تشبیه حمله التواره بالحمار

0

شبهه لمسیحی:
﴿الَّذِینَ آتَیْنَاهُمُ الْکِتَابَ یَعْرِفُونَهُ کَمَا یَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِینَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ یُؤْمِنُونَ﴾(۱)، هنا أهل الکتاب یعرفون الکتاب کما یعرفون أبنائهم..، وهذا مناقض لما ورد فی سوره الجمعه ﴿مَثَلُ الَّذِینَ حُمِّلُوا التَّوْرَاهَ ثُمَّ لَمْ یَحْمِلُوهَا کَمَثَلِ الْحِمَارِ یَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِینَ کَذَّبُوا بِآیَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا یَهْدِی الْقَوْمَ الظَّالِمِینَ﴾(۲) وهنا یُشبههم القرآن بالحمار الحامل کتباً لا یدرى ما فیها.. فکیف کانوا یعرفون محمداً کنبیٍّ ورسولٍ لله من کتابهم کما فی الآیه الأولى ومع ذلک لا یدرون ما فیه کما لا یدرى البهیم ما فی الکتب المحمَّله على ظهره فأیُّ الآیتین هی الصائبه؟
الجواب:
المراد من قوله تعالى: ﴿الَّذِینَ حُمِّلُوا التَّوْرَاهَ﴾ هم الیهود کُلِّفوا بالتوراه أی بالإذعان بما إشتملت علیه من معارف وبالإلتزام بما إشتملت علیه من شرائع وأحکام. 
فکلمه حمِّلوا بحسب مدلولها اللغوی والعرفی تعنی أنَّهم کُلِّفوا، فإذا قیل مثلاً "حمَّل الأمیر شأن رعایه الثغور لقائد الجند" فإنَّ معنى ذلک هو انَّه کلَّفه مسئولیه الرعایه والحفظ لثغور البلد.
وقد إستعمل القرآن الکریم کلمه التحمیل فی معنى التکلیف فی أکثر من موضع کقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَهَ لَنَا بِهِ﴾(۳) أی لا تُکلِّفنا ما لا نُطیقه ، وکقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِیعُوا اللَّهَ وَأَطِیعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَیْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَیْکُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾(۴) أی إنَّ الرسول مسئولٌ عمَّا کُلِّف به وأنتم مسئولون عمَّا کُلِّفتم به.
فإذا کان المراد من قوله تعالى: ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاهَ﴾ هو أنَّه قد أُنیطت بهم مسئولیه الإلتزام بما إشتملت علیه التوراه من معارف وأحکام فهذا یقتضی أنَّهم على علمٍ بما تضمَّنته التوراه، إذ انَّ التکلیف بالشیئ لا یتمُّ ولا یصحُّ إلا بعد الإحاطه والمعرفه بالمکلَّف به.
وعلیه فأهل الکتاب بما فیهم الیهود یعلمون بما فی التوراه ولا یجهلونه، وأما تشبیههم بالحمار الذی یحمل أسفاراً فهو لیس من جهه جهلهم بما فی التوراه بل لأنَّهم لم یلتزموا بما إشتملت علیه التوراه من مضامین، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ یَحْمِلُوهَا﴾ أی انَّهم لم یلتزموا بمقتضى المسئولیه الإلهیه التی أُنیطت بهم وهی العمل بما إشتملت علیه التوراه ، وهذا معناه أنَّهم لم ینتفعوا بالهدى الذی جاءت به التوراه، فمثَلُهم فی ذلک مثَل الحمار الذی تُحمل علیه الکتب المشتمله على مختلف العلوم والمعارف إلا انَّه لا ینتفع بها ولا یجنی من حملها إلا العناء والتعب ، فهکذا هم الیهود حُمِّلوا التوراه وکُلِّفوا بالإهتداء بهدیها إلا انَّهم إستحبَّوا العمى على الهدى فلم ینتفعوا بهدْی التوراه شأنُهم فی ذلک شأنُ الحمار الذی لا ینتفع بما یُحمل علیه من کتب المعارف والحِکَم.
فوجهُ الشبَه بین الیهود والحمار الذی یَحمل أسفاراً على ظهره هو أنَّ کلاً منهما لا ینتفع بما حُمِّل ، ولیس وجه الشبَه هو أنَّ کلاً منهما لا یعلم بما حُمِّل حتى تکون هذه الآیه مناقضه لقوله تعالى: ﴿الَّذِینَ آَتَیْنَاهُمُ الْکِتَابَ یَعْرِفُونَهُ کَمَا یَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ فهم یعرفون محمداً النبی (ص) بلا ریب کما أفاد القرآن بل یعرفون کلَّما إشتملت علیه التوراه من معارف إلا انَّهم کانوا یجحدون الحق ویُکابرونه ، وقد أخطأوا بذلک حظَّهم فکان نصیبهم مما عُلِّموه من هدی التوراه کنصیب الحمار من الکتب المُحمَّله على ظهره، فکما انَّه لا ینتفع بها ولکنَّه یتحمَّل عناء ثقلها على ظهره فکذلک الیهود لم ینتفعوا بالتوراه و لکنَّهم یتحمَّلون وزْرَ المسئولیه والتکلیف بها.
الذی یؤکِّد أنَّ وجه الشبَه – المراد من الآیه – بین الیهود والحمار هو ماذکرناه من عدم إنتفاع کلٍّ منهما بما حُمِّل وانَّه لیس المراد من وجه الشبَه هو انَّ کلاً منهما لا یعلم بما حُمِّل، الذی یؤکد ذلک انَّ الآیه من سوره الجمعه کانت بصدد تمثیل الیهود وما آل إلیه أمرهم للأُمیین المسلمین، وذلک لغرض تحذیرهم من الوقوع فیما وقع فیه الیهود ، وقد أفادت السوره فی مطلعها انَّ الأُمیین قد بُعث فیهم الرسول (ص) لیُعلِّمهم الکتاب والحکمه ویُزکِّیهم لذلک فلیحذروا أنْ یکون مآلُ أمرهم إلى ما آلَ إلیه أمر الیهود حیثُ کانوا هم أیضاً قد عُلِّموا التوراه إلا انَّهم لم یهتدوا بهدیها، قال تعالى فی سوره الجمعه: ﴿هُوَ الَّذِی بَعَثَ فِی الْأُمِّیِّینَ رَسُولًا مِنْهُمْ یَتْلُو عَلَیْهِمْ آَیَاتِهِ وَیُزَکِّیهِمْ وَیُعَلِّمُهُمُ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَهَ وَإِنْ کَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِی ضَلَالٍ مُبِینٍ / وَآَخَرِینَ مِنْهُمْ لَمَّا یَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ / ذَلِکَ فَضْلُ اللَّهِ یُؤْتِیهِ مَنْ یَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِیمِ / مَثَلُ الَّذِینَ حُمِّلُوا التَّوْرَاهَ ثُمَّ لَمْ یَحْمِلُوهَا کَمَثَلِ الْحِمَارِ یَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِینَ کَذَّبُوا بِآَیَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا یَهْدِی الْقَوْمَ الظَّالِمِینَ﴾(۵).
فمقتضى سیاق الآیات هو انَّ الیهود کانوا على علمٍ بالتوراه کما هو حال الأُمیین الذین عَلَّمهم الرسول (ص) الکتاب والحکمه. ومن ذلک یتعیَّن المراد من تشبیه الیهود بالحمار الذی یحمل أسفاراً وانَّ وجه الشبَه هو عدم إنتفاع کلٍّ من الیهود والحمار بما حُمل علیه.
وثمه قرینه أُخرى على تعیُّن وجه الشبَه فیما ذکرناه وهی انَّ الآیه التی إشتملت على تشبیه الیهود بالحمار ذیَّلت ذلک بذمِّهم ونعتهم بالکذب ووصفهم بالظالمین، ومن الواضح انَّه لوکان مراد القرآن من تشبیه الیهود بالحمار هو التعبیر عن جهلهم وعدم درایتهم لما نعتهم بعد التشبیه بأنَّهم کاذبون وظالمون لأنَّ الجاهل لا یُوصف بالکاذب والظالم، والذی یصحُّ ذمُّه بذلک إنَّما هو العالم فهو مَن یستحق التشنیع والذم بالکذب والظلم. 
ومن کلِّ ذلک یتضح انَّ الآیه من سوره الجمعه لا تُنافی قوله تعالى: ﴿یَعْرِفُونَهُ کَمَا یَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ فإنَّ الآیه من سوره الجمعه لا تنفی العلم بالتوراه عن الیهود وإنَّما تنفی عنهم الإهتداء بالتوراه. 
هذا وقد تصدَّى القرآن فی آیاتٍ عدیده للتأکید على علم الیهود بما فی التوراه، فمن ذلک قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْکِتَابَ الَّذِی جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِیسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ کَثِیرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُکُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِی خَوْضِهِمْ یَلْعَبُونَ﴾(۶) فهم یُبدون ما یرتضون ویُخفون الکثیر مما ینافی أهواءَهم ، وذلک لا یتفق إلا لمن یعلم بکلِّ ما فی الکتاب.
وقال تعالى : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِیثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِیَهً یُحَرِّفُونَ الْکَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُکِّرُوا بِهِ﴾(۷) فهم یُحرِّفون الکلم عن مواضعه ، والتحریف إنَّما ینشأ عن عدم الإرتضاء بما إشتمل علیه الکَلِم من المعانی، ومن البیِّن انَّ عدم الإرتضاء ثم السعی للتحریف هما فرع الفهم والعلم بمضامین الکلام غیر المرضی الذی یُراد تحریفه ، ثم قال تعالى: ﴿یَا أَهْلَ الْکِتَابِ قَدْ جَاءَکُمْ رَسُولُنَا یُبَیِّنُ لَکُمْ کَثِیرًا مِمَّا کُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْکِتَابِ وَیَعْفُو عَنْ کَثِیر﴾(۸) والسعی لإخفاء کثیراً مما إشتمل علیه الکتاب لا یتمُّ إلا فی فرض الإحاطه بمضامین الکتاب، فهم إذن یعلمون بما فی الکتاب المنزَّل علیهم إلا انَّه ونظراً لإشتماله على مایُنتج إلزامهم بما لا یُناسب أهواءَهم ومفتریاتهم لذلک فالوسیله هی إخفاء تلک المواضع لیکونوا فی أمنٍ من إحتجاج خصمهم بها علیهم.
والمتحصَّل مما ذکرناه انَّ وجه الشبَه فی الآیه من سوره الجمعه بین الیهود والحمار الذی یحمل أسفارا هو انَّ کلاً منهما لا ینتفع بما حُمِّل، والقرینه على ذلک انَّ معنى قوله حملوا التوراه هو انَّهم کُلِّفوا بما فی التوراه ، والتکلیف بالشیئ فرع العلم به.
والقرینه الثانیه: هی انَّ سوره الجمعه کانت بصدد تمثیل حال الیهود للأمیین الذین نصَّت الآیات من سوره الجمعه على انَّهم -أی الأمیین -عُلِّموا الکتاب والحکمه، فمقتضى ذلک انَّ الیهود کانوا على علمٍ بالتواره حتى یصحُّ التمثیل بهم.
والقرینه الثالثه: انَّ الآیه التی شبَّهت الیهود بالحمار ذیَّلت التشبیه بذمِّ الیهود ونعتهم بالکذب والظلم ، وکلا النعتین إنَّما یصحَّان فی فرض العلم والدرایه، وأما الجاهل فلا یُذمُّ بالکذب والظلم.
والقرینه الرابعه: انَّ القرآن أکَّد فی آیاتٍ عدیده على انَّ أهل الکتاب کانوا على علمٍ بما أُنزل إلیهم فیکون ذلک أمارهً على عدم إراده نفی العلم من تشبیه الیهود بالحمار الذی یحمل أسفارا، وعلیه فلا یکون التشبیه مناقضاً لقوله تعالى: ﴿یَعْرِفُونَهُ کَمَا یَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ بل إنَّ کلاً من الآیتین تقتضی إثبات العلم للیهود ونفی الإلتزام بما علموا.
والحمد لله رب العالمین
ــــــــــــ
۱- سوره الانعام آیه رقم ۲۰٫
۲- سوره الجمعه آیه رقم ۵٫
۳- سوره البقره آیه رقم ۲۸۶٫
۴- سوره النور آیه رقم ۵۴٫
۵- سوره الجمعه آیات رقم ۲-۵٫
۶- سوره الانعام آیه رقم ۹۱٫
۷- سوره المائده آیه رقم ۱۳٫
۸- سوره المائده آیه رقم ۱۵٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.