أثر العتره فی بقاء الإسلام
و بعد . .
آیات کریمه :
قال الله سبحانه و تعالى فی کتابه الکریم :
( یُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَمَا فِی الْأَرْضِ الْمَلِکِ الْقُدُّوسِ الْعَزِیزِ الْحَکِیمِ * هُوَ الَّذِی بَعَثَ فِی الْأُمِّیِّینَ رَسُولًا مِّنْهُمْ یَتْلُو عَلَیْهِمْ آیَاتِهِ وَیُزَکِّیهِمْ وَیُعَلِّمُهُمُ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَهَ وَإِن کَانُوا مِن قَبْلُ لَفِی ضَلَالٍ مُّبِینٍ * وَآخَرِینَ مِنْهُمْ لَمَّا یَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ ).
و قال تعالى :
( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَیِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْکِتَابَ وَالْمِیزَانَ لِیَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِیدَ فِیهِ بَأْسٌ شَدِیدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِیَعْلَمَ اللَّهُ مَن یَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَیْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِیٌّ عَزِیزٌ ).
و قال عَزَّ مِنْ قائل :
( الَّذِینَ یَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِیَّ الأُمِّیَّ الَّذِی یَجِدُونَهُ مَکْتُوبًا عِندَهُمْ فِی التَّوْرَاهِ وَالإِنْجِیلِ یَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَیَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنکَرِ وَیُحِلُّ لَهُمُ الطَّیِّبَاتِ وَیُحَرِّمُ عَلَیْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَیَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِی کَانَتْ عَلَیْهِمْ فَالَّذِینَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِیَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).
و قال تعالى کذلک :
( یَا أَیُّهَا النَّبِیُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاکَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِیرًا * وَدَاعِیًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِیرًا ).
مفاد الآیات :
إنّ هذه الآیات قد أشارت إلى أمور هامه ، نذکر منها ما یلی :
الأمر الأول :
إنّها قد حددت مهمات النبی ( صلى الله علیه و آله ) ، و من سبقه من الأنبیاء بما یلی :
ألف : تلاوه آیات الله سبحانه على الناس الذین بعث إلیهم و فیهم .
باء : تزکیه نفوسهم ، و تصفیتها من کُلّ الشوائب التی علقت بها ، بسبب الشرک و الانحراف . و إعاده الفطره إلى سابق نقائها ، و سلامتها ، و طهرها .
جیم : تعلیمهم الکتاب بکلّ ما فیه من شرائع ، و أحکام ، و عقائد ، وسیاسات ، و أخلاق ، و سلوک ، و عبر ، و حقائق ترتبط بکلّ ما فی الکون و الحیاه .
دال : تعلیمهم الحکمه ، التی جُعِلَ تعلیمها عدلاً لتعلیم الکتاب . و هی تعنی الوقوف على الحقائق و الدقائق و التفاصیل ، لیمکن للإنسان أن یحسن التقدیر ، و لیستلهم عقله و قلبه صواب الحکم ، و صحه العمل .
ﻫـاء : الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر .
واو : أن یضع عنهم إصرهم ( أی ثقلهم ) ، و الأغلال التی کانت علیهم .
الأمر الثانی :
قد ذکرت الآیات الکریمه : أنّه إذا ما واجهت الأنبیاء التحدیات فی مهماتهم تلک ـ و لابد أن تواجههم ـ فقد أنزل الله الحدید فیه بأس شدید و منافع للناس ، لیکون هذا الحدید مفیداً فی حل أی مشکل ، و إزاحه أی خطر .
و قد روی عن علی ( علیه السلام ) قوله : ( الخیر کله فی السیف . و ما قام هذا الدین إلاّ بالسیف . أتعلمون ما معنى قوله تعالى : ( … وَأَنزَلْنَا الْحَدِیدَ فِیهِ بَأْسٌ شَدِیدٌ … ) ؟! هذا هو السیف ) .
بل إنّ نفس الآیه المتقدمه التی ذکرت إنزال الحدید قد عقبت ذلک بالقول :
( … وَلِیَعْلَمَ اللَّهُ مَن یَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَیْبِ … ) .
ثمّ خلصت إلى القول :
( … إِنَّ اللَّهَ قَوِیٌّ عَزِیزٌ ) فی إشاره صریحه إلى الحاجه إلى التذکیر بقوه الله و بعزته ، و فی صراحه لا لُبس فیها بالحاجه إلى نصر الناس للرسل فی مهماتهم التی یتصدون لها ، و فی مواجهه التحدیات و الأزمات .
و هذا النصر للرسول هو الذی أشارت إلیه أیضاً آیه سوره الأعراف ، حیث قررت أنّه لا بُدَّ من الاتباع ، و التعزیر ( أی التوقیر ) و النصر حین تمس الحاجه إلى ذلک .
إذن ، فهناک سلطه ذات قوّه ، یکون الحدید أحد وسائلها فی مجال التنفیذ ، و لا یقتصر الأمر على مجرد التبلیغ للأحکام ، و التعلیم لها .
الأمر الثالث :
لقد ذکرت الآیات أیضاً : أنّ مسؤولیه النبی ( صلى الله علیه و آله ) لا تنحصر بالذین عاصروه ، بل تتعداهم إلى آخرین من الأمیین لما یلحقوا بهم ، فهو رسول الله للبشریه جمعاء منذ بعثته ، و إلى یوم القیامه .
فهو یتحمل إذن مسؤولیه هدایتهم ، و رعایتهم ، و تزکیه نفوسهم ، و تطهیر أرواحهم ، و تعلیمهم الکتاب و الحکمه ، ثمّ أمرهم بالمعروف و نهیهم عن المنکر ، ثمّ أن یضع عنهم إصرهم ، و الأغلال التی کانت علیهم .
الأمر الرابع :
إنّ الهدف من إرسال الرسل بالبینات ، و إنزال الکتاب و المیزان ، ـ أی المعاییر و الضوابط و الأحکام ، لیکون العمل وفق الحکمه ـ هو أن یقوم الناس أنفسهم بالقسط و العدل ، من موقع إحساسهم بالواجب ، و بالمسؤولیه الرسالیه و الإنسانیه .
طبیعه التشریع الإسلامی :
و لکی تستکمل الفکره عناصر وضوحها نشیر إلى أنّ هذا الإسلام العزیز إنما یهدف إلى إرجاع الإنسان إلى فطرته ، و تطهیرها من شوائب الانحراف ، ثمّ صیاغه خصائصه الإنسانیه بالنحو الذی یحقق الأهداف الإلهیه التی یؤهله الله لها .
أنّه یرید أن یتدخل فی کُلّ شؤون هذا الإنسان ، و أن یهیمن حتى على نوایاه ، و خلجات نفسه ، و على عواطفه ، و مشاعره ، و أحاسیسه ، و تصوراته ، فضلاً عن روحیاته ، و کُلّ خصائصه ، و میزاته .
أنّه یرید منه أن یواجه التحدّی لیس فی مجال الأمن و الدفاع و حسب ، و إنما فی السیاسه ، و الاقتصاد ، و التربیه ، و العلاقات ، و فی مختلف مجالات الحیاه أیضاً .
أنّه یرید منه أن یطبق نظام عقوبات صارمه ، على قاعده : النفس بالنفس والعین بالعین . و أن یقطع الید ، و الرجل ، و أن یسجن ، و یجلد ، و ینفی ، و یصادر ، و أن یکبح جماح أصحاب الأهواء ، و محترفی الجریمه ، بل إنّ علیه أن یمنع الانحراف من الظهور فی کُلّ محیطه . .
هذا کله عدا عن جهاده للمستکبرین ، و إحباط کید العتاه و الجبارین .
و أهمّ من ذلک کله هو مواجهته لشهواته ، و غرائزه و أهوائه ، و طموحاته ، و رفض کُلّ المغریات التی تحیط به ، و ما أشدّها من مواجهه ، و أعظمه من جهاد ، هو الجهاد الأکبر الذی یصغر عنده کُلّ جهاد بالسیف ، حتى فی بدر العظمى !!
هذا هو السؤال :
و قد اتضح مما سبق أنّ المقصود من تعلیم النبی ( صلى الله علیه و آله ) للکتاب لیس هو مجرد تلاوه ألفاظه على مسامعهم ، بل المراد تفهیمهم شرح معانیه و حقائقه ، و بیان مرامیه و دقائقه . لأنّ مغزى هذا التعلم هو خروج الناس من الضلال المبین إلى الهدى ، کما صرحت به الآیه الشریفه نفسها ، و هذا کله یدفع السؤال التالی إلى الواجهه لیقول :
أین هو تعلیم رسول الله ( صلى الله علیه و آله ) للکتاب ، الذی هو تبیان لکلّ شیء ؟! و أین هی بیاناته لحقائقه و دقائقه . و لإشاراته و دلائله ؟
و أین هی الحکمه التی جعلها الله عدلاً للکتاب ، و قد علمها ( صلى الله علیه و آله ) للناس ؟! فهل تجد فی کتب المسلمین من هذه الحکمه ، و من تعلیم للکتاب ، ما یکفی لتطبیق هذه الآیه الکریمه ، و تجسید معناها ، بالنسبه لمن عاشوا مع النبی ( صلى الله علیه و آله ) و عاصروه ؟! فضلاً عن الآخرین الذین لما یلحقوا بهم ـ و هم أجیال کثیره جداً ، متعاقبه ، و متلاحقه إلى یوم القیامه ـ و هو مبعوث إلیهم جمیعاً أیضاً ، و هم جزء من مهمته و مسؤولیته . فکیف استطاع ( صلى الله علیه و آله ) أن یقوم بهذا الواجب ، و أن ینجز مهمته تجاههم . من تلاوه الآیات علیهم ، و تزکیتهم ، و تربیتهم ، و رعایتهم ، و تعلیمهم الکتاب ، و تعلیمهم الحکمه ، و الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر فیهم ، و وضع الإصر عنهم ، و الأغلال التی تکون علیهم ؟! و هو الأمر الذی یحتم علیهم مواجهه طواغیت العصور المتعاقبه ، و کُلّ الجبارین و العتاه ، فکیف واجههم ( صلى الله علیه و آله ) . و فرض الهیمنه الإیمانیه علیهم ، و استفاد من الحدید و من البأس الشدید فی أوقات الشده ، و الخطر الداهم ، عبر الأجیال المتلاحقه ؟!
قبل أن نجیب على هذا السؤال نقول :
إذا کانت طبیعه هذا الدین تحتم فرض هیمنه قد تحتاج إلى الاستفاده من الحدید لأجل إنجاز المهمات الجسام ، و صیانه المنجزات ، و کان المتولی لفرض هذه السلطه فی حیاه النبی ( صلى الله علیه و آله ) کان الخلاف فی أمر الإمامه و السلطه و الهیمنه قد ظهر بصوره عنیفه و قاسیه ، بل کان أعظم و أخطر خلاف فی الأمّه ، حتى لیقول الشهرستانی :
( و أعظم خلاف بین الأمّه خلاف الإمامه ، إذ ما سُلَّ سیف فی الإسلام على قاعده دینیه ، مثلما سُلَّ على الإمامه فی کُلّ زمان ) .
و یقول البعض أیضاً : إنّ ترک أمر الإمامه من دون حلّ ( .. ) کان سبباً لأکثر الحوادث التی أصابت المسلمین ، و أوجدت ما سیرد علیکم من أنواع الشقاق و الحروب المتواصله ، التی قلَّما یخلو منها زمن ، سواء أ کان بین بیتین ، أو بین شخصین ) .
و إذا کان أمر الإمامه حساساً و خطیراً إلى هذا الحد ، فکیف یمکن أن نتصور أن یکون الله و رسوله ( صلى الله علیه و آله ) قد ترکاه من دون حلّ ، خصوصاً و أنّ الله هو الذی یقول : ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِیهِ مِن شَیْءٍ فَحُکْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِکُمُ اللَّهُ رَبِّی عَلَیْهِ تَوَکَّلْتُ وَإِلَیْهِ أُنِیبُ ) .
الجواب القرآنی :
على أنّ الإجابه على ما طرح من تساؤل ، تتضح بصوره أتمّ بالعوده إلى القرآن الکریم حیث نجد فیه الإجابه الکافیه و الوافیه فهو تعالى یقول :
( یَا أَیُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَیْکَ مِن رَّبِّکَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ یَعْصِمُکَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ یَهْدِی الْقَوْمَ الْکَافِرِینَ ).
فإنّ هذه الآیه قد نزلت فی مناسبه إعلان یوم غدیر خم ، فیما رواه المسلمون بطرق کثیره ، و متواتره .
و قد أظهرت هذه الآیه الکریمه : أنّ هذا البلاغ المطلوب یصادم توجهات کثیر من الناس ، و أنّ نصیبه منهم هو الرفض الشدید إلى درجه احتاج النبی ( صلى الله علیه و آله ) معها إلى العصمه و الحفظ منهم .
و أظهرت أیضاً : أنّه بلاغ شدید الخطوره ، بحیث لولاه لم یمکن للرسول ( صلى الله علیه و آله ) تهیئه سبل إنجاز مهمته ، التی هی أساس و عنوان رسولیته ( … وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ … ) .
و لاسیما بالنسبه لمن یأتون بعده ، مع أنّه مبعوث إلیهم ، کما یشیر إلیه قوله تعالى : ( وَآخَرِینَ مِنْهُمْ لَمَّا یَلْحَقُوا بِهِمْ … ) . و قد قلنا : إنّ تلک المهمات هی تلاوه الآیات علیهم ، و تزکیتهم ، و تعلیمهم الکتاب و الحکمه ، و الخ . .
بل أنّه ـ بدون هذا البلاغ ـ لا یکون قد حقق الإنجاز المطلوب منه حتى بالنسبه للأمم التی عاصرته ، بل و حتى بالنسبه للذین أسلموا معه ، و صاروا صحابته ، و الذین أظهر القسم الأعظم منهم الإسلام بعد فتح مکه فی السنتین التاسعه و العاشره ، أی قبیل وفاته ( صلى الله علیه وآله ) . حیث بدأت القبائل فی سنه تسع توفد جماعات منها لإعلان الإسلام و الولاء ، فسمیت تلک السنه بـ ( سنه الوفود ).
ثمّ توفی النبی ( صلى الله علیه وآله ) ، و لم یکن الإسلام قد تجذّر أو استحکم فی قلوب الکثیر من هؤلاء الناس . فحاول أهل مکه أن یرتدّوا عن الإسلام بعد وفاه النبی ( صلى الله علیه وآله ) لکن سهیل بن عمرو قام فیهم ، و نصحهم ، و ذکّرهم بوعد النبی ( صلى الله علیه و آله ) بأنّ کنوز کسرى و قیصر ستفتح لهم ، فثبتهم بذلک . و هذا موقف محمود و مشکور لسهیل .
و لو إنّهم مضوا فی ردّتهم لحدثت کارثه حقیقیه على مستوى المنطقه بأسرها ، و بالنسبه لمستقبل هذا الدین . و لکن الله سلَّم ، و له المنه و الحمد .
خلاصات و بیان :
و خلاصه الأمر : أنّ هذا البلاغ ، الذی احتاج الرسول ( صلى الله علیه و آله ) معه إلى العصمه ، و الحفظ الإلهی من الناس کان جزءاً من الخطه الإلهیه فی نطاق تمکین النبی الأکرم ( صلى الله علیه و آله ) من القیام بمهماته الخطیره فی هدایه الأمّه ، و رعایتها من موقع رسولیته ، و مبعوثیته لها ، سواء فی ذلک من عاصره ، أو من جاء بعده و هی هدایه أراد الله سبحانه و تعالى أن تکون له من خلال الرعایه و التنئشه الهادیه ، وفق المعاییر التی توصل إلى الأهداف الإلهیه التی أراد الله سبحانه للأمّه أن تصل إلیها ، و ذلک بدءاً بالتزکیه ، ثمّ بتعلیم الکتاب ، و تعلیم الحکمه ، و انتهاءً بحراسه الواقع الإیمانی ، و صیانته بالأمر بالمعروف ، و النهی عن المنکر ، و إقامه شرع الله سبحانه ، من موقع الهیمنه و السلطه ، حیث یکون الحدید بما فیه من بأسٍ شدید ، وسیله صیانه للحق ، و سبب حفظ للدین .
التصریح و التوضیح :
و لکی تصبح الفکره أکثر وضوحاً و تألقاً نقول :
لأنّ الإسلام بما له من مواصفات و خصوصیات ، و شؤون و حالات ، ثمّ بما له من شمولیه و عمق ، و ما یحتاج إلیه من ظروف و مناخات و قدرات و وسائل و أدوات .
و لأنّ هذا النبی الکریم ( صلى الله علیه و آله ) مبعوث للناس جمیعاً ، سواء فی ذلک من عاصره ممن أسلم ، أو لم یسلم ، و من جاء بعده من الأمم إلى یوم القیامه .
و لأنّ مهمته ( صلى الله علیه و آله ) لا تنحصر ببلاغ الأحکام الشرعیه ، و بعض التفاصیل الاعتقادیه ، بل تتعدى ذلک إلى تزکیه نفوسهم ، و تصفیه أرواحهم ، و تعلیمهم الکتاب و الحکمه ، و إقامه شرائع الله و أحکامه ، و نشر بیارقه ، و أعلامه .
و لأنّ طبیعه التشریع ، و خصوصیته ، و طبیعه التحدیات التی ستواجه هذا الدین . تفرض امتلاک قدرات عملیه ، فربما یکون الحدید بما فیه من بأسٍ شدید أحد مظاهرها .
نعم ، من أجل ذلک کله ، و سواه ، مما تقدمت الإشاره إلیه ، جاءت الخطه الإلهیه متناسبه مع طبیعه الهدف ، ومنسجمه مع حقائق الإسلام والإیمان ، ومنطلقه منها ، و توصل و تنتهی إلیها . . فکان بلاغ الناس لذلک الأمر الذی یعنی فقده أن یفقد الإسلام کینونته ، و یخسر حیاته الفاعله و المؤثره : ( … وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ … ) .
و کان هذا البلاغ یحتاج إلى العصمه الإلهیه أیضاً ، فکیف بما بعد هذا البلاغ ؟!
الاختیار الطبیعی :
و کان أهل البیت ( علیهم السلام ) هم عنوان هذا البلاغ ، و مداه . و هم روحه و حیاته ، و محتواه إذ بجهادهم و جهدهم ، و قیادتهم للأمّه ، یتحقق الإنجاز الکبیر ، و الخطیر ، و یکون بقاء هذا الدین ، و ذلک لأنهم :
۱ ـ هم التجسید الحی للنموذج الخالص ، و المرآه الصافیه التی تعکس الإسلام : عقلاً ، و روحاً ، و أحاسیس ، و مشاعر ، و میزات ، و خصائص ، ثمّ نهجاً و موقفاً ، و حرکه ، و سلوکاً . و کیف لا ، و هم الذین أذهب الله عنهم الرجس ، و طهرهم تطهیراً ، و هم صفوه الله من خلقه ، و خیرته من عباده .
۲ ـ إنّهم أهل بیت النبوّه ، و معدن الرساله ، و هم عیبه علم رسول الله ( صلى الله علیه و آله ) ، و هم أحد الثقلین اللذین لن یضلّ من تمسک بهما . و هم أیضاً سفینه النجاه و مصباح الهدى .
و من خلال هذین الأمرین تبرز أمام أعیننا حقیقتان :
إحداهما : أنّ هذین الأمرین یمکّنان أهل البیت من إنجاز مهمه التزکیه الروحیه ، و تصفیه النفوس ، و تطهیر الفطره و تخلیصها من کُلّ الشوائب التی علقت أو تعلق بها .
الثانیه : إنّ هذه المعرفه الهادیه ، و العلم الزاکی ، المتدفق من منبعه الأصفى ، هو الذی یرفد الفکر لیتحرک وفق الضوابط و المعاییر ، التی لا یتنکر لها ، و لا یشذّ عنها . لینتج الوعی و الهدى و الصلاح فی الأمّه کلها .
فالرسول یستطیع بهذه الطریقه أن یحفظ للأمّه المبعوث إلیها حقّها فی تعلّم الکتاب و الحکمه ، و فی التزکیه الروحیه ، و فی إقامه شرع الله ، و فی وضع الإصر و الأغلال عنهم . و یعمل على نشر أحکام الدین ، و شرائعه فی الوقت المناسب ، و بالأسلوب و الطریقه المناسبه .
و یکون بلاغ الرسول هو ذلک القرار الإلهی بإعطائهم ( علیهم السلام ) حقّ ممارسه الحاکمیه ، و یحمِّلهم ـ من ثمّ ـ مسؤولیه الرعایه ، و الهدایه ، و التزکیه ، بکلّ ما لذلک من مسؤولیات ، و مستلزمات ، و من آثار و تبعات .
و هذا یستبطن إلزام الأمّه بالطاعه و بالتسلیم لهم ، و هم الأئمه الأطهار ، الإثنا عشر ( علیهم السلام ) ، و الثقل الذین لن یضل من تمسک بهم و بالکتاب ، و هم سفینه النجاه . التی تحمل هذه الأمّه إلى ساحل الأمان ، لتسیر باطمئنان فی دروب الخیر ، و الهدى ، و الصلاح ، و السداد .
و ذلک هو ما نفهمه من تلک الآیات الکریمه و المبارکه . و خصوصاً قوله تعالى :
( یَا أَیُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَیْکَ مِن رَّبِّکَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ یَعْصِمُکَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ یَهْدِی الْقَوْمَ الْکَافِرِینَ ) .
عصمنا الله جمیعاً من الزلل و الخطأ ، فی الفکر ، و فی القول و العمل ، أنّه ولی قدیر ، و بالإجابه حری و جدیر .