مسؤولیات الحکومات الإسلامیه أمام الغزو الثقافی
ولا نرید أن نسجل ، فی هذه المقدّمه ، أسباب ذلک ؛ إنّما نرید أن نشیر إلى حقیقه أساس ، هی : عجز الأنظمه السیاسیه عن معالجه هذه المشکله معالجهً جذریه ، رغم ما حقّقته من إنجازات تکنولوجیه وعلمیه .
وفی الحقیقه ، أنّ أسالیب الأنظمه السیاسیه الممزّقه عقّدت المشکله ، وأضافت إلیها عنصراً آخر ؛ حین أوجدت ـ بتلک الأسالیب ـ فئه من أفراد المجتمع تعیش فی رفاهٍ ونعیم ، وحرمت الأکثریه من أفراد المجتمع حقّها من وسائل الحیاه الضروریه .
وفی ظل هذه الأجواء ، والطرق الفاشله ، تقدّم الإسلام بأفکاره وأسالیبه العلمیه لمعالجه مشکله الحرمان ، فَضَمِن حقوق الضعفاء والمحرومین ، وفرض لأجلهم الضرائب الخاصه ، وألزم الدوله بالصرف علیهم ، وتأمین حاجاتهم الضروریه ، ودفع أفراد المجتمع إلى إخراج نصیب الضعفاء من ثرواتهم بعد تحدیدها ، وجعل ذلک عباده مقدّسه . وبذلک استطاع تشخیص أصل المشکله ووضع العلاج الحاسم لها .
صحیح أنّ التجربه الإسلامیه الأولى قد شهدت بعض ألوان الفقر والحرمان ، إلاّ أنّه ینبغی الإشاره إلى أنّ ذلک الحرمان یرجع إلى ندره الثروات فی منطقه الجزیره العربیه التی شهدت التجربه الإسلامیه الرائده ولا یتّصل بالتشریعات الإسلامیه بهذا الخصوص ، بل یمکن القول أنّ التشریعات الإسلامیه ساهمت إلى حدٍّ کبیر فی تقلیص آثار القحط والجدب الطبیعی ، ووضعت المجتمع على بدایه طریق الثراء والرفاه ، المقترن بالإیمان .
ولم تمضِ فتره طویله من عمر التجربه الشابه حتى وجد المجتمع الإسلامی نفسه یعیش فی بحبوحه من الخیرات والنِّعم . لکن الابتعاد بعد ذلک عن المنهج السیاسی الصحیح ، وما نجم عنه من اختلافات سیاسیه ، أدى إلى سوء التوزیع ، وحرمان الأکثریه من النِّعم والخیرات التی ظفر بها المجتمع الإسلامی .
ومهما یکن من أمرٍ ، فانّ مسئولیه النظام السیاسی عن النجاح فی معالجه أیّه مشکله اجتماعیه ، تبدأ عندما تتوافر لذلک النظام فرصه التطبیق الکامل لأفکاره ومناهجه ومفاهیمه ، سواء التی ترتبط بتلک المشکله ، أو التی تتّصل بسائر شئون ومشاکل المجتمع . أمّا أن نطالبه بحلول حاسمه لمشکله اجتماعیه ، ثمّ لا نسمح له بتطبیق قِیَمه وأفکاره وتشریعاته العامه المرتبطه بسائر شئون المجتمع ، والتی تتّصل بالمشکله المذکوره ، فهذا ممّا لا ینبغی ترقّبه إطلاقاً .
وعلى هذا ، فإنّنا فی هذا البحث سندرس أسباب وجذور مشکله الحرمان .
أسباب وآثار مشکله الفقر :
یعدّ الفقر ظاهره من ظواهر المجتمع الإنسانی ، تتّصل مباشره بنوعیه العلاقات الاجتماعیه السائده ، وبطبیعه الأفکار الرائجه فی المجتمع . فالطبیعه ـ فی ضوء المفهوم الإسلامی ـ زاخره بأنواع الخیرات والنعم ، ولو استطاع الإنسان أن یستثمرها لزال الفقر عن الساحه الاجتماعیه تماماً ، فقد خلقها الله لتفی بجمیع حاجات الإنسان والمجتمع ، إلاّ أنّ جهل الإنسان بحقائق الطبیعه ، وطریق استغلالها ، أو تفشّی الظلم الاجتماعی ، أدّى إلى الحرمان والفقر . وعلى هذا الأساس ، یتّضح خطأ بعض التحلیلات المادیه التی نظرت إلى جانب من جوانب المشکله ، وهی صله الطبیعه بالحرمان ولم تلاحظ صله السلوک الإنسانی ومعاییره العامه بتلک المشکله .
صحیح أنّ للثروات الطبیعیه ، والموقع الجغرافی ، دوراً أساساً فی تحدید ثروه المجتمع ، إلاّ أنّه ثمّه حقیقه أساس یحرص بعض الاتجاهات الفکریه المادّیه على إخفائها ، وهی أنّ الطبیعه زاخره بالثروات اللازمه لسدّ حاجات الإنسان وإشباع رغباته ، إلاّ أنّ تلک الاتجاهات غالباً ما ترى أنّ السبب الحاکم فی تصنیف المجتمعات إلى غنیه وفقیره ، یتّصل بالموقع الجغرافی ، وحجم الثروات التی تتمتع بها تلک المجتمعات وتنفی صله العلاقات الاجتماعیه ، ونوعیه الأفکار السائده فی المجتمع بمسألتی الفقر والغنى .
وإذا کان الفقر ظاهره منشؤها عوامل طبیعیه وأخرى بشریه ، فإنّه لا بد من التفتیش عن العوامل البشریه منها وتحدیدها من أجل علاج هذه الظاهره الخطیره فی حیاه المجتمعات الإنسانیه .
ویمکن تسجیل أسباب الفقر ضمن العناوین التالیه :
أوّلاً : العقیده الفاسده .
ثانیاً : الجهل بقوى الطبیعه وثرواتها .
ثالثاً : الظلم الاجتماعی .
رابعاً : القصور الشخصی .
خامساً : النهب الاستعماری المباشر وغیر المباشر .
وندرس هذه العوامل هنا بشیء من التفصیل :
أوّلاً ـ العقیده الفاسده :
إنّ الاعتقادات الباطله ، ولا سیّما إذا بلغت مستوى الکفر بالله سبحانه ، فإنّها تؤدّی إلى ممارسه سلوک منحرف یساهم فی بروز ظاهره الفقر بین فئات المجتمع ، ویمکن استعراض صله العقیده بالفقر فی عدّه محاور:
المحور الأوّل : أنّ الکفر بالله معناه نکران الحقّ المطلق ، ممّا یؤدی إلى عدم التعامل مع الحقائق الموضوعیه تعاملاً واقعیاً تقتضیه تلک الحقائق ، فالمنهج المادی القائم على أساس الکفر بالله یقع فی أخطاء جسیمه فی سائر مفرداته ونتائجه ، بنسبه حجم الجوانب غیر المشاهده فی الظاهره الوجودیه ، أو القیمه الخلقیه کقضیه العدل فی توزیع الثروه .
ثمّ إنّ الکفر بالحقیقه المطلقه یترتب علیه فهم مغلوط للحقائق الطبیعیه ، والکونیه الأمر الذی یؤدّی إلى انعکاس نتائج هذا الجهل على معیشه الإنسان نفسه .
المحور الثانی : إنّ الکفر بالله موجب لاستحقاق العقاب الأخروی ، وفی بعض الأحیان یکون العقاب دنیویاً من قبیل حرمان الإنسان من الخیرات . کما یحکی لنا القرآن الکریم ذلک فی قصّه صاحب الجنّه : ( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَیْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَیْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَیْنَهُمَا زَرْعاً * کِلْتَا الْجَنَّتَیْنِ آتَتْ أُکُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَیْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً * وَکَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ یُحَاوِرُهُ أَنَا أَکْثَرُ مِنکَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِیدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَهَ قَائِمَهً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّی لأَجِدَنَّ خَیْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ یُحَاوِرُهُ أَکَفَرْتَ بِالَّذِی خَلَقَکَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَهٍ ثُمَّ سَوَّاکَ رَجُلاً * لَّکِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّی وَلا أُشْرِکُ بِرَبِّی أَحَدا * وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَکَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّهَ إِلاّ بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنکَ مَالاً وَوَلَداً * فَعَسَى رَبِّی أَن یُؤْتِیَنِ خَیْراً مِّن جَنَّتِکَ وَیُرْسِلَ عَلَیْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِیداً زَلَقاً * أَوْ یُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِیعَ لَهُ طَلَباً * وَأُحِیطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ یُقَلِّبُ کَفَّیْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِیهَا وَهِیَ خَاوِیَهٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَیَقُولُ یَا لَیْتَنِی لَمْ أُشْرِکْ بِرَبِّی أَحَداً * وَلَمْ تَکُن لَّهُ فِئَهٌ یَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا کَانَ مُنتَصِراًً ) . [ الکهف : ۳۲ – ۴۲ ] .
فنوع العقاب فی هذه القصّه هو إتلاف الزرع ، وقد یکون نوع العقاب إهلاک الإنسان نفسه ، وإتلاف ثرواته کما یحکی لنا القرآن ذلک فی قصّه قارون .
وفی ضوء هذه النصوص ، تتّضح صله الکفر بالحرمان والفقر حیث یتدخّل الله سبحانه وتعالى بشکل مباشر فی حرمان الإنسان الکافر من خیرات الأرض أو السماء .
فهناک صله بین العقیده الفاسده ، والفقر کظاهره اجتماعیه . وثمه صله بین العقیده الصحیحه ـ الإیمان ـ وبین الرفاه کظاهره اجتماعیه أیضا . وهذه الصله ـ الأخیره ـ تنشأ بتدخل مباشر من قبل الله سبحانه من خلال زیاده النعم ، کما قال تعالى: ( لَئِن شَکَرْتُمْ لأَزِیدَنَّکُمْ ) [ إبراهیم : ۷ ] .
أو من خلال الاستثمار الصحیح والسلیم لخیرات الأرض خلال ما یؤدّیه الإیمان من توازن روحی وفکری وسلوکی فی حیاه الفرد والجماعه .
ثانیاً ـ الجهل بقوى الطبیعه وطرق استغلالها :
جهل الإنسان بقوى الطبیعه وفقدانه الخبره اللازمه لاستثمارها سببٌ آخر من أسباب الفقر ، ویمکن بحث هذا العامل ضمن محورین :
۱ ـ الجهل بقوى الطبیعه : فالإنسان بوصفه کائناً حیاً یعیش على هذه الأرض ، یتحتّم علیه أن یمارس حیاته المادیه ویطوّرها وفقاً لحجم إدراکه لقوى الطبیعه وطرق الاستفاده منها . وعلى هذا الأساس یمکن ربط تطوّر ثروه المجتمع تاریخیاً بمقدار اتصال الإنسان بقوى الطبیعه فی عملیه اکتشاف ومعرفه کنوزها وتسخیرها . فکلّما تعمقت ونضجت حرکه الاکتشاف والمعرفه وما یتبعها من عملیات استغلال ، تعدّدت وسائل إشباع حاجات الإنسان ورفاهیته . وکلّما انصرف عن معرفه قوى الطبیعه وثرواتها ، تقلّصت وسائل إشباع حاجاته ، وضاقت مساحه الرفاه .
وفی الواقع لا تزال مجالات واسعه من ثروات الطبیعه وقواها مجهوله بسبب النزاعات السیاسیه والفکریه ، وما یتبعها من ظواهر اجتماعیه شاذه ومعقّده ، تحول دون التوجّه الکامل لمعرفه واستثمار قوى الطبیعه وثرواتها . ومن الواضح أنّ الجهل بقوى الطبیعه ، ودورها فی إشباع حاجات الإنسان ، یؤدّی إلى توسیع دائره الحرمان والفقر ، حیث تستطیع فئه قلیله توظیف مدّخرات الطبیعه لحسابها القومی أو الشخصی ، لمعرفتها طرق استثمارها ، فی حین تعیش أغلب فئات المجتمع وهی محرومه من فرص الانتفاع بثرواتها .
۲ ـ تخلّف وسائل استغلال الثروات الطبیعیه : وثمّه عنصر آخر یساهم فی ضعف عملیه توظیف الطبیعه فی إشباع حاجات الإنسان ، وهو تخلّف التقنیه والقدرات الفنیه لاستثمار الطبیعه .
فقد یکون المجتمع غنیاً بموارده وإمکاناته ، إلاّ أنّه یجهل طرق استثمار تلک الموارد ، ولذا فإنّ عنصر ضعف القدرات الفنیه ، وعدم امتلاک التقنیه اللازمه یدخل فی مرکب الحرمان بوصفه عاملاً أساساً من عوامل الفقر .
ثالثاً ـ الظلم الاجتماعی :
الظلم الاجتماعی الذی یمارسه بعض الأفراد تجاه بعض آخر ، یشکل ـ هو الآخر ـ عاملاً أساساً لظهور مشکله الفقر . وللظلم الاجتماعی اتّجاهات عدیده تتغیّر تبعاً للظروف الاجتماعیه ، وتبعاً للحاله التی یعیشها الفرد ، والمجتمع ، والسلطه .
وفیما یلی نسجل أهم اتّجاهات الظلم الاجتماعی :
۱ ـ صیاغه المجتمع على أسس جاهلیه ( طبقیه ، فکریه منحرفه ، عنصریه ) ، حیث یتمتّع ـ فی ضوء هذه الصیغه ـ حفنه محدوده بکلّ فرص الثراء ، فی حین تعیش الغالبیه من الناس محرومه من أبسط حقوقها الأساس . وفی الواقع أنّ صوراً عدیده من حالات الفقر ، تستند إلى هذا العامل ، فالکثیر من الناس هم فقراء لأنّهم ینتمون إلى قبیله ، أو طبقه ، أو فئه معینه من الناس !! کما أنّ بعض الناس صار غنیّاً لأنّه ینحدر من طبقه ، أو قبیله أو فئه معیّنه !! وهکذا یتّضح أن تشکیل فئات المجتمع على وفق تلک الموازین یساهم إلى حدّ کبیر فی نشوء ظاهره الفقر .
۲ ـ وهناک لون آخر من ألوان الظلم الاجتماعی الذی یسبب نشوء ظاهره الفقر ، وهو الظلم المتّصل بالعلاقات الاقتصادیه بین أفراد المجتمع ، ففی غالب الأحیان یتّجه أفراد المجتمع إلى ترتیب معاملاتهم ، وتجاراتهم ومکاسبهم على أسس غیر عادله . حیث یتّجه بعض أفراد المجتمع إلى رفع أسعار السلع بشکلٍ کبیرٍ ، أو إلى احتکارها ، أو استیفاء المنافع والخدمات بأجور زهیده أقلّ من قیمتها بلحاظ منظومه الأسعار الرائجه ، أو بلحاظ نوع العمل المبذول ، وفی أحیان أخرى یمارس بعضهم التطفیف فی المیزان . . وإلى ما هنالک من صور وحالات اقتصادیه غیر عادله تؤدّی إلى سحب أموال الناس بالباطل ، واستغلال طاقات الناس بدون مقابل . وجمیع هذه الحالات یؤدّی إلى ظاهره الفقر ؛ وذلک لأنّها لا تظل محصوره ضمن علاقات فردیه ، بل تمتد فی عمق العلاقات الاقتصادیه وتتحوّل إلى ظاهره عامه ، وحیث إنّ أسعار الخدمات وأجور الأعمال مترابطه ، فإنّ ذلک التضخّم فی أسعار السلع والتلاعب بالمیزان ، أو حالات الغش الأخرى سوف تؤثّر مباشره فی دخل أفراد المجتمع بصوره حاده ، من خلال انخفاض القوه الشرائیه لفئات المجتمع ، فتنمو بذلک ظاهره الفقر وتتزاید مع استمرار تلک الممارسات .
والذی یعقّد المشکله أنّ هذه الحالات والممارسات یصعب السیطره علیها أو منعها ، وذلک إمّا لضعف السلطه عن الوصول إلى تلک الممارسات وضبطها ؛ لأنّها عاده تجری بصوره فردیه لا یمکن السیطره علیها إلاّ فی إطار ممارسات حکومیه خاصه ، أو لأنّ النظام الاقتصادی قائم على ذلک اللون من الممارسات بحیث یکون السلطان الحقیقی لقوانین العرض والطلب ومن ورائه شهوه حبّ المال ، والاختلاس ، کما هو الحال فی الأسواق الحرّه فی ظل الأنظمه الرأسمالیه .
وفی ظلّ هذه الممارسات یتّجه ترکیب الفئات الاجتماعیه بحسب وضعها المالی ، اتّجاهاً تستحوذ فیه فئه خاصه من الناس على المزید من الأرباح والفوائد . بینما تتّجه الفئات المتوسطه نحو الأسفل ، والفئات الفقیره نحو المزید من الحرمان .
فعلى الرغم من وفره نعم الله التی تسع الجمیع إلاّ أنّ نوعیه العلاقات الاقتصادیه الظالمه بین الناس أدّت إلى تکدیس الثروه بید فئه محدوده من الناس وإلى حرمان غالبیه أفراد المجتمع من حقوقهم فی الحیاه المطمئنه .
رابعاً ـ القصور الشخصی :
وهذا منشأ آخر من مناشئ الفقر ، وهو یرجع إلى شخصیه الإنسان نفسه ، إذ قد یولد إنسان ویحمل معه عاهه معینه کفقد البصر مثلاً ، فلا یستطیع أن یمارس حیاته العملیه والإنتاجیه کبقیه أفراد المجتمع ، إذ لا یتمکّن من تأمین وسائل احتیاجاته الأساس من خلال العمل ، فیکون فقیراً .
وثمّه أفراد آخرون ، مستوى قدراتهم الفکریه ومواهبهم العملیه أو قدرتهم الإنتاجیه أضعف من غیرهم لأسباب فسیولوجیه أو سیکولوجیه ، فلا تستطیع هذه الفئه أن تعیش بمستوى الفئات الاجتماعیه التی تملک قدراً متوسطاً من الذکاء والمرونه فی العمل ، لتستطیع من خلاله تأمین حاجاتها الضروریه .
وفی الحقیقه ، إنّ هؤلاء الأفراد الذین یستند فقرهم إلى قصورهم الذاتی یشکّلون طبقه المساکین الأشدّ محرومیه من بقیه الفئات الفقیره وذلک لأنّ هذه الفئه من الناس لا یتاح لها المشارکه فی العملیه الإنتاجیه ، وبالتالی سیکونون خارج دائره توزیع الثروه على أساس العمل .
خامساً ـ النهب الاستکباری :
وهذا النهب مارسته الدول الاستکباریه ضمن أسلوبین :
الأوّل : وهو یمثّل أحد أسباب الحرمان العام الذی تعیشه الأمم والشعوب فی العالم الثالث ، حیث إنّ الوجود الاستعماری لدول المنظومه الغربیه فی بدایه هذا القرن ، والوجود الأمریکی الاستعماری الراهن یهدف بالدرجه الأولى إلى نهب خیرات وثروات شعوب المنطقه وحرمانها منها ، وبهذا النهب ظهرت فی المجتمع الدولی فئتان من الشعوب :
فئه قلیله ، وهی شعوب أوروبا الغربیه وأمریکا وبعض الدول الأخرى ، حیث تعیش فی بذخ ورخاء . وفئه کثیره ، وهی شعوب آسیا وأفریقیا وبعض دول مناطق أمریکا الجنوبیه ، وتعیش هذه الشعوب الحرمان والجوع ، وهذا التقسیم الاستعماری للشعوب إنّما نشأ تبعاً للنهب المنظّم والشامل ، الذی قامت به الدول الاستعماریه ، وتقوم به أمریکا وغیرها من دول أوروبا فی الوقت الراهن ، بصوره أخرى تختلف عن صوره النهب الجشع السابق ، الذی عرفته الشعوب الفقیر فی مطلع هذا القرن وإلى نهایه نصفه الأوّل .
والثانی : هو أسلوب النهب تحت عناوین وصیغ مختلفه ، من قبیل القروض والمعاهدات الدولیه ، وکذلک السیطره على منابع الثروات الإستراتیجیه عن طریق الشرکات والخبراء .