التکفیر ظاهره دخیله على الفکر الإسلامیّ
ویقابل هذه الفکره ویعارضها مظاهر أُخرى قاتمه أخذت بالبروز شیئاً فشیئاً فی أوساط العالم الإسلامیّ، بعد أن سعى العقل الإجرامیّ الأسود للاستکبار العالمیّ إلى ضخّها فی شرایین هذه الأمّه، وبعد أن لاقت هذه المظاهر هوىً فی بعض النفوس الضعیفه والبائسه من المتخاذلین فی عالمنا الإسلامیّ..
ولعلّ أبرز هذه المظاهر وأخطرها وأکثرها تجلّیاً ووضوحاً فی الآونه الأخیره هو ظاهره التکفیر، تکفیر بعض المسلمین لبعض، والذی یستتبع ما یستتبعه من استباحهٍ للأعمال الإرهابیّه المفسده، من إرعاب الآمنین وترویعهم، وقتل النفوس البریئه، وسفک الدماء الطاهره.
وقد لاحظنا أنّ الأمّه الإسلامیّه ـ وبعد أن کانت قد مرّت سابقاً فی بعض مراحلها بعصرٍ ذهبیّ لتفعیل عناصر الوحده الإسلامیّه وإحکام وترسیخ قواعدها ومکوّناتها فی قلب المجتمعات الإسلامیّه ـ قد أخذت فی الآونه الأخیره تنحو شیئاً فشیئاً نحو التخلّی عن فکره الوحده، وشاهدنا فیها تراجعاً لمظاهر الانسجام والتآلف والتآخی بین المسلمین، بعد أن کانت هذه المظاهر تعمّ أرجاء الإسلامیّ. ولم یکن من الصدفه فی شیءٍ أن یتزامن هذا التراجع والارتکاس مع عوده الاستعمار الأجنبیّ والغربیّ إلى تفعیل أعماله ومخطّطاته الإجرامیّه فی بلاد المسلمین، فلطالما کان الاستعمار یحترف الاصطیاد فی المیاه العکره، ولطالما کانت مهمّته هی صبّ الزیت على النیران الملتهبه.
وهذا ما یدعونا إلى طرح التساؤلات التالیه:
فلماذا یا تُرى تراجعت فکره الانسجام بین المسلمین بعد أن کانت تهیمن على الروحیّه الإسلامیّه السائده؟
أهو قصور وإفلاس فی الفکر الإسلامیّ بحیث صار أقطاب هذا الفکر عاجزین عن تقدیم النظریّات أو الأطروحات التی تؤسّس وتنظّر للانسجام والاتّحاد بین المسلمین؟!
أم أنّه خلل أو ضعف على مستوى التنظیم والتخطیط لاستحکام عُرى هذا الانسجام بین المسلمین على المستویات: الروحیّه والسیاسیّه والاجتماعیّه والثقافیّه و..؟!
أم أنّه الارتداد والابتعاد عن روح الإسلام، والاستسلام والیأس والتخاذل إلى حدّ الارتماء فی أحضان الأفکار الدخیله والقاصره والمشبوهه؟!
أم أنّها فقط المؤامره التی تُحاک لتشویه الفکر الإسلامیّ وتمزیق المسلمین وشرذمتهم، وهی حاله التأصیل لسیاده الفرقه والتشتّت والاحتراب فیما بینهم، حتى صار الاحتراب بین المسلمین دیناً، وصار قتل المسلم للمسلم وانتهاک المؤمن لحرمه المؤمن ضمانهً للآخره وسبباً لدخول الجنّه؟!
الحقّ أنّ کلّ هذه العوامل مجتمعه ـ وغیرها ـ هی دخیله فی حصول هذه الحاله البائسه. وإنّ التکفیر الذی تمارسه بعض الجماعات المتطرّفه التی تزعم الانتماء إلى الإسلام، لیس من الفکر الإسلامیّ الأصیل فی شیء، کما أنّ الإسلام والمسلمین لم أن یألفوا فی أیّ مفصلٍ تاریخیّ هذه الحاله الشاذّه التی بلغت أوجها وذروتها فی عصرنا الحالیّ، وأمّا ما کان یحصل من الاختلاف فی الرؤى والتوجّهات فی بعض الأحیان فإنّما هو اختلاف سلمیّ وحضاریّ یحمل طابعاً فکریّاً، فقهیّاً أوعقائدیّاً وکلامیّاً، ولم یکن فی السابق ما یؤجّج هذا الخلاف ویخرجه عن طوره السلمیّ إلّا تدخّل السیاسه وأهواء الحکم والسلطه فیه، وإلّا، فإنّ الاختلاف فی الآراء الفقهیّه والکلامیّه بطبیعته من الممکن أن لا یکون له أیّ تأثیرٍ سلبیّ على واقع الحیاه، ولا حتى على مجریات السیاسه، لا بل، على العکس من ذلک، فإنّه قد یکون نافعاً ومفیداً وذا آثار إیجابیّه للغایه.
ولذلک نقول: إنّ فکره التکفیر والقتل هی فکره دخیله طارئه على الوضع الإسلامیّ، وإنّ ثقافه التکفیر هی أصلاً ثقافه غیر أصیله، فالأحادیث الکثیره المنقوله فی کتب المسلمین، من الفریقین، سنّهً وشیعهً، هی أحادیث تشیر صراحهً ـ وبألفاظٍ متقاربه نقلتها الصحاح والکتب المعتبره ـ إلى حرمه دماء وأموال کلّ مسلم ینطق بالشهادتین: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله، إضافه إلى فتاوى الفقهاء من الفریقین بتحریم قتل المسلم إلّا بحقّه، وإذا کان الفقهاء یحرّمون اغتیاب المسلم وذکره بالسوء، بل حتى ظنّ السوء به أفلا یکون تحریم قتله وسفک دمه والتمثیل به أَولى؟!!
إنّ ابتعاد المسلمین عن خطّ الرساله الأصیل من جهه، والاستعمار المقیت بأجهزته الدعائیّه وفضائیّاته الإعلامیّه التی أدّت إلى وقوع المسلمین فی الشبهات والأوهام والشکوک، من جههٍ ثانیه، هما المسؤولان عن وجود هذه الظاهره وانجرار بعض المسلمین السذّج إلیها. وإنّنا نعتقد أنّ هؤلاء التکفیریّین لم یستخرجوا قوانین القتل وانتهاک حرمه إخوانهم المسلمین إلّا من حجج واهیه وموهونه لا تجد لها أیّ تفسیرٍ سوى الجهل والحماقه والتخلّف الحضاریّ، غافلین عن أنّهم بذلک یصبحون، من حیث اشتهوا أو لم یشتهوا، مجرّد أدوات رخیصه لتنفیذ المخطّط الصهیونیّ والأمریکیّ الرامی إلى تمزیق هذه الأمّه وإماته روح العزّه فیها..