إمکانیه اتّحاد الثقافات والحضارات

0

إنّ الإجابه عن هذا التساؤل تتوقّف على بیان طبیعه المجتمع وبیان علّه المیل الإنسانی نحو الحیاه الاجتماعیه ـ و هذا ما بحثناه سابقاً ـ فهل یاترى أنّ الإنسان یمیل إلى الحیاه الاجتماعیه انطلاقاً من مبدأ الفطره باعتبار أنّ العیش الجماعی معجون فی خلقته وفطرته، وهذا ما تؤکّده الآیات القرآنیه والروایات الإسلامیه التی ذکرناها سابقاً.
فإذا کانت حیاته الاجتماعیه مبتنیه على هذا الأصل والأساس الباطنی، فإنّه وبلا أدنى شک وریب سوف یتّجه فی مسیرته نحو العیش فی ظل مجتمع واحد، وانّ جمیع المجتمعات والوجودات ستندمج فی مجتمع واحد.
وبعباره أُخرى: إذا کان الحاکم على الإنسان هو روح الاجتماع فانّها ستلقی بظلالها على جمیع نواحی حیاه الإنسان بالتدریج، وحینها ـ وبلا شکّ ـ ستّتجه جمیع الثقافات والحضارات المختلفه نحو الوحده والاتّحاد وانّها وفی المستقبل القریب ـ ومن خلال التکامل الثقافی وانتشار وسائل الاتصال والحدیثه والمتطوره ـ ستنحو تلک الثقافات والحضارات منحاً واحداً، وستنضوی تحت خیمه واحده فی مجتمع واحد تحکمها ثقافه واحده ورساله واحده، وانّ الروح التی حثّت الإنسان وأخذت بیده لتشکیل مجتمعات صغیره ومختلفه هی نفسها تأخذ بیده نحو الانسجام ونحو تشکیل مجتمع واحد.
ولقد ذکرت ـ و کما بیّنّا ـ لتفسیر علّه میل الإنسان نحو الحیاه الاجتماعیه العدید من النظریات، فبعضها ذهب إلى أنّ ذلک ولید المیل نحو الاستعمار والاستغلال والمنفعه; والأُخرى ذهبت إلى أنّ ذلک ولید الحسابات العقلیه والفکریه للمصلحه والمنفعه دعته إلى انتهاج ذلک الطریق، إذ أدرک وفقاً لتلک الحسابات العقلیه انّه لا یتسنّى له الحیاه الهانئه والطیّبه من دون أن ینظم إلى مجتمع ما، وإلاّ فإنّه یعجز بمفرده عن الاستفاده من تلک النعم واللّذات الموجوده فی العالم.
ولکن النظریه الصحیحه والتی تبتنی على أُسس علمیه وتؤیدها الأدلّه الحسّیه والعینیه وکذلک تؤیّدها الآیات القرآنیه والروایات الإسلامیه، هی النظریه التی ترى أنّ الإنسان «اجتماعی بالطبع» أی أنّ المیل للحیاه اجتماعیاً مخلوق فی نفس الإنسان ومودع فی فطرته.
انطلاقاً من هذه النظریه فإنّ روح الحیاه الاجتماعیه ـ و على مرّ التاریخ ـ تسیر من البساطه إلى التکامل وستصل إلى مرحله متطوّره ومتکامله اجتماعیاً، بحیث تندمج جمیع الثقافات والحضارات والحکومات المختلفه والمجتمعات المتعدّده فی ثقافه وحضاره وحکومه واحده، وتوجد هناک إشارات من قریب أو بعید لذلک فی القرن العشرین.
ففی الوقت الذی نرى فی أواخر القرن التاسع عشر المیلادی انّ المیل نحو القومیه والوطنیه قد اشتدّ فی العالم الغربی، وأنّ الکثیر من المفکّرین الغربیّین قد دعوا إلى هذا النهج وجنحوا نحو هذا التفکیر الاجتماعی والسیاسی ودافعوا عن ذلک بقوه وتحت واجهات مختلفه، إلاّ أنّه لم تمرّ فتره طویله إلاّ ووجدناهم قد دعوا إلى نظریه أُخرى مخالفه لسابقتها حیث مالوا للنظریه الأُممیه والدعوه نحو تشکیل حکومه عالمیه واحده، وأدرکوا بحسّهم الخاص أنّ هذه الحدود المصطنعه بین الدول والشعوب لابدّ أن تزول، لأنّها هی السبب الأساسی وراء اندلاع الحروب والمعارک بین الشعوب وإراقه الدماء البشریه، وأنّه لا منجی من تلک الورطه والبأساء إلاّ بالقضاء على تلک الحدود المصطنعه وإزالتها من الوجود، ووضع الناس کافه تحت رایه وحکومه واحده.
ولقد تمخّض عن الحرب العالمیه الأُولى ـ التی فتکت بالعالم بأسره ـ نشوء «عصبه الأُمم» والتی شکلت من ۲۶ عضواً لیتسنّى لهم من خلال ذلک التشکیل أن یقفوا أمام الحروب والحدّ من النزف الدموی وحلّ المشاکل العالمیه من خلال الحوار والأسلوب الدبلوماسی، ولکن لم یوفّق ذلک التشکیل من تحقیق الأهداف التی أُسس من أجلها، وذلک لأنّه ومن الأساس تأسّس بصوره ناقصه وفیها الکثیر من الثغرات ونقاط الخلل، ولذلک نجده لم یتمکن من الحیلوله دون نشوب الحرب العالمیه الثانیه.
وفی أثناء الحرب العالمیه الثانیه فکّر ساسه العالم ومفکّروه فی تأسیس کیان أکثر فاعلیه من سابقه یتحلّى بالواقعیه والمتانه، ولذلک تمّ تأسیس «هیئه الأُمم المتحده والاتّحادات الدولیه»، وقد جاء فی میثاق الأُمم المتحده الهدف من تأسیسها، ویتوقع المفکّرون السیاسیون وکبار ساسه العالم أنّه من الممکن أن تتحول هیئه الأُمم المتحده ـ التی هی فی الواقع بمثابه برلمان عالمی ـ إلى مرکز حکومه عالمیه واحده تعلن خلالها وحده البشریه والمساواه بین الجمیع. وبالطبع نحن لا ندّعی أنّ هذه المنظمات استطاعت أن تحقّق الأهداف التی رسمتها، بل الذی نرید التأکید علیه أنّ مثل هذه الأفکار الوحدویه تجول فی ذهن الإنسان وقد یأتی الیوم الذی تتحقّق فیه تلک الأهداف.
إنّ هذه المؤسسات الدولیه والمنظمات العالمیه تشهد على أنّ إلغاء الوطنیه والحدود الإقلیمیه وإدغام الجمیع فی مجتمع واحد، وتحویل الحکومات المتعدّده إلى حکومه عالمیه واحده، لیس بالأمر المستحیل وغیر الممکن، بل انّ ذلک ما دعا إلیه بعض المفکّرین من حماه العولمه ـ فی المؤتمر الذی عقد فی طوکیو عام ۱۹۶۳م ـ حیث رسموا فی البیان الصادر عن المؤتمر الخطوط العریضه لتلک الدوله والتی تتشکّل من:
۱٫ مجلس نیابی واحد.
۲٫ مجلس إداری عال.
۳٫ جیش عالمی.
۴٫ محکمه عالمیه.( [۱])
إنّ هذا النوع من التفکیر وتشکیل تلک المؤتمرات وعرض المشاریع الحدودیه والعالمیه یکشف أنّ هدف الأنبیاء والصالحین فی طریقه إلى التکوین والتشکّل، وانّ البذره التی بذرها الأنبیاء فی طریقها إلى النمو والتفتّح، وانّ حکومه العدل الإلهیه المتمثّله فی حکومه المهدی المنتظر والتی تدعو إلى الوحده المقترنه بوحده الثقافه والحضاره، هی أمر ممکن وقریب الوقوع وأنّ علاماتها تلوح فی الأُفق.( [۲])
[۱] . لمزید الاطّلاع حول هذه الخطوط العریضه وما یتعلّق بالحکومه الإسلامیه راجع الجزء الثانی من مفاهیم القرآن فی معالم الحکومه الإسلامیه للشیخ جعفر السبحانی.
[۲] . منشور جاوید:۱/۳۶۲ـ ۳۶۵٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.