مجموعة من العوامل التي لا تنتج إلا الانحراف والضلال

0

مجموعة من العوامل التي لا تنتج إلا الانحراف والضلال

تحدّث القرآن الکریم وبمناسبات مختلفه عن مجموعه من العوامل التی لا تکون نتیجتها إلاّ الضلال والانحراف والغوایه، وممّا لا شکّ فیه أنّ معرفه تلک العوامل والاطّلاع علیها من قبل عباد اللّه الذین تتوق نفوسهم نحو الخیر والصلاح والسعاده تعدُّ سبباً أساسیاً وجوهریاً فی تکامل الإنسان ورقیّه الروحی والمعنوی والأخلاقی،لأنّ هذه العوامل المضرّه والمفسده ـ و کما قلناـ تکون سبباً لتعاسه وسوء خاتمه بعض الناس الذین ترکوا زمام أُمورهم ـ وباختیارهم وإرادتهم ـ تحت تصرّف هذه العوامل بحیث تسوقهم إلى حیث تشاء ومتى تشاء، ولکن فی نفس الوقت تکون تلک العوامل والأسباب بالنسبه إلى الأفراد المؤمنین والعقلاء والذین یحتاطون لأنفسهم، سبباً لتکاملهم وثباتهم ورسوخهم فی العقیده الدینیه والقیم الأخلاقیه.

وهذه العوامل عباره عن:
۱٫ الشیطان
لقد اعتبر القرآن الکریم فی الآیات التی تحدّثت عن عوامل الضلال انّ أحد هذه العوامل هو «الشیطان» الذی یکون سبباً للانحراف، والضلال، قال سبحانه:
( کُتِبَ عَلیهِ أَنّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ یُضِلّهُوَیَهْدیهِ إِلى عَذابِ السَّعیرِ ) .( [۱])
کما أشار القرآن إلى قول الشیطان بعد أن طرد من مقامه حینما تمرّد على الأمر الإلهی ولم یسجد لآدم(علیه السلام) :
( …لأتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِکَ نَصِیباً مَفْرُوضاً * وَ لأُضِلنَّهُمْ… ) .( [۲])
وفی آیه أُخرى یخبر اللّه سبحانه عن الذین أغواهم الشیطان وأزلّهم عن الطریق حیث قال سبحانه:
( وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْکُمْ جِبلاًّ کَثِیراً أَفَلَمْ تَکُونُوا تَعْقِلُونَ ) .( [۳])

۲٫ الهوى وخفه العقل
إنّ للغرائز والمیول والأهواء والأحاسیس تأثیراً مهماً فی بقاء واستمرار الحیاه الإنسانیه ودیمومه النسل البشری، وإذا ما سلبت من الإنسان غرائزه وأحاسیسه فإنّه سیفنى ویندثر لا محاله ، ولکن بالرغم من أهمیّه تلک الغرائز فإنّها إذا ما لم تعدّل وتوزن ویرسم لها حدودها ومدار حرکتها بنحو لا یقع الإنسان أُلعوبه ووسیله فی قبضه الغرائز والمیول الجامحه، فإنّ النتیجه تکون فناء الإنسان والقضاء علیه وإبادته، یقول سبحانه:
( …وَلا تَتَّبِِعِ الهَوى فَیُضِلَّکَ عَنْ سَبیلِ اللّهِ… ) .( [۴])
إذاً ووفقاً للنظریه القرآنیه انّ الّذین یضعون زمام أُمورهم فی قبضه النفس والغرائز غیر المهذبه وغیر المتّزنه هم عبده الهوى وأتباع المیول والغرائز حیث یقول سبحانه:
( أَفَرَأَیْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ… ) .( [۵])
وفی الواقع انّ الهوى هنا هو عین الغرائز والمیول الحیوانیه الجامحه والتی لا تعرف الحدود أبداً، وإذا ما رأینا الإسلام یحاول تنظیم تلک الغرائز وتعدیلها ورسم الحدود لها ووضع الخطوط الحمراء التی لا یحق لأی إنسان تجاوزها انسیاقاً مع الغرائز والمیول، فهذا لا یعنی انّ الإسلام یرید القضاء على تلک المیول والغرائز، بل هو فی الواقع سعی جاد من قبل الإسلام للحفاظ على النسل البشری وبقاء ودیمومه النوع الإنسانی واستمرار الحیاه من خلال عملیه الموازنه والتعدیل والتنظیم.

۳٫ رفیق السوء
من الأُمور الفطریه للإنسان أن یبحث عن مصاحب ورفیق له یناسبه فی السن والفکر والنوع، وهذا الأمر لا یمکن الردع عنه أو الوقوف أمامه بأیّ حال من الأحوال، لأنّ مواجهه الأمر الغریزی فی الواقع کالسیر عکس التیار الذی لا تکون نتیجته إلاّ الاندحار والهزیمه، ولکن فی نفس الوقت لابدّ من الإذعان أمام حقیقه واضحه وجلیه، وهی أنّه لیس کلّ إنسان یلیق أن یتّخذ صاحباً ورفیقاً فی الحیاه، لأنّ الإنسان الذی تکون صحبته سبباً للانفلات الشرعی و الأخلاقی والخروج عن حدود الإنسانیه لیس جدیراً بمقام الصحبه والصداقه، ولذلک نجد القرآن الکریم یصرح بهذه الحقیقه ویشیر إلى شده الحسره والندم اللّذین یملآن نفس الإنسان حینما یواجه مصیره المشؤوم،ویتذکّر أنّ سبب تعاسته وسوء عاقبته ما هو إلاّ اختیاره للصدیق المنحرف، یقول سبحانه:
( وَ یَوْمَ یَعَضُّ الظّالِمُ عَلى یَدَیْهِ یَقُولُ یا لَیْتَنی اتَّخَذتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبیلاً * یا وَیْلَتى لَیْتَنِی لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِیلاً * لَقَدْأَضَلَّنی عَنِ الذِّکْرِ بَعدَ إِذْ جاءَنی… ) .( [۶])
ونحن إذا راجعنا التاریخ نعثر على الکثیر من القصص التی تتحدّث عن صدیق السوء وآثاره ودوره السلبی فی حیاه رفیقه، لأنّنا نعلم جیداً أنّه کثیراً ما انفرط عقد الحیاه الأُسریه وتشتّتت عوائل وتمزّقت أُسر کانت مستحکمه وقویه ومنسجمه بسبب هذه الصحبه السیّئه.

۴٫ الاقتداء والتأسّی غیر المتّزن بالقاده
یعتبر القرآن الکریم من عوامل الانحراف والضلال الاقتداء والتأسّی برؤساء وقاده القبائل والعشائر، وقد أشار إلى اعتراف هؤلاء المضلّلین والمنحرفین بأنّ سبب انحرافهم وضلالهم هو الاقتداء والتأسّی غیر المدروس وغیر المتّزن برؤسائهم وشیوخهم: ( …یا لَیْتَنا أَطَعْنَا اللّهَ وَأَطعنَا الرَّسولا * وَقالُوا رَبّنا انّا أَطَعْنا سادَتَنا وَکُبرائَنا فَأَضَلُّونَا السَّبیلا )( [۷]) .
وفی آیه أُخرى یشیر سبحانه وتعالى إلى هذا العامل وإلى حاله التنافر واللعن التی یعیشها أصحاب الجحیم، لأنّهم یرون أنّ کلّ أُمّه هی ضحیه الأُمّه السابقه والتی أطاعتها بلا وعی ولا إدراک فأوردتها الجحیم، یقول سبحانه:
( …کُلَّما دَخَلَتْ أُمَّهٌ لَعَنَتْْ أُخْتَها حَتّى إِذَا ادّارکوا فیِها جَمیعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنا هؤلاءِأَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَالنّارِ… ) .( [۸])
ففی هذه الآیه عبّر عن الرؤساء والشیوخ والقاده بلفظ «أُولاهم» بمعنى طلیعتهم ومقدّمه الرکب وقاده القافله.

۵٫ الاقتداء والتأسّی بالآباء بلا وعی ولا اتّزان
لقد أولى الإسلام أهمیه خاصه للآباء والأجداد والأسلاف وجعل لهم احتراماً ومنزله کبیرین فی التشریع والتقنین الإسلامی، سواء على مستوى الأفراد أو الأُسر أو المجتمع، ولکنّه فی نفس الوقت حذّر من أن تصبح تلک العلاقه الباطنیه والنفسیه سبباً لتعطیل آله الفکر لدى الإنسان بنحو یضع نفسه ومن دون أیّ قید أو شرط تحت تصرف أسلافه مهما شاءوا وکیفما شاءوا.
ولذلک نرى القرآن الکریم فی الوقت الذی یحثّ الإنسان على احترام أبویه وتبجیلهم وتقدیرهم یذکّره أنّ لهذا الاحترام وهذه الطاعه حدوداً لا یمکن تخطّیها وتجاوزها، وهذه الحدود هی ألاّ یدعوانه إلى الشرک باللّه أو العصیان أو اقتراف الذنوب، یقول سبحانه:
( وَإِنْ جاهَداکَ عَلى أَنْ تُشْرِکَ بِی ما لَیْسَ لَکَ بِهِ عِلْمٌ فَلاتُطِعْهُما… ) .( [۹])
کما اعتبر القرآن وفی بعض الآیات الانقیاد الأعمى والتأسّی اللاّموزون بالآباء والأجداد سبباً للانحراف والضلال، ولذلک نراه سبحانه یحکی لنا حال أُولئک الأبناء الذین أطاعوا آباءهم بغیر حق وتمسّکوا برکب الآباء والأجداد وعطّلوا آله التفکیر والتعقّل عندهم بقوله سبحانه:
( …إنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّه وَإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَکَذلِکَ مَا أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِکَ فی قَرْیَه مِنْ نَذِیر إِلاّقالَ مُتْرَفُوها إنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمّه وَانِّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) .( [۱۰])
ولذلک انتقد القرآن الکریم هذا النوع من التفکیر، بل هذا التعصّب الأعمى بقوله:
( …أَوَ لَوْ کانَ آباؤُهُمْ لا یَعْلَمُونَ شَیْئاً وَلا یَهْتَدُون ) .( [۱۱])
إنّ الإنسان الحرّ هو الإنسان الذی یمزّق کلّ حجاب یحول بینه و بین الوصول إلى الحقیقه، وإنّه یسعى نحو الوصول إلى الحقیقه التی یفضّلها على کلّ شیء ویحبّها أکثر من کلّ شیء، وإن کان یحترم ویبجّل والدیه ویکنّ لهم وافر الاحترام والاعتزاز، ولکن الحقیقه والحق عنده أکثر تبجیلاً واعتزازاً واحتراماً وأحرى أن تقدّم على غیرها.

۶٫ زمره من الجن والإنس
ینسب القرآن الانحراف والضلال إلى زمره من الجن والإنس ویعتبرهما من أسباب ضلال الإنسان وانحرافه، قال تعالى:
( وَقالَ الَّذِینَ کَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَیْنِ أَضّلانا مِنَ الجِنّ والإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا… ) .( [۱۲])
ویحتمل أن یکون المراد من هذه الزمره وهذه الطائفه الشیاطین والرؤساء والقاده ورفاق السوء الذین یکون وجودهم سبباً لانحراف وضلال الإنسان،وحینئذ یکون المراد من هذا النوع من التبعیه هو التعصّب الأعمى والطاعه العمیاء التی تحدّث عنها القرآن الکریم، ولذلک حصر القرآن الکریم طاعه الوالدین فی حدود خاصه بنحو لا تکون سبباً للعصیان والتمرّد على اللّه حیث قال سبحانه:
( وَإِنْ جاهَداکَ عَلى أَنْ تُشْرِکَ بِی ما لَیْسَ لَکَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما ) .( [۱۳])

۷٫ المجرمون
یعتبر المجرمون من عوامل الضلال والانحراف التی تمیل بالإنسان من جاده الصواب والطریق المستقیم، ولقد أفصح القرآن عن هذا العامل وعلى لسان المذنبین یوم القیامه بقوله تعالى:
( وَما أَضَلّنا إِلاَّ المُجْرِمُونَ ) .( [۱۴]) ومن الممکن أن یکون المراد من هذه الطائفه هم ساسه القبائل ورؤساء العشائر أو رفاق السوء، أو شخص آخر والذین تحدّثنا عنهم فی الفقرات السابقه، وقلنا إنّها جمیعاً تُعدّ من عوامل انحراف الإنسان وضلاله.

۸٫ الأصنام والأوثان
من عوامل الضلال والانحراف، الأوثان والأصنام، یقول سبحانه فی هذا الخصوص:
( ربِّ انَّهُنَّ أَضْلَلْنَ کَثیراً مِنَ النّاسِ… ) .( [۱۵])

۹٫ الشعور بالغنى
فی الوقت الذی یکون للمال والثروه والرفاه الاقتصادی دوره الواضح والبارز فی تحقیق سعاده الإنسان واستقراره، فی نفس الوقت یکون وجود المال والثروه عاملاً فی انحراف الإنسان وضلاله، وذلک فیما إذا شعر الإنسان أو اعتقد أنّه غنی عن اللّه سبحانه ولا حاجه له بالمدد الإلهی، بل هو إنسان مستقل یعتمد على کفاءاته الذاتیه وقدراته الشخصیه ممّا یجعل الغنى وسیله للطغیان ونسیان الذکر الإلهی، یقول سبحانه:
( …وَلکِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّکْرَ وَکانُوا قَوماً بُوراً ) .( [۱۶])
وفی آیه أُخرى یشیر إلى تلک الحقیقه بصوره أُخرى حیث یقول سبحانه:
( …إِنَّ الإِنْسانَ لَیَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ) .( [۱۷])

۱۰٫ اقتفاء أثر الأکثریه الجاهله
اعتبر القرآن الکریم اقتفاء أثر الأکثریه الجاهله سبباً من أسباب انحراف الإنسان وضیاعه وضلاله، حیث قال سبحانه وتعالى:
( وَإِنْ تُطِعْ أَکْثَرَ مَنْ فِی الأَرْضِ یُضِلُّوکَ عَنْ سَبیلِ اللّهِ إِنْ یَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ یَخْرُصُونَ ) .( [۱۸])
یستفاد من المقطع الأخیر من الآیه المبارکه انّه لیس کلّ تبعیه للأکثریه ولیس کلّ اقتفاء بالأکثریه یُعدّ سبباً للضلال، بل الذی یُعدّ کذلک هو اقتفاء أثر الأکثریه التی هی مصداق لقوله تعالى:
( إِنْ یَتَّبعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ ) .

هذه مجموعه من العوامل التی تکون سبباً لانحراف الإنسان وضلاله وبالطبع توجد عوامل وأسباب أُخرى تؤدّی إلى نفس النتیجه لم نذکرها هنا روماً للاختصار، فعلى سبیل المثال وجود شخصیه مثل «السامری» فی بنی إسرائیل کانت عاملاً من عوامل الانحراف لبنی إسرائیل کما أخبرنا بذلک القرآن الکریم بقوله:
( …وَأَضلَّهُمُ السّامِری ) .( [۱۹])

هذه إشاره إجمالیه لعوامل الانحراف والتی یحتاج کلّ منها إلى بحث خاص وتفصیل أکثر یمکن أن یطلب فی محلّه.( [۲۰])
[۱] . الحج: ۴٫
[۲] . النساء:۱۱۸ـ ۱۱۹٫
[۳] . یس: ۶۲٫
[۴] . ص:۲۶
[۵] . الجاثیه: ۲۳٫
[۶] . الفرقان:۲۷ـ ۲۹٫
[۷] . الأحزاب:۶۶ـ ۶۷٫
[۸] . الأعراف: ۳۸٫
[۹] . لقمان: ۱۵٫
[۱۰] . الزخرف:۲۲ـ ۲۳٫
[۱۱] . المائده: ۱۰۴٫
[۱۲] . فصلت: ۲۹٫
[۱۳] . لقمان: ۱۵٫
[۱۴] . الشعراء: ۹۹٫
[۱۵] . إبراهیم: ۳۶٫
[۱۶] . الفرقان: ۱۸٫
[۱۷] . العلق:۶ـ ۷٫
[۱۸] . الأنعام: ۱۱۶٫
[۱۹] . طه: ۸۵٫
[۲۰] . منشور جاوید:۳/۱۵۶ـ ۱۶۴٫

 

 

http://shiastudies.com/ar/

 

 

 

 

 

مجموعة من العوامل التي لا تنتج إلا الانحراف والضلال. مجموعة من العوامل التي لا تنتج إلا الانحراف والضلال مجموعة من العوامل التي لا تنتج إلا الانحراف والضلال مجموعة من العوامل التي لا تنتج إلا الانحراف والضلال مجموعة من العوامل التي لا تنتج إلا الانحراف والضلال.ر.مجموعة من العوامل التي لا تنتج إلا الانحراف والضلالمجموعة من العوامل التي لا تنتج إلا الانحراف والضلال مجموعة من العوامل التي لا تنتج إلا الانحراف والضلال. مجموعة من العوامل التي لا تنتج إلا الانحراف والضلال

Leave A Reply

Your email address will not be published.