سبایا آل النبی فی دمشق
لتعرض على الشامیّین، کما عرضت على الکوفیّین حتى تمتلأ قلوب الناس فزعاً وخوفاً وتظهر مقدره الاُمویّین، وغلبتهم على آل الرسول.
وقد سیّرت رؤوس العتره الطاهره مع الأثیم زهیر بن قیس الجعفی، کما سیّرت العائله النبویه مع محفر بن ثعلبه من عائده قریش، وشمر بن ذی الجوشن، وقد أوثقت بالحبال، وأرکبت على أقتاب الجمال، وهن بحاله تقشعر منها ومن ذکرها الأبدان وترتعد لها فرائض کل إنسان(۱).
وسارت قافله الأسرى لا تلوی على شیء حتى انتهت إلى القرب من دمشق، فاُقیمت هناک حتى تتزیّن البلد بمظهر الزهو والأفراح، ومن الجدیر بالذکر أنّ مخدّرات النبوه وباقی الأسرى قد التزموا جانب الصمت فلم یطلبوا أی شیء من اُولئک الأنذال الموکّلین بهم، وذلک لعلم العلویات بعدم الاستجابه لأی شیء من مطالبهن.
تزیین الشام
وأمرت حکومه دمشق الدوائر الرسمیه وشبه الرسمیه بإظهار الزینه والفرح للنصر الذی أحرزته بقتل أبناء النبیّ (صلّى الله علیه وآله)، ووصف بعض المؤرخین تلک الزینه بقوله:
ولمّا بلغوا – أی أسارى أهل البیت – ما دون دمشق بأربعه فراسخ استقبلهم أهل الشام وهم ینثرون النثار فرحاً وسروراً حتى بلغوا بهم قریب البلد، فوقفوهم عن الدخول ثلاثه أیام وحبسوهم هناک، حتى تتوفّر زینه الشام وتزویقها بالحلیّ والحلل والحریر والدیباج والفضه والذهب وأنواع الجواهر، على صفه لم یر الراؤون مثلها لا قبل ذلک الیوم ولا بعده، ثمّ خرج الرجال والنساء، والأصاغر والأکابر، والوزراء والأمراء، والیهود والمجوس والنصارى وسائر الملل، إلى التفرّج ومعهم الطبول والدفوف والبوقات والمزامیر، وسائر آلات اللهو والطرب، وقد کحّلوا العیون، وخضبوا الأیدی، ولبسوا أفخر الملابس، وتزیّنوا أحسن الزینه، ولم یر الراؤون أشدّ احتفالاً ولا أکثر اجتماعاً منه، حتى کأن الناس کلّهم حشروا جمیعاً فی صعید دمشق(۲).
لقد أبدى ذلک المجتمع الذی تربّى على بغض أهل البیت جمیع ألوان الفرح والسرور بإباده العتره الطاهره وسبی حرائر النبوه.
وروى سهل بن سعد الساعدی ما رآه من استبشار الناس بقتل الحسین، یقول: خرجت إلى بیت المقدس حتى توسّطت الشام، فإذا أنا بمدینه مطرده الأنهار کثیره الأشجار، قد علّقت علیها الحجب والدیباج، والناس فرحون مستبشرون، وعندهم نساء یلعبن بالدفوف والطبول، فقلت فی نفسی: إنّ لأهل الشام عیداً لا نعرفه، فرأیت قوماً یتحدّثون فقلت لهم:
ألکم بالشام عید لا نعرفه؟
نراک یا شیخ غریباً؟
أنا سهل بن سعد قد رأیت رسول الله.
یا سهل، ما أعجبک أن السماء لا تمطر دماً، والأرض لا تنخسف بأهلها.
وما ذاک؟
هذا رأس الحسین یُهدی من أرض العراق.
واعجباً، یهدى رأس الحسین والناس یفرحون! من أیّ باب یدخل؟
وأشاروا إلى باب الساعات، فأسرع سهل إلیها، وبینما هو واقف وإذا بالرایات یتبع بعضها بعضاً، وإذا بفارس بیده لواء منزوع السنان، وعلیه رأس من أشبه الناس وجهاً برسول الله (صلّى الله علیه وآله) وهو رأس أبی الأحرار، وخلفه السبایا محموله على جمال بغیر وطاء، وبادر سهل إلى إحدى السیّدات فسألها: من أنت؟
(أنا سکینه بنت الحسین).
ألک حاجه؟ فأنا سهل صاحب جدّک رسول الله.
(قل لصاحب هذا الرأس أن یقدّمه أمامنا حتى یشتغل الناس بالنظر إلیه، ولا ینظرون إلى حرم رسول الله (صلّى الله علیه وآله)).
وأسرع سهل إلى حامل الرأس فأعطاه أربعمائه درهم فباعد الرأس عن النساء(۳).
الشامی مع زین العابدین
وانبرى شیخ هرم یتوکّأ على عصاه لیمتّع نظره بالسبایا، فدنا من الإمام زین العابدین فرفع عقیرته قائلاً:
الحمد لله الذی أهلککم وأمکن الأمیر منکم.
وبصر به الإمام فرآه مخدوعاً قد ضلّلته الدعایه الاُمویه فقال له: (یا شیخ، أقرأت القرآن؟).
فبهت الشیخ من أسیر مکبول، فقال له بدهشه: بلى.
(أقرأت قوله تعالى: (قُل لاَ أَسْأَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّهَ فِی الْقُرْبى)، وقوله تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ)، وقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَیْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِی الْقُربى)؟).
وبهر الشیخ وتهافت فقال:
نعم، قرأت ذلک.
فقال له الإمام: (نحن والله القربى فی هذه الآیات.. یا شیخ، أقرأت قوله تعالى: (إِنَّمَا یُرِیدُ اللهُ لِیُذْهِبَ عَنکُمُ الرِّجسَ أَهْلَ الْبَیتِ وَیُطَهَّرَکُم تطْهِیراً)؟).
قال: بلى.
(نحن أهل البیت الذین خصّهم الله بالتطهیر).
ولمّا سمع الشیخ ذلک من الإمام ذهبت نفسه حسرات على ما فرّط فی أمر نفسه، وتلجلج وقال للإمام بنبرات مرتعشه: بالله علیکم أنتم هم؟
(وحق جدّنا رسول الله (صلّى الله علیه وآله) إنّا لنحن هم من غیر شکّ..).
وودّ الشیخ أنّ الأرض قد وارته ولم یجابه الإمام بتلک الکلمات القاسیه، وألقى بنفسه على الإمام وهو یوسع یدیه تقبیلاً، ودموعه تجری على سحنات وجهه قائلاً:
أبرأ إلى الله ممّن قتلکم.
وطلب من الإمام أن یمنحه العفو والرضا فعفا الإمام عنه(۴).
سرور یزید
وغمرت یزید موجات من الفرح حینما جیء له بسبایا أهل البیت، وکان مطلاً على منظر فی جیرون، فلمّا نظر إلى الرؤوس والسبایا قال:
لـــــما بدت تلک الحمول وأشرقــت تــــلک الــرؤوس على شفا جیرون
نعـــــب الغراب فقلت: قل أو لا تقل فقد اقتـــضیت من الرسول دیونی(۵)
لقد أخذ ابن هند ثأره من ابن فاتح مکه ومحطم أوثان قریش، فقد أباد العتره الطاهره وسبى ذراریها تشفّیاً وانتقاماً من الرسول الذی قتل أعلام الاُمویّین.
رأس الإمام عند یزید
وحمل الخبیث الأبرص شمر بن ذی الجوشن ومحفر بن ثعلبه العائدی رأس ریحانه رسول الله وسیّد شباب أهل الجنه هدیه إلى الفاجر یزید بن معاویه، فسرّ بذلک سروراً بالغاً، فقد استوفى ثأره ودیون الاُمویّین من ابن رسول الله، وقد أذن للناس إذناً عاماً لیظهر لهم قدرته وقهره لآل النبیّ (صلّى الله علیه وآله)، وازدحم الأوباش والأنذال من أهل الشام على البلاط الاُموی، وهم یعلنون فرحتهم الکبرى، ویهنّئون یزید بهذا النصر الکاذب(۶). وقد وضع الرأس الشریف بین یدی سلیل الخیانه، فجعل ینکثه بمخصرته، ویقرع ثنایاه اللتین کان رسول الله (صلّى الله علیه وآله) یترشفهما، وجعل یقول:
(لقد لقیت بغیک یا حسین)(۷).
ثمّ التفت إلى عملائه وأذنابه فقال لهم: (ما کنت أظنّ أباعبد الله قد بلغ هذا السنّ، وإذا لحیته ورأسه قد نصلا من الخضاب الأسود)(۸).
وتأمل فی وجه الإمام(علیه السّلام) فغمرته هیبته وراح یقول:
(ما رأیت مثل هذا الوجه حسناً قطّ)(۹).
أجل إنّه کوجه رسول الله (صلّى الله علیه وآله) الذی تحنو له الوجوه والرقاب، والذی یشعّ بروح الإیمان، وراح ابن معاویه یوسع ثغر الإمام بالضرب وهو یقول: إنّ هذا وإیّانا کما قال الحصین بن الحمام:
أبـــــى قومنا إن ینصفونا فانصفت قواضب فی إیمــــاننا تقـــطر الدما
نُفلِّقـــــن هــــاماً مــن رجال أعــزَّه علینـــــا وهــم کانوا أعقَّ وأظلمـا
ولم یتم الخبیث کلامه حتى أنکر علیه أبو برزه الأسلمی فقال له: أتنکت بقضیبک فی ثغر الحسین، أما لقد أخذ قضیبک فی ثغره مأخذاً لربّما رأیت رسول الله (صلّى الله علیه وآله) یرشفه، أما انّک یا یزید تجیء یوم القیامه وابن زیاد شفیعک ویجیء هذا ومحمّد (صلّى الله علیه وآله) شفیعه).
ثم قام منصرفاً عنه(۱۰).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
۱ – تحفه الأنام فی مختصر الإسلام: ۸۴٫
۲ – حیاه الإمام الحسین(علیه السّلام) ۳۶۹:۳٫
۳ – حیاه الإمام الحسین(علیه السّلام) ۳۷۰:۳٫
۴ – حیاه الإمام الحسین(علیه السّلام) ۳۷۱:۳٫
۵ – مقتل الحسین(علیه السّلام) – المقرّم: ۴۳۷٫
۶ – البدایه والنهایه ۱۹۸:۸٫
۷ – حیاه الإمام الحسین(علیه السّلام) ۳۷۴:۳٫
۸ – تاریخ الإسلام – الذهبی ۳۵۱:۲٫
۹ – تاریخ القضاعی: ۷۰٫
۱۰ – تاریخ ابن الأثیر ۳۹۸:۳٫