الامام الحسین علیه السلام ومنهج البراءه من المشرکین

0

وعندما نزلت هذه السوره على الرسول ( صلى الله علیه وآله ) ، وأراد ابلاغ المسلمین فی الموسم الأکبر فی الحج بأنه منذ تلک اللحظه وإلى أربعه أشهر یمهل المشرکین لکی یترکوا الجزیره العربیه ، ولا یعودوا إلى حرم الأمن الإلهی ، نزل جبرائیل (علیه السلام) على الرسول (صلى الله علیه وآله) ، وأخبره بأن لا یحمل هذه السوره إلى المشرکین إلاّ هو أو شخص یمثله ویکون نفسه ، حینئذ دعا النبی (صلى الله علیه وآله) أمیر المؤمنین (علیه السلام) وحمَّله هذه السوره ، فصدع الإمام بها فی الموسم ، وکانت القبائل العربیه المشرکه المتوافده إلى موسم الحج الأکبر متواجده فی المشاعر ، کما فی مکه المکرمه ، فأعلن الامام (علیه السلام) البراءه بکل صراحه منهم فی ذلک الموسم العظیم .
والملاحظ فی هذا المجال إن کل الطغاه عبر التأریخ یرفضون الحدیث عن البراءه ، فلا بأس أن تتحدث عن الصدق والوفاء وصله الرحم والصلاه والزکاه ، ولکن إیاک أن تتحدث عن الشرک ، والرشوه ، والفساد ، والإنحراف ، والمنکر .
ترى لماذا تبدأ کلمه التوحید بالرفض ، وتنتهی بالإثبات – لا اله الا الله – ، ولماذا یغفر الله تعالى کل ذنب ولکنه لا یغفر الشرک به ؟ ، ولماذا یعد الشرک ظلما عظیما؟ ولماذا کانت معرکه الانبیاء عبر التأریخ مع الشرک والمشرکین الذین کانوا یتخذون مع الله آلهه ، ومن دونه اولیاء ؟
السبب فی کل ذلک هو ان المنزلق الاکبر للبشریه انما هو منزلق ان لا یرفضوا الله تعالى، ولکنهم یشرکون به فی نفس الوقت. فکل شیء یشهد على وجود الله، ولکن الناس یریدون عاده ان یعبدوا مع الله غیره، وان یتخذوا مخلوقاته أولیاء من دونه سواء کانوا حجرا أم بشرا أم مناهج.
فالمشکله هی ان الانسان یرید ان یعبد الله تعالى عندما تکون له مصلحه فی ذلک، فتراه یعبد الله حینا ویخضع للطاغوت حینا. فالمنزلق الخطیر الذی یوقع الشیطان الانسان فیه هو هذا المنزلق؛ فلا بأس ان یصلی من اللیل الى الصباح، ولکن اذا تعین علیه ان یطبق قوله سبحانه: [ یَآ أَیُّهَا الَّذِینَ ءَامَنُوا کُونُوا قَوَّامِینَ بِالْقِسْطِ ] (النساء: ۱۳۵) ، أن یقوم لله ، ویشهد بالقسط ، وینکر المنکر ، ویقاوم الطاغوت ، ویرفض الإنحراف ، فحینئذ تبدأ الصعوبه.

فالذی ینهض فی وجه سلطان جائر وینکر علیه فساده وانحرافه ، فإن هذا السلطان لن یسکت عنه ، ولذلک کان ابراهیم الخلیل (علیه السلام) محطماً للاصنام ، لأنه رفض الإنحراف ، بل انه بدأ مسیره التوحید من خلال الرفض ؛ رفض عباده الشمس والکواکب حتى قـال: [ إِنِّی وَجَّهْتُ وَجْهِیَ لِلَّذِی فَطَرَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ ] (الانعام/ ۷۹) ، فلولا رفضه لعباده من هو دون الله لما کان موحدا ، ولما عمد إلى تحطیم الأصنام .

الرفض بدایه الایمان

وهکذا فإن الرفض هو بدایه الإیمان ، ولقد علّمنا أبو عبد الله الحسین (علیه السلام) درس الرفض والتوحید ، فالسر الذی جعل العالم کله ، وعبر التاریخ ، یقف إجلالا له (علیه السلام) کلما مرت ذکرى محرم ؛ یکمن فی أن منهج التوحید علّمه کیف یرفض الإنحراف ، ولو کلفه ذلک أن یسفک دمه ، فالإمام الحسین (علیه السلام) أعلن عن ثورته بقوله: (( إنّا أهل بیت النبوه ، ومعدن الرساله ، … ویزید رجل فاسق شارب الخمر ، قاتل النفس المحرّمه ، معلن بالفسق ، ومثلی لا یبایع مثله…)) (1) ، فلم یقل : أنا لا أبایع یزید ، بل قال : إن منهجی یختلف عن منهجه ، فمثل أبی عبد الله الحسین الذی رضع من ثدی الإیمان ، ونشأ فی کنف رسول الله (صلى الله علیه وآله) ، وترعرع فی حضن فاطمه الزهراء (علیها السلام) ، وشب تحت رعایه أمیر المؤمنین (علیه السلام) لا یمکنه أن یبایع رجلاً فاسقاً کیزید ، فمن کان مع الحسین لا یمکن أن یکون مع یزید ، وهذا هو الطریق الصحیح .
ولقد أعلن الحسین (علیه السلام) مره أخرى عن منهجه التوحیدی فی رسالته الى العلماء ، حیث نقل فی هذه الرساله حدیثاً عن رسول الله (صلى الله علیه وآله) یقول: (( من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ، ناکثاً لعهد الله ، مخالفاً لسنه رسول الله ، یعمل فی عباد الله بالإثم والعدوان ، ثم لم یغیّر علیه بقول ولا فعل ، کان حقیقاً على الله أن یدخله مدخله)) (۲) ؛ أی إن الإنسان الذی یداهن سلاطین الجور ولا یتبرأ منهم ، فإنه سیکون شریکا فی جرائمهم ، وقد کان الإمام الحسین (علیه السلام) یستهدف من هذه الرساله استنهاض همم العلماء ، لیقوموا قیاماً واحداً ضد یزید الطاغیه .
وفی هذا المجال نستمع لقول الله تعالى: [ وَالَّذِینَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن یَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِینَ یَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ] (الزمر:۱۷ ، ۱۸) ، ولقوله عز وجل: [ فَمَن یَکْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَیُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَکَ بِالْعُرْوَهِ الْوُثْقَى لاَانفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ ] (البقره:۲۵۶) . فالکفر بالطاغوت هو بدایه الطریق ، والذی لا یکفر به لا یمکن أن یؤمن بالله ، فکیف من الممکن أن تجتمع على إنسان واحد قیادتان ، وکیف یقوده إمامان ؛ إمام الهوى ، وإمام الهدى ؟ ، إن حرکه الإنسان لا تتحمل قیادتین ، ولذلک فان الرفض هو بدایه التسلیم والإیمان ، وهذا هو ما فعله الإمام الحسین (علیه السلام) ، فهو لم یترک جانبا من جوانب حیاتنا إلا وأضاءه بنهضته الکبرى .
إن الحسین (علیه السلام) بدأ نهضته هذه بقضیه هامه ، وهی أنه قد نظر إلى العاقبه منذ بدایه الطریق ، فقد أعلن فی أول خروجه من مکه المکرمه قائلاً: (( … خطَّ الموت على ولد آدم مخطَّ القلاده على جید الفتاه ، وما أولهنی الى أسلافی اشتیاق یعقوب إلى یوسف ، وخیّر لی مصرع أنا لاقیه ، کأنّی بأوصالی یتقطّعها عسلان الفلوات ، بین النواویس وکربلا،…)) ، ثم قال (علیه السلام) : (( من کان فینا باذلاً مُهجته ، موطّناً على لقاء الله نفسه ، فلیرحل معنا فإنّی راحل مصبحاً إن شاء الله )) (۳) .
وهکذا فإنه (علیه السلام) لم یُمَنِّ الناس بالإماره ، والنصر ، والخیرات .. ، وإنما أعلن لهم ان هذا الطریق لابد وأن ینتهی بالشهاده ، وعندما یتسلح قوم بهذا النهج ، وهذه الروح العالیه ، فإنهم لا یمکن أن یغلبوا عن ضعف لأن النهایه هی الشهاده ، وهم قد بدؤوا بالنهایه هذه ؛ أی اعتبروها بدایه الطریق کما فعل الإمام الحسین (علیه السلام) .
ونحن الیوم إذ نجدد ذکرى أبی عبد الله الحسین (علیه السلام) ، ونحیی شهر محرم بما فیه من نفحات إلهیه ، وفرص للهدایه ، وعواطف جیّاشه ، وأعین دامعه ، وبما فیه من مجالس الذکر والعزاء ، علینا أن نحییه بالکلمه المسؤوله التی تحمّل الناس مسؤولیتهم الشرعیه ، فالقرآن الکریم یقول: [ إِنَّ اللَّهَ لا یُغَیِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى یُغَیِّرُوا مَا بِاَنفُسِهِمْ ] (الرعد:۱۱) ، ویقول: [ وَأَن لَّیْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْیَهُ سَوْفَ یُرَى] (النجم: ۳۹، ۴۰) ، فالکل سوف یقف فی ذلک الیوم الرهیب لکی یجیب ربه ، ولا فرق فی ذلک بین الکبیر والصغیر ، والعالم والجاهل ، والغنی والفقیر ، فالجمیع یتحملون المسؤولیه ، فأنت مسؤول ، وأنا مسؤول ، وکلنا مسؤولون .

ومن مسیره الإمام الحسین علیه السلام ونهضته، نستلهم ثمه افکار، منها:
درس المسؤولیه
۱- فکره المسؤولیه هی الفکره الأولى التی زرعها الإمام الحسین (علیه السلام) فی روع الأمه ، فهناک الکثیر ممن جاء إلى الإمام الحسین (علیه السلام) وأوصاه بأن لا یحمل معه عیاله وأهل بیته إذا کان متأکداً من انه سیُقتل فی سبیل الله ، ولکنه (علیه السلام) کان یرید أن یعلمنا درس المسؤولیه ، وأن کل واحد منا یجب أن یتحمل قدراً منها ، وفعلا فقد حمل الجمیع هذه الرساله فی یوم عاشوراء ، إعتباراً من حبیب بن مظاهر ذلک الرجل الذی احدودب ظهره بسبب شیخوخته ، وانتهاءً بالطفل الرضیع علی الأصغر ، وهذه هی فکره المسؤولیه التی یجب أن نبیّنها للناس عبر المنابر والمجالس .
إن الأوضاع المتردیه التی نجدها فی امتنا ، والفساد العریض ، والتشتت والإختلاف .. کل ذلک رهین بالمسؤولیه التی لابد أن نتحملها ؛ فالعلماء بعلمهم ، والخطباء بألسنتهم ، والکُتّاب بأقلامهم ، والتجار بأموالهم ، وکل حسب قدرته وطاقته، فبما أن الامر بالمعروف والنهی عن المنکر من أهم الفرائض الدینیه ، فالجمیع یجب أن یتحملوا المسؤولیه .
وکل واحد منا عندما یرید البحث عن خطیب یتعلّم منه معالم دینه ، فلابد أن یفتش عن خطیب یُحمّله المسؤولیه ، لا أن یبحث عن خطیب یبرّر له ویخدّره ، فالدین لیس بالتمنی ، بل بالعمل والإجتهاد والورع .

اتباع القیاده الربانیه

۲- أما الفکره الثانیه التی لابد أن نحیی بها شهر محرم فهی فکره القیاده الربانیّه ، فعندما حمل الحسین (علیه السلام) الرایه قال: (( إنا نحن أهل بیت النبوه ، ومعدن الرساله ،… )) (4) ؛ أی إن الخط الصحیح یتمثل فی قیاده ربانیه إلهیه تتصف بصفه النبوه والرساله ، أی تحمل الحقائق الإلهیه الى الناس ، ومعنى ذلک أن القائد الشرعی هو الذی یحمل فی داخله حقائق التوحید لیحملها إلى الآخرین ، وهذا هو معنى القیاده الربانیه .

فعندما ترید أن تعرف قائدک فانظر إلیه : هل یدافع عن قیم الوحی ؟ وهل یدعو الى قیم الرساله ؟ وهل یأمر بالمعروف وینهى عن المنکر ؟ أم یداهن السلاطین ویسکت عنهم ؟
ومن هنا فإن الأمه الإسلامیه لا یمکن أن یسودها الصلاح إلاّ بالتفافها حول القیادات الربانیه ، وهذه القیادات لابد أن یعرفها المؤمنون ویبحثون عنها ، فالله سبحانه وتعالى أخفى أولیاءه بین عباده ، وقد تحدّث القرآن عن صفاتهم قائلاً : [ یَآ أَیُّهَا الَّذِینَ ءَامَنُوا مَنْ یَرْتَدَّ مِنْکُمْ عَن دِینِهِ فَسَوْفَ یَأْتِی اللّهُ بِقَوْمٍ یُحِبُّهُمْ وَیُحِبُّونَهُ أَذِلَّهٍ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ أَعِزَّهٍ عَلَى الْکَافِرینَ یُجَاهِدُونَ فِی سَبِیلِ اللّهِ وَلاَ یَخَافُونَ لَوْمَهَ لآئِمٍ ] (المائده/۵۴) .

اختیار المنهج السلیم
۳- الفکره الثالثه التی نستلهمها من نهضه الحسین (علیه السلام) الکبرى هی الطریق الواضح والمنهج السلیم ، فلقد اختار (علیه السلام) طریقاً ومنهجاً محددین ، فلو کان قد قُتل وهو متعلق بأستار الکعبه لما أصبحت ثورته عظیمه ، ولکنه أعلن أولاً البراءه من المشرکین ، وعبأ الأمه الإسلامیه بالوعی ثم قَدِمَ الى کربلاء .

صحیح أنه (علیه السلام) قد استشهد فی أرض بعیده عن موطنه ، ولکن أرض العراق کانت مأهوله بالقرى والمدن ، وهو (علیه السلام) عندما قُتل فیها صبغ أرضها بدمه الشریف ، وکانت رایته هی المنتصره رغم انکسارها الظاهری ، ولذا أصبحت الکوفه بعد ذلک بفتره قصیره مرکزاً للثورات المتلاحقه طوال تأریخها ، ففی سنه (۶۵) للهجره انفجرت حرکه التوابین ، ثم حرکه المختار ، وإذا ما سمعنا عن کل الحرکات الکبرى فی التأریخ فإن منشأها الکوفه ، وذلک ببرکه دم أبی عبد الله (علیه السلام) .
وعندما قُتل (علیه السلام) فی کربلاء فإن أهل بیته الذین اُسروا ، حملوا رسالته إلى الکوفه ومنها إلى الشام ثم إلى المدینه ، وهکذا فقد کانت رایته (علیه السلام) تدور فی الآفاق حتى أسقطت أنظمه الطغاه .
ونحن یجب أن نـفـتش عن الإستراتیجیه الصحیحه والمنهج اللأحب ، الذی نسیر به إلى الأهداف المرسومه ، من خلال تحمل المسؤولیه ، واتباع القیاده الربانیه ، وتعیین الخطه الواضحه ، وبذلک ستنتصر الأمه على أعدائها ، وتتغلب على مشاکلها ، وتحقق أهدافها بإذن الله ، وهذه هی دروس ثوره أبی عبد الله الحسین (علیه السلام) .
وکلمه أخیره ؛ وهی إن علینا تطهیر أنفسنا فی هذا الشهر من الحمیه الجاهلیه ، والأفکار الخاطئه ، والثقافات الدخیله ، والأحقاد والضغائن ، وأن نوحّد أنفسنا تحت رایه الإسلام والإیمان ، فالإمام الحسین (علیه السلام) هو سفینه النجاه فلنرکب هذه السفینه ، وهو مصباح هدى فلنهتد بهذا المصباح فی الظلمات ، وهو شفیع هذه الأمه فلنطلب الشفاعه من الله تبارک وتعالى به ، لیغفر الله ذنوبنا ویکفّر عنا سیئاتنا .
ونسأله تعالى أن یوفقنا لأن نکون حسینیین قولا وعملا ، وأن نکون مع الحسین وتحت رایته فی الدنیا والآخره .
من محاضرات سماحه المرجع الدینی آیه الله العظمى السید محمد تقی المدرسی
____________________
(۱) بحار الانوار، ج۴۴،ص۳۲۵٫
(۲) بحار الانوار، ج۴۴،ص۳۸۲٫
(۳) بحار الأنوار، ج۴۴، ص۳۶۶-۳۶۷٫
(۴) بحار الانوار، ج۴۴،ص۳۲۵٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.