مفهوم الوحی فی القرآن
من المصطلحات والمفاهیم التی وردت فی القرآن الکریم مصطلح «الوحی»، وقبل أن نسلّط الأضواء على هذا المفهوم من زوایه الرؤیه القرآنیه وما هی المجالات والأُطر التی استعمل فیها القرآن هذا المصطلح، نرى من اللازم أن نسلّط الأضواء على المعنى اللغوی لهذا المصطلح:
قال ابن فارس: «الوحی أصل یدلّ على إلقاء علم فی إخفاء».( [1])
وقال الراغب: «أصل الوحی الإشاره السریعه، ولتضمن السرعه قیل«أمر وحی»، وقد یکون بالکلام على سبیل الرمز والتعریض».( [2])
وقال ابن منظور: «الوحی: الإشاره، والکتابه،والرساله، والإلهام، والکلام الخفی، وکلّ ما ألقیته إلى غیرک».( [3])
وبالأخذ بعین الاعتبار، الکلمات التی نقلناها من کبار أصحاب الاختصاص من اللغویین العرب، یمکن القول حینئذ : إنّ الوحی هو ذلک الإلقاء إلى الغیر الذی یکمن فیه عنصران: الأوّل: الخفاء، والثانی: السرعه. وإذا ما أُطلق على الارتباط بین النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) وبین اللّه سبحانه وعلى عملیه تلقّی الأحکام والتعالیم الإلهیه مصطلح «الوحی» فإنّ هذا الإطلاق فی الواقع ینطلق من هذه الحیثیه، وذلک باعتبار أنّ ذلک نوع من التعلیم غیر الاعتیادی الخفی المقترن بالسرعه.
والذی یظهر من الشیخ المفید(قدس سره) أنّ المقوّم لإطلاق الوحی والعنصر اللازم له هو «الخفاء فی التعلیم» حیث ذهب إلى أنّ الوحی هو الإعلام بخفاء، بطریق من الطرق.( [۴])
والحال انّ عنصر السرعه أیضاً یعدّ من مقوّمات الوحی بالإضافه إلى الخفاء.
بعد أن تعرّفنا على المعنى اللغوی لمصطلح «الوحی» ننتقل إلى الحدیث عن تحلیل وتحقیق المراد من الوحی فی القرآن الکریم، وهنا یمکن الإشاره إلى مجموعه من المعانی التی استخدم فیها هذا المصطلح، ومنها:
الف: الإدراک الغریزی
لقد کشفت العلوم الحدیثه کعلم الأحیاء ـ و خاصه فی مجال دراسه الحیوانات التی تقوم على أساس غریزی ـ انّ هذه الحیوانات تقوم بفعّالیات وحرکات وأعمال حیّرت العقول وأدهشت الفکر الإنسانی، فعلى سبیل المثال زنابیر النحل وما تقوم به من الأعمال المدهشه التی تتسم بالدقه والإتقان والتنظیم وتوزیع المهام والأدوار. وکذلک العنکبوت وما ینسجه من البیوت رغم وصفها فی القرآن الکریم بأنّها أوهن البیوت فإنّها مع ذلک تتّصف بالدقه والإتقان، فإنّ کلّ هذه الأعمال نابعه من عامل داخلی ونداء غریزی.
وبعباره أُخرى: أنّها تقوم بذلک بصوره أُتوماتیکیه ومن دون الحاجه إلى تعلیم خارجی، وأنّها تطوی مسیره حیاتها اعتماداً على العنصر الأوّل وهو العنصر الداخلی الغریزی.
ولا ریب أنّ هذه الأعمال ـ التی تقوم بها تلک الحیوانات والتی یعجز الإنسان عن القیام بها ـ لا یمکن أن تصدر من دون علّه، هذا من جهه، ومن جهه ثانیه لا یمکن القول إنّ هذه الحیوانات إنّما تقوم بهذه الأعمال بعد إعمال فکر وطی سلسله من الحسابات العقلیه وإجاله الفکر بین حسابات الربح والخساره.
إذاً لابدّ من الإذعان انّ ذلک لا یکون إلاّ ولید نوع من التعلیم الخفی والرمزی الذی أُلقی إلى تلک الحیوانات، وقد أشار القرآن الکریم إلى هذه الحقیقه بقوله سبحانه:
( وَأَوحى رَبُّکَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذی مِنَ الجِبالِ بُیُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا یَعْرِشُونَ * ثُمَّ کُلِی مِنْ کُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُکی سُبُلَ رَبِّکِ ذُللاً… ) .( [۵]) وعلى هذا الأساس تکون الأعمال المدهشه للنحل کالتنظیم الهندسی للخلیه وتوزیع الأدوار والحراسه ومنع الزنابیر المریضه من دخول الخلیه والتجول بین الأزهار ومص رحیقها،وتحویلها إلى شهد لذیذ و… کلّ ذلک إنّما هو ولید العامل الغریزی.
ب: الإلهام والإلقاء فی القلب
لقد استعمل مصطلح الوحی فی القرآن بمعنى آخر وهو: الإلقاء إلى القلب، بمعنى أنّ الملقى إلیه یصل إلى تلقّی الشیء ومعرفته من دون أن یرى الملقی أو یخضع إلى تعلیمه المباشر له، وهذا التلقّی فی الحقیقه معلول لعاملین، هما:
۱٫ طهاره النفس: فقد تصل النفس فی بعض الأحیان وبسبب الطهر المعنوی والسمو الروحی والمعنوی والنورانیه التی تتحلّى بها، إلى مقام تکتمل فیه لیاقاتها وقدراتها بحیث تکون على استعداد لتلقّی الحقائق من الموجودات النورانیه والشخصیات الکامله، بل تصل إلى درجه تلقی تلک الحقائق من الذات المقدّسه للّه سبحانه.
۲٫ وتاره أُخرى قد تنحط النفس بحیث تصل إلى درجه من الدناءه والخسّه والوقوع فی الظلمه، بحیث ترتبط حینئذ بما یسانخها من الأرواح الخبیثه وتتلقّى منها التعالیم الفاسده والأفکار المنحطّه والمخادعه التی لا أساس لها أبداً.
وإذا ما استعملت کلمه«الوحی» فی الحالتین فما ذلک إلاّ بسبب وجود ملاک الإطلاق وهو توفّر صفتی: الخفاء، والسرعه، فی تلک التعالیم، والأفضل أن نطلق على القسم الأوّل عباره «الإلهام والإشراق» وعلى القسم الثانی «الوسوسه الشیطانیه».
ج: وحی الشریعه
إنّ الإنسان العادی قد یتوصّل إلى النتائج التی یتوخّاها من خلال الحسّ والتجربه، أو إجاله الفکر والتدبّر والاستدلال، ولکن ذلک لا یعنی انحصار طرق المعرفه وسبلها بهذین الطریقین، بل هناک طریق ثالث للمعرفه یفاض على النفس من العالم العلوی یکون الهدف منه هدایه المجتمع الإنسانی وسوقه إلى الکمال والرقی والتعالی، وهذا ما یطلق علیه اسم «الوحی التشریعی».
والحقیقه أنّ هذا الوحی التشریعی لا یختلف من جهه الماهیه والحقیقه عن القسمین السابقین، نعم النکته الکامنه فی هذا القسم هی مسأله الهدایه وإرشاد الناس إلى المبدأ والمعاد. وهذه الخصیصه أخذت باعتبارها قیداً لازماً لهذا النوع من الوحی حیث قال تعالى:
( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِینُ * عَلى قَلْبِکَ لِتَکُونَ مِنَ المُنْذِرینَ ) .( [۶])
وعلى هذا الأساس فإنّ الأنبیاء وإن کانوا یمتلکون وسائل المعرفه کالحس والعقل ولکن شریعتهم لا تکون نتاج تلک الوسائل المعرفیه، بل أنّها جمیعاً تتعلّق بالعالم العلوی حیث ینزل الوحی على نفوسهم وأرواحهم وبأمر من اللّه سبحانه حاملاً رسالته وتشریعاته سبحانه، ولذلک لا یخطأون أدنى خطأ فی ضبط وحفظ وإبلاغ وبیان الأحکام الإلهیه.
ولذلک فکلّ محاوله لتفسیر ووضع حرکه الأنبیاء فی إطار الهدایه، بأنّها ولیده الحس والعقل، أو هی نتاج الاستعداد والنبوغ الذاتی للأنبیاء، لا تبعد ه عن کونها محاوله انحرافیه یسیر صاحبها فی طریق أعوج، ومن المستحیل أن توصله محاولته تلک إلى الهدف الذی یرومه، والحقیقه أنّ السبب الذی دعا أصحاب هذا التفکیر الخاطئ إلى مثل هذه المحاولات هو عدم اعتقادهم بوجود عالم خارج عالم الماده والطبیعه، فلذلک اضطروا إلى أن یضفوا على جمیع الحوادث صبغه مادیه وانّها نتاجات بشریه نابعه من علل مادیه لا غیر.
وقد وصف اللّه سبحانه وتعالى طائفه من الأنبیاء بقوله:
( وَجَعلْناهُمْ أَئِمَّهً یَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوحَیْنا إِلَیْهِمْ فِعْلَ الخَیْراتِ وَإِقامَ الصَّلاهِ وَإِیتاءَ الزَّکاهِ وَکانُوا لَنا عابِدینَ ) .( [۷])
وحینئذ لابدّ من معرفه المراد من الوحی فی هذه الآیه.
إنّ أغلب المفسّرین قالوا: إنّ المراد من الوحی هنا هو الوحی التشریعی الذی ینزل على جمیع الأنبیاء لیبیّن لهم وظائفهم ووظائف العباد والمهام التی لابدّ من القیام بها والتی تنظم حیاتهم، وعلى هذا فالآیه ناظره إلى نوع خاص من أنواع الوحی لا إلى جمیعها.
نعم، بالالتفات إلى المباحث السابقه یمکن القول: إنّ للوحی معنىً واحداً لا غیر، وانّه قد استعمل فی القرآن الکریم فی هذا المعنى الواحد، و انّ الاختلاف وقع فی المتعلّق. ثمّ إنّ الملاک المجوّز لهذا الاستعمال موجود فی جمیع أنواع الوحی وهو: انّ الجمیع تشترک فی کونها نوعاً من التعلیم الخفی المقترن بالسرعه، سواء کان الطرف المتلقّی هو الإنسان أو سائر الحیوانات والجمادات، وسواء کان التعلیم یتعلّق بهدایه الناس وإرشادهم أو لا، وسواء کان المعلم اللّه سبحانه أو غیره.( [۸])
[۱] . مقاییس اللغه:۶/۹۳، ماده « وحى » .
[۲] . مفردات الراغب:۵۱۵، ماده « وحى » .
[۳] . لسان العرب:۱۵/ ۳۷۹٫
[۴] . انظر تصحیح الاعتقاد: ۱۲۰، فصل فی کیفیه نزول الوحی.
[۵] . النحل:۶۸ـ ۶۹٫
[۶] . الشعراء:۱۹۳ـ ۱۹۴٫
[۷] . الأنبیاء: ۷۳٫
[۸] . منشور جاوید:۱۰/۷۹ـ ۹۵٫