ثورهُ المدینه
کان وجود العقیله زینب فی المدینه أحد الأسباب الرئیسه ، ولکنّه لم یکن السبب المباشر للثوره ، فقد تولّد هذا السبب بعد أن وَفَدَ إلى دمشق وفدٌ من أهل المدینه وأشرافها بأمر من عثمان بن محمّد بن أبی سفیان والی یزید ، وقد أکرمهم یزید أیّما إکرام ، ولکنّهم ما أن عادوا من لدنه حتّى أعلنوا استنکارهم لحکم یزید وجاهروا بشتمه ولعنه وقالوا : قَدِمنا من عند رجل لیس له دین ، یشرب
ــــــــــــ
(۱) هذه الروایه ذکرت فی ( أخبار الزینبیّات ) وأوردتها بنت الشاطئ فی ( بطله کربلاء ) .
الخمر ، ویضرب بالطنابیر ، ویعزف عنده القیان ، ویلعب بالکلاب ، ویسمر عنده الخرّاب ، وإنّا نشهدکم أنّا قد خلعناه .
وقام عبد الله بن حنظله الأنصاری وکان زعیمهم وقال : جئتکم من عند رجل لو لم أجد إلاّ بنیّ هؤلاء لجاهدته بهم ، وقد أعطانی وأکرمنی ، وما قبلتُ عطاءه إلاّ لأتقوّى به .
وهبّت المدینه واشتعلت ثورتها ، فسلّط یزید على الثوّار رجلاً اشتهر بحبّه للدماء وهو مسلم بن عقبه المری ، وطلب منه أن یسوم الثائرین البیعه سوماً ، فاستباح المدینه ثلاثه أیّام وهتک الأعراض وقتل الاُلوف من الأنصار والمهاجرین وافتضّ أکثر من ألف عذراء . کلّ ذلک من أجل أخذ البیعه التی أعلنها ، إنّهم یبایعون أمیر المؤمنین على أنّهم خول له یحکم فی دمائهم وأموالهم وأهلهم ما شاء(۱) .
وقد وصف ابن کثیر المفاسد التی أنزلها مسلم بن عقبه بأهل المدینه بقوله : من المفاسد العظیمه فی المدینه النبویّه ما لا یحدّ ویوصف ، ولم یکتفِ بالقتل بل عمد إلى التنکیل وإثاره مخاوف قتلاه قبل قطع رؤوسهم بالسیف . ویُحکى : أنّه لمّا جاؤوه بمعقل بن سنان أحد أصحاب رسول الله (صلّى الله علیه وآله) هشّ له وأطعمه ثمّ سأله : أعطشت یا معقل ؟ حوّصوا له شربه من سویق اللوز الذی زوّدنا به أمیر المؤمنین . فلمّا شربها قال له بلؤم : أمَا والله لا تبولها من مثانتک أبداً ، وضرب عنقه .
وقد مات هذا الجزّار وهو فی طریقه إلى مکّه لیکمل ما بدأه من وحشیّه وإجرام فی المدینه ، فدفن فی الطریق . ولکن بعض الغاضبین من أهل المدینه تعقّبوه واستدلّوا على قبره حیث نبشوه وأحرقوا جثّته .
ـــــــــــــ
(۱) الطبری ، ثوره المدینه ۴ / ۳۶۶ ـ ۳۸۱ .
ثورهُ المختار الثقفی
ولعلّها أقوى الثورات وأعنفها وأمضاها نتائج ، إذ استطاعت أن تطیح بمعظم الرؤوس التی شارکت فعلیّاً فی قتل الحسین ، ولقد جعل لها شعاراً بهذا المعنى ( یا لثارات الحسین ) وربطها بمحمّد بن الحنفیه ابن علی بن أبی طالب ، وهذا ما جعل الثائرین یلتفّون حوله ، وقد اطمأنّوا إلى عدل ثورته وتمامها .
ولقد وقع عبد الله بن مطیع عامل ابن الزبیر بالکوفه فی خطأ قاتل حینما أقدم على محاربه الثائرین مع المختار بنفس الرجال الذین تولّوا قتل الحسین ، بعمر بن الحَجّاج ، وشمر بن ذی الجوشن ، وشبث بن ربعی وغیرهم ، ممّا أثار فی نفوس الثائرین کوامن الانتقام ، وذکّرهم بالجریمه النکراء التی اقترفها هؤلاء فی کربلاء ، فکان هذا کافیاً لإثاره عنفهم الذی تبدّى فیما بعد .
وکما وقع ابن مطیع بمقتل ، أنصف المختار بتولیه الحکم فی طبقه ( الموالی ) وهم المسلمون غیر العرب الذین کان علیهم واجبات المسلمین ولم تکن لهم حقوقهم ، وکان الاُمویّون یضطهدونهم . وقد أثار إنصاف المختار لهم حفیظه الأشراف وساده القبائل فتکتّلوا ضدّه وأجمعوا على حربه(۱) .
وکان تکتّلهم سبباً حفّز المختار للتعجیل فی تتبّع قتله الحسین وآله فی کربلاء ، فتعقّبهم وأعمل فیهم القتل ، ولم یترک منهم مَن أحصى علیه ضربه أو کلمه فی کربلاء وما قبلها وما بعدها(۲) .
ــــــــــــ
(۱) تاریخ الطبری ۴ / ۵۱۷ .
(۲) ذکرت عدّه مصادر ومنها الطبری : أنّ المختار قتل فی یوم واحد مئتین وثمانین رجلاً .
وکان عنیفاً مع اُولئک الذین شارکوا فی مجزره کربلاء ، فلم یترک ضارباً أو متکلّماً أو ناهباً إلاّ وأوقع علیه عنفه ، فقتل عبید الله وأحرقه ، وقتل شمر بن ذی الجوشن وألقى أشلاءه للکلاب ، وطارد المئات والاُلوف من جندهم وأتباعهم ، فأغرقهم بالنهر ، ولم ینجَ من غضبه عمرو بن الحجّاج وشبث بن ربعی وغیرهم .
وکانت هذه القسوه التی تبدّت فی ثأر المختار إحدى حکم معجزات الشهاده التی أدّاها سیّد الشهداء ، فکانت العدل الکامل فی ثوب الإباده ، وکانت قصاصاً بآثمی العاشر من محرّم استحقّت الثناء والمبارکه .
وکان قصاصاً اتّخذ له من اُولئک الآثمین فی محرّم وقوداً ، وجعل من جوف الکلاب قبراً للکلب الأبقع شمر الذی رآه الحسین فی منامه یشدّ علیه أکثر من غیره . فسبحان القادر مسیّر الأحوال ، وموحی القصاص ، ومدبّر العدل .
ثورهُ مطرف بن المغیره
ولم تنقضِ سنوات معدوده على ثوره المختار حتّى کان مطرف بن المغیره بن شعبه یثور على الحَجّاج بن یوسف ویخلع عبد الملک بن مروان والی الحَجّاج على المدائن .
وقد کتب إلى أنصاره یدعوهم إلى کتاب الله وسنّه نبیّه وإلى جهاد مَن عَنَدَ عن الحقّ ، واستأثر بالفیء ، وترک حُکم الکتاب ؛ وذلک لیظهر الحقّ ویمنع الباطل . ولا بدّ للمتبصّر فی دعوه مطرف من ملاحظه استمدادها روح کربلاء .
ثورهُ ابن الأشعث
وتستمرّ روح کربلاء فی التفاعل بین المجتمعات ، وتمتدّ نارها إلى تحت العروش ، فلا تستکین الجماعات حیث تصلها هذه الروح ، ولا تبقى عروش حیث تصلها النار .
فبعد أن قمعت المدینه وانتفاضه الکوفه ، تأجّجت فی سنه ۸۱ للهجره ثوره بقیاده ابن الأشعث هزّت الحکم الاُموی الذی کان على رأسه الحَجّاج ، ودامت حتّى عام ۸۳ بعد أن أحرزت انتصارات ضخمه قبل أن یقضی علیها الحَجّاج بجیوش سوریّه(۱) .
ثورهُ زید بن علی بن الحسین
وقد بدأها فی سنه ۱۲۲ هـ على هَدی ثوره جدّه ، مقتبساً روحها فی کربلاء ، وقد رفع لها شعاراً ( یا أهل الکوفه , اخرجوا من الذلّ إلى العزّ ، ومن الدنیا إلى الدِّین )(۲) .
وقد استجابت لدعوه حفید الشهید الحسین جماهیر عریضه فی طول البلاد الإسلامیّه وعرضها ، فبویع على الثوره فی الکوفه والبصره وواسط والموصل وخراسان والرَی وجرجان ، وکان مقدّراً لهذه الثوره أن تکون أکبر الثورات المتفجّره من شرارات کربلاء لولا أن تمّ إعلانها قبل موعد استکمال تجهیزها ، وفی توقیت مختلف عن التوقیت المتّفق علیه بین زید وبین أهل الأمصار التی لبّت دعوته .
وقد تعرّضت هذه الثوره لأخطار عدّه ؛ بسبب الجیش الاُموی السوریّ الذی کانت قواعده فی العراق ، إذ ما لبث هذا الجیش أن قضى علیها قبل أن تبدأ فاعلیتها .
ــــــــــــــ
(۱) حلّل هذه الثوره المؤرّخ ولها وزن فی کتابه ( الدوله العربیّه ) / ۱۸۹ ـ ۲۰۳ وذکرها الطبری فی ( ثوره ابن الأشعث ) .
(۲) مقاتل الطالبیّین / ۱۳۹ والدوله العربیّه / ۲۷۱ .
وکان من نتیجه هذه الحرکه أن تولّدت منها طائفه تُدعى ( الزیدیّه ) برهنت على استعدادها للاشتراک فی کلّ ثوره ضدّ السلطه الغاشمه .
واستمرّت الثورات هنا وهناک آخذه شرارات اشتعالها من شرارات کربلاء المتّقده أبداً ، ولم یعد للحکم الاُموی من شاغل إلا ّالتصدّی لها واستنباط الوسائل للقضاء علیها .
وجاءت ثوره العبّاسیین لتضع الخاتمه النهائیّه لتفجّر الثورات التی استهدفت الحکم الاُموی الذی کان مثالاً لفساد الحکم والعروش . واستطاعت بما رفعته من شعارات وتزوّدت به من مبادئ الکفاح الحسینی أن تنتصر فی النهایه وتطیح بحکم بنی اُمیّه ، فإذا بالدوله الاُمویّه العریضه ذات العدد والعدّه تذهب بلا وناء فی وقت أقلّ من عمر رجل مثل معاویه .
ورغم أنّ ثوره العبّاسیین لم یکن لها ذلک الدَور الجذری فی تبدیل واقع الشعب المسلم ، فیما عدا تبدیلها للحاکمین فوق العروش ، فإنّ بنجاحها هذا لم تتوقّف الثورات بعدها ، بل استمرّت مشتعله أبداً ، إذ قد توفّر للعروش دوماً أشباه لیزید ، بینما ثمّه حسین واحد کان لعِظَم وخلود مبادئه أن کانت تلد فی کلّ یوم ولکلّ جیل ثائرین جدداً یتصدّون للعمل بنورها العلوی ، ورفع رایه الجهاد الحسینی الذی أضحى سِمه لکلّ جهاد فی کلّ زمان ومکان نبت فیهما یزید جدید .
وهکذا تمّت معجزات الشهاده التی أقدم علیها الحسین (علیه السّلام) وآله وصحبه الأطهار ، وبلغت مداها ـ وإن لم تتوقّف عنده ـ بالثورات الزمنیّه التی هدّت عروش الظلم وأطاحت بحکم کان من المستحیل الإطاحه به لولا ما قدّمته شهاده الطفّ من معجزات کان لها فعل السحر فی النفوس والضمائر والمجتمعات .
وإذا کانت معجزات استشهاد عیسى (علیه السّلام) قد تشابهت مع معجزات شهاده الحسین (علیه السّلام) فی فعلها داخل الضمائر والأخلاق والمجتمع ، فإنّها لم تتشابه معها فی المعجزه الزمنیّه التی تمثّلت فی سقوط الحاکمین ، إذ انتهت شهاده المسیح عند حدود الضمائر والأخلاق ومناطق العقیده ، بینما تجاوزتها شهاده الحسین إلى إتمامها بمعجزات زمنیّه ؛ وذلک لحکمه إلهیّه تدبّر وتسیّر .
فمن عجائب هذه الحکمه أن تجری هذه الحوادث والثورات التی تلت الشهاده کَلِماً على لسان مَن وقعت بجریره قتله ، وذلک قبل وقوعها بعشرات السنین بنفس الشکل الذی صوّره الشهید وکأنّه یقرؤها فی لوح مکشوف أمام عینیه .
فبعد أن أنزل الله تعالى المذلّه على مَن أهانوا وقتلوا شهیده الحسین (علیه السّلام) ، فغدوا أذلّ من قوم سبأ ، تذکّر المسلمون نبوءه شهیدهم التی قالها ببنی اُمیّه فی الرهیمه : ( إنّ بنی اُمیّه شتموا عرضی فصبرت ، وأخذوا مالی فصبرت ، وطلبوا دمی فهربت . وایم الله لَیقتلونی فیلبسهم الله ذلاً شاملاً ، وسیفاً قاطعاً ، ویسلّط علیهم مَن یذلّهم(۱) حتّى یکونوا أذلّ من قوم سبأ ؛ إذ ملکتهم امرأه فحکمت فی أموالهم ودمائهم )(۲) .
تذکّر المسلمون هذه النبوءه واسترجعوا صور الذلّ التی ألبسها الله لبنی اُمیّه ، وکیف أهینوا وشرّدوا وولّوا هاربین متعقّبین وقُتلوا بأعداد هائله ومُثّل بهم ، وأُنزلت بهم فظاعات من التنکیل لم تکن لتخطر ببال بنی اُمیّه ولا ببنی هاشم یوم صُرع الحسین(۳) .
ـــــــــــــ
(۱) أمالی الصدوق / ۹۳ ، المجلس الثلاثون .
(۲) روی الحدیث بتمامه فی مقتل الخوارزمی ۱ / ۲۲۶ ومثیر الأحزان ـ لابن نما .
(۳) ( وَمَنْ یَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِیهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَیْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِیماً )( سوره النساء / ۹۳ ).
وفی المواقف المتشابهه تبرز الکلمات التی قیلت ، سیّما إذا کانت تحمل استشفافاً بعیداً للمستقبل ، فقد تذکّر المسلمون قوله شهیدهم أمام ولده وأخواته وأهل بیته یوم نزل بکربلاء قال وهو یبکی : (( اللّهمّ إنّا عتره نبیّک محمّد قد اُخرجنا وطُردنا وأُزعجنا عن حرم جدّنا ، وتعدّت بنو اُمیّه علینا ، اللّهمّ فخذ لنا بحقّنا وانصرنا على القوم الظالمین )(۱) .
وأخذ الله تعالى بحقّ المکروب والمبتلى بکربلاء ، وکانت أیّما أخذه بالحقّ ، تطایرت بها رؤوس بنی اُمیّه التی تعدّت على عتره النبی وأخرجتها وأزعجتها ، فلم یرَ مظلوم أخذ حقّه بمثل ما أخذ حقّ المظلوم الحسین من القوم الذین ظلموه(۲) .
ــــــــــــــ
(1) ( لاَ یَنْهَاکُمْ اللهُ عَنْ الَّذِینَ لَمْ یُقَاتِلُوکُمْ فِی الدِّینِ وَلَمْ یُخْرِجُوکُمْ مِنْ دِیَارِکُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَیْهِمْ إِنَّ اللهَ یُحِبُّ الْمُقْسِطِینَ * إِنَّمَا یَنْهَاکُمْ اللهُ عَنْ الَّذِینَ قَاتَلُوکُمْ فِی الدِّینِ وَأَخْرَجُوکُمْ مِنْ دِیَارِکُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِکُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ یَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِکَ هُمْ الظَّالِمُونَ )( سوره الممتحنه / ۸ ـ ۹ ) .
(2) ( … وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِیِّهِ سُلْطَاناً … ) راجع نصّ الآیه ( سوره الإسراء / ۳۳ ) .
وقد روى الحاکم فی مستدرکه قولاً للخطیب عن ابن عباس فقال : أوحى الله تعالى إلى محمّد : إنّی قتلت بیحیى بن زکریّا سبعین ألفاً ، وأنا قاتل بابن بنتک سبعین ألفاً وسبعین ألفاً .
وکأنّ سبحانه وتعالى لمّا رأى عِظَم عذاب الحسین أعطاه سلطه وضع نهایات ظالمیه بالشکل الذی یتصوّره ویصرّح به ، وهذا ما یفسّره وقوع کلّ ما تنبّأ به وحذّر منه اُولئک الذین لطّخوا أیدیهم بدمه ودماء أهل بیته .
وما قاله للذین یحیطون به من جند الأعداء فی صحراء کربلاء قبل بدء المعرکه ، لیدخل فی عِداد المعجزات التی ما اُوتیت إلاّ لعیسى (علیه السّلام) ، فکأنّ الزمن تصرّم واختزل ، وکأنّ عشرات السنین لیست بذی بال حیال ما قاله الشهید للذین وقفوا یسمعونه ، فکان من أمرهم بعد ذلک لا یختلف مقدار شعره عمّا رسمه لهم من مصائر ونهایات .
قال لأعدائه : (( أمَا والله لا تلبثون بعدها إلاّ کریثما یرکب الفرس ، حتّى تدور بکم دور الرحى ، وتقلق بکم قلق المحور ؛ عهدٌ عَهده إلیَّ أبی عن جدّی رسول الله . فأجمعوا أمرکم وشرکاءکم ثمّ لا یکن أمرکم علیکم غمّه ، ثمّ اقضوا إلیَّ ولا تنظرون ، إنّی توکّلت على الله ربّی وربّکم ، ما من دابّه إلاّ هو آخذ بناصیتها إنّ ربّی على صراط مستقیم(۱) . والله لا یدع أحداً منهم إلاّ انتقم لی منه ؛ قتله بقتله وضربه بضربه ، وإنّه لینتصر لی ولأهل بیتی وأشیاعی ))(۲) .
فماذا یمکن أن نسمّی هذا القول ؟ نبوءه ، رؤیا ، سلطه علویّه خاصّه بالشهداء الأبرار ، نفحه من السرّ الإلهیّ للمختارین ؟ وإلاّ فکیف دالت الاُمور بعد سنوات معدوده من قول هذه الکلمات إلى نفس الشکل الذی حدّدته ، وبنفس الکیفیّه التی جاهرت بها ، فکانت القتله بقتله والضربه بضربه ؟
ـــــــــــــ
(۱) مقتل الحسین ـ المقرّم / ۲۸۷ عن تاریخ ابن عساکر ۴ / ۳۳۴ واللهوف / ۵۴ .
(۲) مقتل العوالم / ۸۴ .
ولنسمع الشهید یکمل استقراء مستقبل الأیّام فیقول (علیه السّلام) : (( اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء ، وابعث علیهم سنین کسنیّ یوسف ، وسلّط علیهم غلام ثقیف(۱) یسقیهم کأساً مصبّره )) .
فکانت السنوات التی وقعت بین تاریخ مقتله وتاریخ سقوط آخر أمیر اُموی ألعن من سنی یوسف ؛ تسلّط خلالها علیهم مَن هم أقسى من غلام ثقیف ، فأذاقهم ( زقاً ) مصبره , ولم یکتف بکأس واحده ، فتبدّد شملهم واندثر ذکرهم .
وکانت صرخته التی راحت شعاراً للثوره والمظلومین : (( أمَا من مغیثٍ یغیثنا ! أمَا من مجیرٍ یجیرنا ! أمَا من طالب حقّ ینصرنا ! أمَا من خائفٍ من النار فیذبّ عنّا ! )) . قد أضحت أمراً لکثیرین کی یهبّوا لإغاثه مبادئه ، فازداد المجیرون ، وکثر طلاّب الحقّ المناصرین لحقّه ، وصار عدد الخائفین من النار أکثر من عدد رمل البحر ؛ یذبّون عن العقیده التی تکلّم باسمها وعنى بها قوله ( یذبّ عنّا ) ، فانقلبت الموازین ، وغدا شعار إغاثه الحسین وإجارته ونصرته والذبّ عنه ناموساً وشریعه لدى کلّ المؤمنین ؛ سواء أکانوا مسلمین ، أو تحت أیّ دین أو عقیده انضووا , وفی کلّ عصر ومصر ، وغدا الحسین رمزاً وشعاراً واستلهاماً واُسلوباً .
ولئن تحدّثنا عن نبوءات الحسین التی تحقّقت بعد ردح من الزمن ، فإنّنا لن نغفل ما ألهمته هذه النبوءات للعقیله زینب (علیها السّلام) ، من استقراء للمستقبل القریب وهی التی کانت قریبه على الدوام من أخیها تسمع کلّ ما یلفظه فوه من کلام ، وکانت تحفظ فی قلبها استلهام أخیها الشهید ، فیوحی لها هذا الاستلهام بکلّ ما تلفّظت به کاستقراء للمستقبل .
فها هی فی واحده من هذه الاستقراءات ، حینما وقفت أمام یزید وقالت له :
ـــــــــــ
(۱) هو المختار بن أبی عبیده الثقفی .
اللّهمّ خذ لنا بحقّنا ، وانتقم ممَّن ظلمنا ، واحلل غضبک بمَن سفک دماءنا ، وقتل حماتنا .
وإذا کان فی قولتها هذه دعاء عامّ لکلّ مَن ظلمهم وقتل حماتهم ، فإنّها هنا فی هذه القوله تحدّد أکثر فتقول موجّهه کلامها لیزید : فوالله ما فریت إلاّ جلدک ولا حززت إلاّ لحمک ، ولتَرِدَنّ على رسول الله وآله بما تحمّلت من سفک دماء ذریّته وانتهکت من حرمته فی عترته ولحمته ، حیث یجتمع شملهم ، ویلمّ شعثهم ، ویأخذ بحقّهم .
وهکذا أیضاً لم تشذّ الاُمور فی ما تلا من أیّام عن هذا الاستلهام قید أنمله ، فکان یزید ممَّن حزّ لحمه وفری جلده بیده ، ودلّت میتته وما تلاها على بعض ما ینتظره فی الآخره عندما یُحشر یوم القیامه ویُسأل عمّا تحمّله من سفک دماء عتره النبی (صلّى الله علیه وآله) .
ولعلّ الإلهام المستقرّئ للمستقبل کان فی عباره العقیله لیزید واضحاً محدّد المعالم بشکل غریب إذ قالت له : فوالله لا تمحو ذکرنا ولا تمیت وحینا ، ولا یرحض عنک عارها ، وهل رأیک إلاّ فند ، وأیّامک إلاّ عدد ، وجمعک إلاّ بدد ، یوم ینادی المنادی ألا لعنه الله على الظالمین .
وقالت وهی مسبیّه : المستقبل لذکرنا ، والعظمه لرجالنا ، والحیاه لآثارنا ، والعلوّ لأعتابنا ، والولاء لنا وحدنا .
وقالت لابن أخیها السجّاد قبل أن یترک رکب السبی أرض کربلاء : فوالله إنّ هذا لعهد من الله إلى جدّک وأبیک ، إنّ قبر أبیک سیکون علماً لا یُدرس أثره ، ولا یُمحى رسمه على کرور الأیّام واللیالی ، ولیجتهد أئمّه الکفر وأشیاع الضلال فی محوه وتطمیسه ، فلا یزداد أثره إلاّ علوّاً(۱) .
وقد برهنت الأیّام وتکرار القرون على صدق هذا الاستقراء ، فلم یرحض عار الجریمه عن یزید حتّى فتکت به وراح بجریرتها ، فکانت أیّامه عدداً وجمعه بدداً .
وکان المستقبل لذکر آل البیت (علیهم السّلام) مرهوناً ، والعظمه لرجاله موقوفه ، والحیاه لآثارهم ناصعه ، والعلوّ لأعتابهم یزداد ، والولاء لهم وحدهم یتعمّق .
واحتلّ قبر الحسین الشهید کعلم لا یُدرس أثره فی الضمائر قبل الأرض ، ولم یزده کرور اللیالی والأیّام إلاّ رسوخ رسمه ، وما زادته اجتهادات أئمّه الکفر وأشیاع الضَلال إلاّ بروزاً وتثبیتاً ، فازداد أثره علوّاً .
ولنَجِل عیوننا الآن إذا کنّا فی شکّ من تمام هذه المعجزات التی اجترحتها شهاده سیّد الشهداء ، لنَجِلها فی کلّ البقاع والأصقاع باحثین عن أیّ أثر لیزید أو معاویه أو شمر أو ابن زیاد ، فلا یمکن أن نعثر على أیّ أثر لهؤلاء ، فقد اندرست آثارهم ، وانمحى ذکرهم ، وإذا ذکروا فلأجل لعنهم والدعاء لهم بنارٍ حامیه لا تنطفئ .
ـــــــــــــ
(۱) کامل الزیارات / ۲۶۱ .
ولنَجِل أبصارنا بالمقابل إلى أیّ مکان فوق هذا الکوکب ، فیطالعنا خلود الحسین ونسمع اللهج بذکراه . ففوق کلّ مکان الحسین مناره هَدی ، وفوق کلّ یمّ الحسین طوق نجاه ، وفی کلّ مظلمه الحسین قبس من نور وحکمه ، وأمام کلّ طاغیه الحسین ثوره لا تبقی ولا تذر .
هو (علیه السّلام) ملء الأبصار والأسماع ، أمل للحائرین والمظلومین ، وبلسم للمجروحین المحزونین ، وشفاء لکلّ علّه اجتماعیّه وأخلاقیّه .
ولنرى الآن أین اُولئک الظالمون ؟ وأین قبورهم ؟ وکیف یُذکرون ؟(۱) لنقتنع بعظمه أقوال السبط العظیم ، وبخلود مبادئه خلود الإنسان الذی کانت لأجله .
ویکفی یزید مهانه أن یعلن ابنه معاویه الثانی أمام حشدٍ کبیر براءته ممّا جنت أیدی أبیه وجدّه ، ورفضه الجلوس على عرش ملوّث بدماء الحسین . ویکفی الحسین خلوداً وتکریماً أن یعلن ابن قاتله عن حمل شعله ثورته والعمل بوحی من مبادئه .
ولنرى الآن کیف یکرّم المؤمنون على اختلاف أدیانهم الحسین (علیه السّلام) ، وکیف یستلهمون ثورته فی قیامهم وقعودهم(۲) ، فی صغائر اُمورهم الدنیویّه وکبائرها ؟
فلنمجّد لله الذی کان رفوقاً بعباده إذ أعدّ لهم طوق خلاصهم ، ورفع أمام بصائرهم الکلیله مناره الفضیله والحقّ بشخص الحسین الشهید . وإنّها لعبره ودرس علوی لبنی البشر ؛ کی لا یعموا بصائرهم ویصمّوا آذانهم عن دعوات الحقّ التی یرسل لها تعالى أربابها لحکمه فوق مستوى إدراکهم .
قالت عزّته : وکما عَلَت السماوات عن الأرض کذلک طُرقی عَلَت على طُرقکم ، وأفکاری على أفکارکم(۳) .
ونهضه الحسین (علیه السّلام) هی السفینه التی عناها الرسول الکریم ، فمَن یرکبها ینجو ، ومَن یتخلّف عن رکوبها یغرق .
ـــــــــــــــــ
(1) قیل : إنّ یزید مات أثناء تلهّیه بالصید فی ( حوّارین ) من بلاد الشام . ولم یعثر من جثّته إلاّ على فخذه ، فنقلت إلى دمشق ودفنت قرب الباب الصغیر الیوم فی غرفه مهجوره لیس لها سقف ، یرمیها المارّون بالحجاره ویبصقون على العظام التی تضمّها ، تبرّؤوا من یزید ومن أفعاله المنکره .
(۲) ذکرى عاشوراء تجدید لهذا الاستلهام ، وإعاده لذکرى الفداء العظیم الذی أنقذ دین الإسلام من الفناء .
(۳) أشعیا ۵۵ / ۹ ـ ۱۰ .
فما أجدر بالبشریّه وهی تجتاز فی هذا العصر المظلم أخلاقیّاً واجتماعیّاً وسلطویّاً درب آلامها لأن تتوجّه نحو مناره الحسین کی لا تضلّ ، وتتمسّک بأطواق مبادئه کی لا تغرق ، وتسترشد بصرخته کی تبعد عنها وحوش الضلاله وثعابین الظلم والإذلال .
وما أحرانا الآن أکثر من أیّ وقت مضى لأن نستدفئ بحراره قتل الحسین المنبعثه من قلوبنا حارّه لا تبرد أبداً . وهی حاره تستوطن قلوبنا ، ولا داعی للبحث عنها بعیداً عن صدورنا ، فهی جزء من حراره قلوبنا ، إذا کنّا مؤمنین .
ولنا فی قوله الرسول الکریم (صلّى الله علیه وآله) : (( إنّ لقتل الحسین حراره فی قلوب المؤمنین لا تبرد أبداً )) دافعاً لإدراک حقیقه جوهریّه لطالما تغافلنا عنها ، وهی أنّ حراره قتل الحسین قد احتلّت قلوبنا وامتزجت فی دمائنا وصارت خلیّه من خلایانا ، ولو لم تکن حرارته کذلک لَما أعطاها الرسول الکریم صفه الحتمیّه التی لا تتحمّل تأویلاً .
فصلوات الله علیه لم یقُل : ستظلّ حراره قتل الحسین حارّه فیعطیها صفه المرحلیّه ، ولم یقُل : اجعلوها حارّه فی قلوبکم فیعطیها صفه البدء ، ویعطینا خاصیّه الاختیار والتقریر بین جعلها حارّه أو ترکها بارده ، ولم یقُل : یجب أن یکون لقتل الحسین حراره فیربطها بإراده الإنسان ، فتخضع لمبدأ الوجوب أو عدمه ، بل کان فی قولته (صلّى الله علیه وآله) تضمین حتمی بأنّ لقتل الحسین حراره لا تبرد أبداً ، وهو تضمین لا یحمل صفه التعمیه أو اللبس ، بل هو تأکید مجزوم بأنّ قلب المؤمن هو مقرّ ومستقرّ حراره استشهاد الحسین ؛ لأنّ سدى هذا الاستشهاد من لحمه إیمان قلب المؤمن ، فهو إذاً لا یحیا إلاّ بهذه الحراره ، وهذه الحراره لا تتأجّج حیث لا تبرد أبداً إلاّ فی هذا القلب(۱) .
قوله نبویّه فیها من إعجاز الحکمه الشیء الکثیر لو عملنا بمقتضاها لتبدّلت حیاتنا ، وما أظنّ إلاّ أنّا عاملون بهذا المقتضى ملتفتون إلى ما فیه من جوهر ، فحتمیه اندفاعتنا العصریّه وما یحیق بها من مظالم وقهر ستؤول بنا فی النهایه إلى حظیره الحسین ، حیث نجد فیها العدل والرحمه والطمأنینه ، وننفض عن ذاتیّتنا کلّ وهنٍ وخوفٍ وشکٍّ .
فمَن أحقّ من المؤمن فی الاستفاده من نتائج شهاده الحسین ، ومَن أحقّ منه فی الدفء المنبعث من هذه الشهاده ، حیث یذوب أمامه صقیع أوهامه ؟ فهلاّ کنّا من المؤمنین الذین کرّمهم تعالى بأن جعل لقتل الحسین فی قلوبهم حراره لا تبرد أبداً ؟ وهل نحن أهلٌ لهذه التکرمه ؟ وجدیرون حقّاً بهذه الحراره؟
قبل الإجابه لنسأل أوّلاً : هل وعَینا هذه الحراره ؟ وهل تأکّدنا من وجودها فی قلوبنا(۲) ؟
ــــــــــــــــ
(۱) حراره المشاعر فی القلوب هی المُلهم للفکر والمحرّک لإراده الفعل . وفی استیلاء حراره الحبّ فی القلب المُحبّ دافعاً له لإظهار مودّته وعطفه نحو محبوبه بقدر کبیر من الجزل والحبور . وحراره قتل الحسین (علیه السّلام) المستوطنه فی قلوبنا تؤجّج فی أفکارنا إلهامات إنسانیّه خیّره . وفی قلوبنا التماعات قدمیه عذبه ، فننحو نحوها بجوارحنا لنذوب فی نداء مجهولها ، فتخضوضر مناطق الیبوسه فی حنایانا . وفی هذا سرّ الحراره والتأجّج .
(۲) التأکّد یکون بعدّه مظاهر أوّلها القدره على الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر ونصره المظلوم .