التوحید فی الخالقیه ۱
الثنویه بإشکالها المختلفه
إنَّ التوحید فی الخالقیه یقابله الاعتقاد بأنَّ أمر الخِلْقَه لا ینحصر بالله
سبحانه بل هناک وراءه سبحانه خالقاً أو خالِقِین مستقِلِّین بأمر الخلقه یعتمدون
على أنفسهم وقدرتهم من دون أن یستمدوا منه سبحانه أو یکونوا مؤتمرین
________________________________________
(۵۷)
وخالقین بأمره ، وهذا ما یعبّر عنه فی مصطلح المتکلمین بالثنویه سواء أکان
الشریک واحداً أو أکثر ، فهذه اللفظه رمز لمن یرفض التوحید فی الخالقیه من
غیر فوق بین أن یعتقد باثنین أو بأکثر ؛ ولأجل لک یدخل تحت هذا العنوان
کثیر من الفرق التی لا تعتقد بانحصار الخالقیه فی الله سبحانه منها:
۱ـ المفوّضه: وهم الذین یعتقدون بتفویض أفعال البشر إلى
أنفسهم ، فهم مستقلون فی خلق الأفعال وإیجادها ولا صله لها بخالق
البشر . وقد رُمیت المعتزله من المسلمین بهذه العقیده ، وهؤلاء لأجل
التحفظ على عدله سبحانه وقسطه بین عباده التجأوا إلیها زاعمین أنّ القول
بعدم صله أفعال البشر بخالقهم ینفعهم فی القول بالعدل ، ویکون البشر
نفسه مسؤولاً عن فعله وعمله . غیر أنّ النسبه لو تحققت یکون هذا العمل
کالفرار من المطر إلى تحت المیزاب ؛ فإنّهم وإن توفقوا فی مجال توصیف
الرب بالعدل ، غیر أنّهم فشلوا فی مجال التوحید ، فجعلوا الإِنسان خالقاً فی
مقابل خالقه العظیم ، فما قیمه توصیفه بالعدل إذا کان مستلزماً للانسلاک فی
عداد المشرکین؟
ولأجل ذلک ذهبت الأَشاعره إلى أنَّ أفعال الإِنسان أفعال لِلَّه سبحانه
مباشره وبلا سبب ، کما ذهبت الإِمامیه من العدلیه إلى أنَّ أفعاله فعل للّه سبحانه ،
وفی الوقت نفسه فعل للبشر ، والنسبه إلیهما مختلفه فأحد الفاعلیین خالق
بالتسبیب ، والآخر خالق بالمباشره على النحو الذی وقفت على بیانه.
۲ـ الزرادشتیه: وهم القائلون بأنَّ فی عالم الکون أُموراً توصف
بالخیر والبرکه ، کما أنَّ هناک أموراً توصف بالشرور والبلایا ، فلا یصح إسناد کلا
الصنفین من الأَفعال إلى الخالق الحکیم ، فیجب الاعتقاد بأنَّ خالق الخیر غیر
خالق الشر . وقد اخترعوا عقیده خیالیه وهی: إنَّ خالق الخیر موجود یدعى
بـ « یزدان » ، کما إِنَّ خالق الشر موجود یدعى بـ « أَهریمن » ، وکلا الخالقین
مخلوق لله سبحانه ، وبهذه الفرضیه الخیالیه ، تمکنوا من إِقناع أنفسهم بحلّ
مشکله الشرور والبلایا فی صفحه الوجود.
________________________________________
(۵۸)
وهناک طوائف أُخرى تُدعى بالثنویه لها عقائد خاصه متواجده فی بلاد
الهند وجنوب شرق آسیا ، فمن أراد الوقوف على عقائدها ، فلیرجع إلى الکتب
المترجمه لها.