکرتْ ، ولا بقاء لها إذا کُفِرتْ . والشاکر بشکره أسعد منه بالنعمه التی وجب علیه الشکر لها ، ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّکُمْ لَئِن شَکَرْتُمْ لأَزِیدَنَّکُمْ ) )) [إبراهیم : ۷] .
(( یا بنی ؛ العقل رائد الروح ، والعلم رائد العقل ، والعقل ترجمان العلم … واعلم أنّ العلم أبقى ، واللسان أکثر هذراً ، وأنّ صلاح الدنیا بحذافیرها فی کلمتین ، بهما إصلاح شأن المعایش ؛ ملء مکتال ، ثلثاه فطنه ، وثلثه تغافل ؛ لأن الإنسان لا یتغافل عن شیء قد عرفه ففطن له … واعلم أنّ الساعات تُذهب عمرک ، وأنک لا تنال نعمه إلاّ بفراق أُخرى … وإیّاک والأمل الطویل ، فکم من مؤمّلٍ أملاً لا یبلغه ، وجامعِ مالٍ لا یأکله ، ومانعٍ ما سوف یترکه ، ولعلّه من باطلٍ جمعَهُ ، ومن حقّ منعَهُ .. وأصابه حراماً وورّثه ، واحتمل إصره ، وباء بوزره ، ( ذَلِکَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِینُ ) )) [الحج : ۱۱] .
وتساءل بعضهم حین أُغمی علیه : ترى فی أی عالَم ملکوتی کانت تسبح روحه ؟ …
وانفتحت الآمال من جدید ، حین فتح عینیه وقرأ سوره الواقعه ، وسوره الفتح ، ثمّ قال : (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّهِ حَیْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِینَ )) [الزمر : ۷۴] .
وانتصر أخیراً على سُمّ الطواغیت …
وانفجروا بالبکاء ، وهم لا یدرون أن الأیام المتکتّمه على کنوز علی بن الحسین (علیهما السلام) ، سوف تدور ، وتدور … حتى یظهر بعض من هذا المخفیّ .
وستبهرهم تلک المنظومه المتکامله فی کلّ شؤون الحیاه ، حیث امتدت بموازاه القرآن ونهج البلاغه ، لتفتح الطریق معهما أمام مَن یرید أن یعرف إسلامه کاملاً دون نقص أو تشویش أو تحریف .
آثار مبارکه ، وکنوز لا تقدّر بأی ثمن ، تُفدى لها الأرواح … تداولت بعضَها الأجیالُ آناً بعد آن ، وهی هی على سحرها وهیبتها ونفاذها اللذیذ فی القلوب . وترسّخت کلمهً حبیبه نفض عنها الإمام زین العابدین (علیه السلام) غبار تعدّیات الأیام ، ووشوشات السیاط اللاهبه ، وحسیس فری الأوداج البریئه .. وانتشرت بین الأرجاء أوراق من ذلک الکنـز الإنسانی . وظلّت الأرواح المتألّقه تقرأ فی غلَس اللیالی کلام الإمام السجّاد المنقوش بالنور .