فلسفه التقیه

0

 
یختلف مفهوم «التقیه» عن مفهوم «النفاق» اختلافاً جوهریاً، فلم یکن مفهوم «التقیه» بحال من الأحوال من مقوله «النفاق»،وبالإضافه إلى الاختلاف الجوهری والماهوی بینهما فانّهما یختلفان فی الحکم (الحرمه والجواز) أیضاً.
توضیح ذلک: انّ لفظ «النفاق» فی اللغه له معنى خاص( [۱])، وقد أطلقه القرآن ـ ولجهه المشابهه ـ على الإنسان ذی الوجهین،ولم یکن هذا المصطلح رائجاً قبل نزول القرآن الکریم.
یقول ابن منظور المصری فی «لسان العرب»: وقد تکرر فی الحدیث ذکر النفاق وما تصرف منه اسماً وفعلاً، وهو اسم إسلامی لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وهو الذی یستر کفره ویظهر إیمانه، وإن کان أصله فی اللغه معروفاً.( [۲])
وعلى هذا الأساس یکون استعمال لفظ «المنافق» فی الإنسان«ذی الوجهین» استعمالاً قرآنیاً ومصطلحاً إسلامیاً، لا أنّه اصطلاح عام، وانّ القرآن أطلق ذلک على طائفه من الناس الکافرین الذین یسترون کفرهم بستار من الإیمان الظاهری حیث یقول سبحانه:
( إِذا جاءَکَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّکَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ یعْلَمُ إِنَّکَ لَرَسُولُهُ وَاللّهُ یَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقینَ لَکاذِبُونَ ) .( [۳])
فمن الواضح انّ الآیه تطلق لفظ «المنافقون» على تلک الطائفه التی تضمر الکفر وتظهر الإیمان.
ومن هنا نعلم أنّ النفاق لا یطلق على کلّ حاله یختلف فیها الظاهر عن الباطن، وکلّ حاله یظهر من صاحبها أنّه یلعب دورین ویکون ذا وجهین، بل یراد منها حاله واحده فقط وهی فیما إذا أضمر الکفر وأظهر الإیمان، فحینئذ یقال له منافق.
ونحن إذا رجعنا إلى مصطلح «التقیه» نجد الأمر على العکس من ذلک تماماً فإنّ الإنسان المتّقی یختلف موقفه اختلافاً جوهریاً عن المنافق، حیث یظهر الکفر ویضمر فی داخله الإیمان ، یقول سبحانه واصفاً مؤمن آل فرعون:
( وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَونَ یَکْتُمُ إِیمانَهُ… ) .( [۴])
فهذه الآیه من الآیات التی تتعلّق بموضوع التقیه والتی تظهر بجلاء أنّ التقیه تقع فی نقطه مقابله للنفاق، وأنّ بینهما فرقاً جوهریاً وأساسیاً، إذ الإنسان المتقّی یکتم إیمانه ویظهر الکفر لأسباب وعوامل ضغط خارجیه تقتضی ذلک،وأمّا المنافق فیعیش على العکس منه تماماً إذ یظهر إیمانه ویضمر فی نفسه الکفر.
ومن هنا وعلى هذا الأساس نعرف وبوضوح أنّ مفهوم «التقیه» یختلف عن مفهوم «النفاق» فی الأهداف والأغراض أیضاً، لأنّ هدف المنافق هو إفساد المجتمع وقلب النظام الإسلامی والقضاء علیه، والحال انّ هدف الإنسان المتّقی إصلاح المجتمع أو على أقل تقدیر الحفاظ على حیاته وعرضه وماله أمام تهدید وضغط العوامل الخارجیه التی لا یمکنه التخلّص منها إلاّ من خلال هذا الطریق.
ولقد أشار القرآن الکریم إلى قصه مؤمن آل فرعون وسعیه المتواصل تحت ستار التقیه للحفاظ على حیاه النبی موسى (علیه السلام) ، وهذا یعنی أنّه کان ینسّق مع فرعون ویظهر له الکفر لتحقیق هدف أکبر وهو الحفاظ على حیاه النبی موسى ومن تبعه. ولذلک نراه وکما ینقل لنا القرآن الکریم ذلک یخاطب فرعون وقومه بأُسلوب دبلوماسی یدلّ على ذکائه وإیمانه العمیق وهدفه السامی:
( …أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ یَقُولَ رَبِّیَ اللّهُ وَقَدْ جاءَکُمْ بِالْبَیِّناتِ مِنْ رَبِّکُمْ وَإِنْ یَکُ کاذِباً فَعَلَیْهِ کِذْبُهُ وَإِنْ یَکُ صادِقاً یُصِبْکُمْ بَعْضُ الَّذِی یَعِدُکُمْ… ) .( [۵])
فإذا  کان المتّقی هدفه  من إظهار الکفر الإصلاح والحفاظ  على النفس والمال وسلامه المؤمنین واستقرارهم  وعدم التعرض لهم من قبل الطواغیت بالأذى والتعذیب; فإنّ المنافق على عکس ذلک یظهر التنسیق مع المؤمنین والسیر فی رکابهم والوقوف إلى جنبهم ظاهراً، ولکنّه یمسک بمعوله لیهدم الإسلام والمجتمع الإسلامی بطریقه خفیه، ویتستّر لتحقیق هذا الهدف المشؤوم بستار الإیمان والتقوى.( [۶])

[۱] . انظر ما نقلناه عن اللسان فی ص ۱۷۸٫
[۲] . لسان العرب:۱۰/۳۵۹، ماده « نفق » .
[۳] . المنافقون: ۱۰٫
[۴] . غافر: ۲۸٫
[۵] . غافر: ۲۸٫
[۶] . منشور جاوید:۴/۲۱ـ ۲۳٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.