الشعائر الحسینیه: فلسفه استحضار الألم والتفریط بقیمته

0

 اترک للقارئ تأمّل غایاته،فردیه کانت أم جماعیه، وتتبُعها لیرى فی أی رافد تصب أو لأی رافد تتجه.
تفهم السعاده وتستشعر بمحورین أساسیین هما: الألم والغبطه…قد تبدو السعاده للوهله الأولى أکثر التحاماً بالغبطه،کما تبدو أکثر ابتعاداً عن الألم، ولکن لو صدّقنا بأنّ الغبطه لا تستشعر ما لم نستشعر الألم،فهذا یعنی أنّ السعاده کغایه لا تدرک إلاّ بعد حدوث الألم أو استشعاره،وإذا کانت السعاده غایه الوجود،والغبطه ضروریه لتحصیل السعاده،وإذا کان الألم ملزماً لاستشعار الغبطه،فهل هذا یعنی إنّ غایه الإنسان بالنتیجه هی استحضار الألم لبلوغ السعاده،وأن الغبطه حلقه وصل بین الألم والسعاده!..
قد تبدو صوره الطرح ضبابیه وقد تقود إلى فهم الإنسان فهماً مازوشیاً!… ولکنّها صوره عرجت على الألم کمحور رئیسی فی حیاه الإنسان وهذا قد ینصف الموضوعیه!…
کی نقترب من الصوره بدون تشوش لا بد من مثال…فلنأخذ الشعائر الحسینیه کوننا نحتفی بذکرى استشهاد الإمام الحسین(علیه السلام) بواقعه الطّف، ولما فی هذه الذکرى من استحضار مهیب للألم..
لنبدأ ببعض التساؤلات:.
… ما الغایه من نبش التاریخ، ما الهدف من استحضار فاجعه من فواجعه، وتسویقها فی کرنفال دینی قوامه الألم و المظلومیه..
ألا یبدو من المؤلم استحضار الألم سنویاً بمواکب جرّاره، ثم التبعثر والعوده دونما غبطه تصلنا غایتنا الأم أو بأحد أذیالها أو خیوطها.. ما القیمه هنا؟
…سوف لا أخرج البیضه من جیبی وادّعی إنها بیضه تلک الدجاجه…لذا سأقف على قیمه ثوره الإمام الحسین(علیه السلام) ومن أفواه خطباء الطائفه المعنیّه، ومرجعیاتها، لنرى وبموضوعیه لا بأس بها فیما إذا کانت الشعائر الحسینیه بنمطیتها التقلیدیه المعروفه تنسجم وتتفق مع روح الثوره أم لا،تتقاطع مع قیمها أم تنحرف عنها…
– (..ثوره الأمام الحسین ثوره ضد الظلم والاستبداد تتوارثها الأجیال لاستقاء الدروس واستخلاص العبر….) سأتفق مع هذا الطرح واسأل: بأیه قیمه خرجنا من تلک الدروس والعبر والظلم یحفّنا..
هل حققنا غبطه ما بکسر شوکه ظالم،أما تر أنا استحضرنا ألم الفاجعه التی حطّت بتلک الثوره وما حفّها من ظلم ونسینا غبطه التصدی کدرس!..
تلک الجموع لا تبکی الحسین(علیه السلام) بقدر ما تبکی الظلم الذی أنهک أجسادهم، وبدد أحلامهم، وهو القاسم المشترک بینهم وبین کل مظلوم، هم یستحضرون ألم هذا الظلم بقدیمه وجدیده ویتمرغون به دونما غبطه..أَوَ لیست أقدامهم غائره فی مستنقع الظلم وبأبشع صوره، وهم یحتفون بقیمه رجل تحرک ضد الظلم وخرج علیه،أین غبطه تحرکهم وخروجهم..!..
– (أول ثوره إسلامیه وحرکه إنسانیه ضد استغلال الدین لأغراض الاستبداد السیاسی والقهر الجماعی هی تلک الثوره الغرّاء ثوره إمامنا الحسین(علیه السلام)..)
..أحسنت..هذا ما سأقوله لمن یطرح هکذا طرح..ولکن..قبل أن تنظر فی المرآه لترى من یستغل الدین،أنظر من حولک وتبصّر کمسلم،أنظر فی أحوال العراق،لبنان،فلسطین،مصر،إیران..الخ ،أنظر محلیاً وإقلیمیاً وعالمیاً علّک تقف على حجم استغلال الدین، بل استنفاذه لأغراض کتلک التی ذکرت،ماذا أنجزتم وأی درس استقیتم، والاستغلال یتضخم ویتدفق فی تیارات ومجالس علیا،عصابات ومافیات دینیه،هل استحضرتم الم الاستغلال وفواجع الثوره علیه، وتقاعستم عن استحضار معاوله..هل حققتم أیه غبطه بتحطیم معول،هل اقتربتم من غبطه النهوض بالدین لا استغلاله..
– … (وبعد..ثوره الحسین(علیه السلام) لم تکن هذا وذاک وحسب..فهی ثوره نهضویه إصلاحیه ضد الفساد الإداری،ضد الاستحواذ على بیت المال وتبدید أموال المسلمین،ضد استلاب الحقوق وانتهاب الأرزاق…)
حسنا،لقد ثار الحسین(علیه السلام) لانتزاع بیت المال من الطامعین،ثار من أجل العداله الاجتماعیه ،من أجل الحریه والکرامه،لم یقف مکتوفاً أمام ملیشیات الأسواق السوداء،ولا متفرجاً على عصابات النهب والتهریب،ولا منتظراً فرجه من الله(تعالى) أمام الکروش المتخمه والبطون الخاویه..إن کنّا قد اغتنمنا العبره والدرس..أین غبطه الإصلاح إذن؟..
تلک الجموع الملیونیه قد حققت تعایشاً ممیزاً مع کل ما رفضه الحسین(علیه السلام) وخرج علیه ثائراً، فأی غبطه معرفیه وأیّه قیمه إنسانیه بمثل هذا التقهقر..
ما ذکرته هو بعض ما یطرح من فوق المنابر،بعض ما یکتب ویدرّس، بعض ما حفظناه على ظهر قلب کقیم لا نقوى على تفعلیها، لا بل لا نقوى على خطها ولصقها على الجدران…وأکتفی بهذا القدر فکل ما یطرح على نفس الشاکله، ورده على نفس المنوال..
لعلّنا ندرک بأنّ قیمه الثورات الإنسانیه من قیمه ما تحدثه من أثر فی الوعی الجمعی، والوجدان العام، وما یحدثه هذا الأثر من یقظه تلهب العقل، وتثریه، وتحرکّه لصیاغه الواقع بشکل أفضل.. وإذا کانت ثوره الحسین(علیه السلام) متشبعه بکل ما قد یُحدِث مثل هذا الأثر ومن وجهه نظر الطائفه المعنیّه على أقل تقدیر..فهل یبدو من الإنصاف لدیها أن یختصر الاحتفاء،وتختصر الشعائر بصور التظلّم والترکیز على المظلومیه، وتختزل بعروض تتمرکز حول الافتتان بحب أهل البیت(علیه السلام)..هل أحدث مثل هذا الترکیز والاختزال الأثر المذکور؟، وصاغ للطائفه واقعاً أفضل منذ استشهاد الحسین(علیه السلام) لغایته؟، أم أنّه أحدث تورماً مأساویاً بالأثر الوجدانی للثوره على حساب أثرها فی الوعی وتأثیرها فی إیقاظ العقل وتحریکه لتفعیل القیم التی ثار من أجلها الحسین(علیه السلام) على أرض واقعنا السقیم..
أیه غبطه من تورّم کهذا لم یبق من حیز مفتوح فی الفنار الحسینی، للإثراء بفعالیات ثقافیه هادفه وأنشطه جاده، تستهدف انتزاع قیمه الثوره من قوالبها الخطابیه المکرره وصیاغتها بقوالب الفعل والتغییر،بحرکات الإصلاح والنهضه، أو التوعیه للتحرک بهذا الاتجاه،بحلقات التثقیف والتنمیه الفکریه لصناعه الحدث،وکل ما یستنهض الجموع ویشحذ هممهم،یستقطب ویستثمر طاقاتهم لاستئصال مراره الواقع، أو السعی الحثیث لاقتناء مباضع الاستئصال بعد التعرف على الصحیح منها…. ترى.. کم تنحرف الشعائر الحسینیه بأنساقها المأساویه الموضوعه،عن أهداف ثوره الحسین(علیه السلام) وقیمها وفی أی أثر تتخندق..
کم تغترف من الشحن العاطفی والسیر العکسی على درب الحسین(علیه السلام) باستحسان الظلم واستحباب التعایش معه کون الحسین(علیه السلام) مات مظلوماً.. کم تقترب من الإفراط باستحضار الألم والتفریط بقیمته،..تساؤلات کثیره أخشى أن لا تحمل إجاباتها غبطه الصدق.. لا یستحضر الألم من أجل الألم..بل یستحضر من أجل الخروج بقیمه،وکل قیمه تُحدِث غبطه…والغبطه تصلنا بغایتنا الأم أو تعبّد لنا إحدى دروبها الشائکه.. کل درب نعبّده هو احتفاء مهیب بکل ثورات الإنسانیه من أجل الإصلاح والنهضه..فکم درب عبّدنا أو سنعبّد بشعائر تحمل ثقل الألم ولا تستحضر غبطته!!..

Leave A Reply

Your email address will not be published.