معنى التّوحید الحقیقی
إذن الأدیان السماویّه کلّها متّفقه على عدم جواز عبودیّه الإنسان لغیر الله تعالى. وهذا المعنى هو الذی أکّد علیه القرآن الکریم أیضاً، بل بیّنه بشکلٍ أعمق، وهو کون التّوحید یعنی: (التّوجّه والحرکه نحو الله تعالى، ورفض الأصنام والقوى الشیطانیّه …)، فلا یعدّ الإنسان موحّداً حقیقیّاً فیما لو أشرک مع الله معبوداً آخر، وهذا المعبود الآخر تاره یکون من خلال فرض إله آخر مع الله تعالى ـ وهو أبرز أمثله الشرک ـ، وأخرى من خلال الإنصیاع وراء الدّنیا وما فیها من المال والجاه والسّلطه، حیث مع هذا الإنصیاع سوف یشترک توجّه الإنسان وحرکته نحو الله تعالى، مع توجّهه وحرکته نحو الدنیا، وهذا نوع من الشرک أیضاً. فلا یقتصر الأمر على فرض شریکٍ لله تعالى فی الربوبیّه، کما قد یظنّ البعض، وعلیه یعتبر الکثیر من النّاس أنفسهم موحّدین مع إنصیاعهم نحو الدّنیا وغیرها. نعم بالمعنى العامّ للتّوحید والذی یعنی التّوحید فی الدّین مقابل الأدیان أو الإعتقادات التی تصرّح بوجود شریکٍ، فهم موحّدون. لکن من المؤکّد أنّ الأدیان السماویّه لم تکن ترید هذا المعنى العام فی دعوتها للتّوحید!
ثمّ إنّ الإعتقاد بالتّوحید له تأثیره الواضح على سلوک الفرد والمجتمع، حیث إنّ الإنسان المعتقد بالتّوحید الحقیقی والمخلص فی عبودیّته لله تعالى، لا شکّ أنّه لن یسمح لأحد بإستعباده وإذلاله والخضوع له، بل سیعتقد بأنّ حقّ الخضوع والتّذلل لله تعالى وحده لا غیر، وسوف لن یسمح لنفسه بالإنصیاع وراء الدّنیا الفانیّه وخوض المعارک الظالمه لأجل الحصول علیها. وبالطّبع هذا السلوک عند الفرد لو أخذ طابعاً عامّاً سینعکس على المجتمع کلّه، وسوف یتمکّن المجتمع من بناء نفسه وتطویر إمکاناته ـ الإقتصادیّه والسیاسیّه وغیرها ـ لأنّ هدف الجمیع سیکون نحو تحقیق الکمال ورضى المعبود الواحد، ولن یکون هناک تنافساً ـ ظالماً وشیطانیّاً ـ بین أفراد المجتمع، بخلاف ما لو کان کلّ أو أغلب أفراد المجتمع یشرکون عبودیّه الدنیا مع عبودیّه الله تعالى، فإنّ هؤلاء سوف یکون توجّههم وهدفهم ـ مضافاً إلى الله ـ هو المال والجاه والمناصب، وهذا ما لا یتناسب مع بناء المجتمع وقوّته.
وهناک معنى آخر للتوحید، وهو توحید حقیقیّ أیضاً إلّا أنّه معاکس للتوحید الأوّل، فإنّ أکثر الأشخاص قد وصل بهم الأمر فی عبودیّه الدنیا وما فیها من الشهوات والجاه والمال والسلطه، إلى حدٍ لم یعد یَرون معها أیّ شریکٍ على الإطلاق، بل هم متوجّهون نحو الدنیا بکلّ ما یملکون من قوّه وأحاسیس. وللأسف الشدید فإنّ الکثیر من هؤلاء هم من مَن یدّعون الإسلام ـ أکثر الأدیان حفاظاً على معنى التّوحید بعد کلّ هذه المدّه الذی مرّ بها ـ. فبالله علیکم لو نظرنا إلى کبار القوم ـ الحکّام والمسؤولون ـ فی دولنا العربیّه الرّافعه لشعار الإسلام، هل کنّا لنجد منهم مَن یوحّد الله تعالى؟ بل أکثر! هل کنّا لنجد فیهم مَن یشرک فی العبودیّه؟ طبعاً لا، فلن نجد إلّا عبّاداً للدنیا والشّهوات والمناصب دون أیّ توجّهٍ لله تعالى. ومع ذلک نجد هؤلاء کلّهم یشترکون فی عباده صنمٍ واحد یوجّههم جمیعاً، والکلّ یخاف عقابه، ألا وهو ـ الولایات المتّحده الأمریکیّه ـ!
ومن هنا فإنّ الذی أوصل المسلمین والعالم کلّه، إلى هذه الدّرجه من الإنحطاط والتّخلف الفکری، وعباده السلاطین والطّواغیت والخضوع لهم والتّذلّل تحت أقدامهم، هو عدم الإعتقاد والعمل بالتّوحید الحقیقی الذی یرفض کلّ أنواع الخضوع والذّل لغیر الله تعالى، بخلاف ما لو کان العرب والمسلمون ـ الذین هم أکثر الناس معاناه من الظلم الممارس من الولایات المتّحده الأمریکیّه ـ متمسّکین بالتّوحید الحقیقی الذی یضمن لهم النجاح والفلاح على کلّ المستویات، فقد قال الرسول الأکرم: (قولوا: لا إله إلّا الله تفلحوا)، ومن المؤکّد أنّ مراده لیس القول المجرّد عن الفعل. فما أکثر هؤلاء الذین یردّدون کلمه ـ لا إله إلّا الله ـ مراراً وتکراراً، دون أن ینعکس ذلک على أفعالهم، بل لعلّهم أکثر الناس تعلّقاً بالدّنیا!