انتظار الفرج عقیده إسلامیّه حیویّه
وینتج عن هذا المائز والفارق الجوهریّ: خلود الشریعه الإسلامیّه، وصلوح منهجها لکلّ زمان ومکان، ولکن شریطه أن یتاح لها المساحه التطبیقیّه النقیّه والنموذج الصحیح الذی یمارسها فی الخارج، وعلى العکس من ذلک، لو ابتلیت بنموذج نفعیٍّ مستبدّ، من أمثال دول الاستکبار العالمیّ المتمثّله بأمریکا وبطانتها، وصولاً إلى طغمه الحکّام الفاسدین الذین تسلّطوا على رقاب العرب والمسلمین لعقود وسنوات؛ فإنّ ذلک سوف یقودها إلى الجمود ویعرّضها للتشویه، الأمر الذی یتطلّب هزّه عنیفه فی مساحه التخریب تعید للدین حیویّته، وتمنح الجماهیر ثقتها بدورها الرسالیّ العظیم.
ومن هنا، تتجلّى أهمّیّه مفهوم (الانتظار)، انتظار الفرج، الذی یطرحه الدین الإسلامیّ بوصفه نموذجاً إسلامیّاً بارزاً یتقوّم بمنابذه الظلم ورفض الفساد بجمیع أشکاله ومستویاته، ومقارعه الاستبداد والانحراف.
بل یمکن القول: بأنّ أهمّیّه مفهوم الانتظار تتخطّى حدّ جعله مفهوماً کسائر المفاهیم الإسلامیّه الأُخرى؛ إذ الانتظار ما هو إلّا تکریس لخلود الإسلام وأبدیّته واستمراره، وتجدید للمنهجیّه الدینیّه الصحیحه التی شیّدها الرسول الأعظم (ص) وأصحابه المخلصون؛ لأنّ الانتظار یعنی ـ فیما یعنیه ـ: الثوره على الواقع الفاسد الذی بدأ ینفصل تطبیقیّاً عن ثوابت الرساله وضروریّات الشریعه الإسلامیّه.
ومن هذا المنطلق، رکّز الإسلام بشکلٍ لافت على هذه المسأله، [لقد کان لکم فی رسول الله أسوه حسنه]، وأولاها اهتماماً واسعاً من أجل تحقیق أهدافه المتوخّاه. فکان أن استطاع الأنبیاء والأوصیاء والمصلحون، وعبِر تجسیدهم الحیّ لما یؤمنون به من مبادئ وأفکار، أن یغیّروا وجه التاریخ ویترکوا بصماتهم واضحهً فی سجلّاتهم ، فهم لم یقتصروا فی حرکتهم الإصلاحیّه، وفی تربیتهم للأجیال، على مجرّد التعبیرات والنظریّات المجرّده، کما نراه لدى بعض الفلاسفه الذین تقوقعوا مع أفکارهم واستدلالاتهم، فبقوا أبعد عن دائره التأثیر والتغییر، رغم أنّ کثیراً من أفکارهم لا تقلّ فی صحّتها وقوّتها عمّا نادى به المصلحون، والسرّ یکمن فی أنّهم ظلّوا یتکلّمون مع العقل المجرّد، ولم ینزلوا إلى عالم القلب لیملکوا حینئذٍ أحاسیس ومشاعر الناس.
ومن هنا، جاءت الرؤیه الإسلامیّه لمفهوم الانتظار رؤیهً حضاریّه متقدّمه، رؤیه تُبعد هذا المفهوم عن کلّ التهم والجوانب السلبیّه التی یُحاول البعض أن یُلصقها ـ إفکاً وزوراً ـ بفکره انتظار المصلح العالمیّ، بدعوى: أنّ هذه الفکره تشلّ المجتمع الإسلامیّ، وتقیّد حرکته، وتحول بینه وبین أن یتقدّم نحو الأمام..
والواقع، أنّ مفهوم الانتظار فی الرؤیه الإسلامیّه أبعد ما یکون عن ذلک کلّه، فالانتظار الذی یدعو إلیه الإسلام إنّما هو انتظار من نوعٍ خاصّ، وهو الانتظار الذی یکون فیه الشخص المنتظِر مدعوّاً إلى الإعداد والتمهید للمصلح الذی ینتظره، فهو انتظار عملٍ وحرکه ونشاط، ولیس انتظار جلوس وسکون واستسلام وتکاسل وتخاذل..
ومن الواضح، أنّ رؤیهً ونظرهً کهذه، إذا ما تمّ تعمیمها ونشرها فی أوساط المجتمعات الإسلامیّه، فإنّها تکون کفیلهً بتفجیر کوامن الوعی فی أذهان وسلوکیّات أبناء الأمّه الإسلامیّه وغیرها، وقادرهً على إنتاج أفرادٍ مسؤولین رسالیّین، وبالتالی: فهی نظره نحتاج إلیها بشدّهٍ، لا بل لا یمکن أن نستغنی عنها أبداً فی عملیّه صناعه وإنتاج المجتمع الرسالیّ المنشود الذی یصبو إلى تحقیق وإرساء وإحلال وتطبیق قیم السماء على الأرض.
ومن الجدیر ذکره: أنّه کلّما أمعنت السلطات الحاکمه فی أسالیبها الإجرامیّه، وابتکرت طرائقها العصریّه لإذلال الشعوب وقهرها، یحمل (الانتظار) فی أحداثه وثقافته آلیّاته الخاصّه التی تجعله قابلاً للامتداد والتوسّع، ممّا أکسب روّاد الإصلاح ودعاه نهضه الشعوب القدره على استلهامه فی مراحل تحرّکهم الحضاریّ والاستناره به فی عبورهم إشکالیّات الواقع المظلم وتعقیدات العملیّه الإصلاحیّه.
وهذا ما یمنح مفهوم الانتظار قیمته لدى رجالات الإصلاح، ویبرزه کواحدهٍ من موادّ الإصلاح الخالده، من أجل تحریکه للشعوب المضطهده، وکشفه للواقع المتلبّد، وصنعه المستقبل المشرف، حتى یسلک الإنسان سبیل المواجهه الساخنه ضدّ قوى الشرّ وخصوم الإنسانیّه.
ومن هنا، نستطیع أن نعرف السرّ فی کثره النصوص الإسلامیّه التی تتحدّث عن الانتظار وآثاره، من طمأنه نفسیّه المنتظِرِین بالنصر، وتحقیق الفرج، وإحیاء قیم الحق والعداله فی حیاه الإنسان، وتقریر مبدأ الاستخلاف فی الأرض للمؤمنین، قال تعالى: [ونرید أن نمنّ على الذین استُضعفوا فی الأرض ونجعلهم أئمّهً ونجعلهم الوارثین]. ومن السنّه الشریفه: (انتظار الفرج بالصبر عباده)، و(انتظروا الفرج ولا تیأسوا من الله، فإنّ أحبّ الأعمال إلى الله عزّوجلّ انتظار الفرج).
فما أحوجنا ـ نحن المسلمین ـ فی عصرنا الحالیّ إلى إعاده تفعیل هذا المفهوم وتکریسه فیما بیننا، وعندئذٍ فقط: تهون علینا المصاعب التی تواجههنا، ونتمکّن من المضیّ قدماً ونحن واثقون بتحقّق الوعد الإلهیّ، وفی القریب العاجل، إن شاء الله.