قول النبی صلى الله علیه وآله وسلم فی صدر الحدیث ألست أولى بالمؤمنین من أنفسهم ؟

0

لقد صدر رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم حدیث الغدیر جمله هی قوله : « ألست أولى بالمؤمنین من أنفسهم » ، وهذا دلیل واضح وبرهان قاطع على أن « المولى » فی حدیث الغدیر معناه « الأولى بالتصرف ».
وهذا الدلیل یتم بإثبات أمور :
١ ـ ثبوت جمله « ألست أولى بالمؤمنین من أنفسهم ».
٢ ـ دلاله هذه الجمله على أولویه النبی صلى الله علیه وآله وسلم بالتصرف.
٣ ـ دلاله مجیء هذه الجمله قبل حدیث الغدیر على کون المراد من « المولى » فی الحدیث نفس المراد من « الأولى » فی تلک الجمله.
ولنشرع فی إثبات هذه الأمور حتى یتم الدلیل :
١ ـ ذکر من روى جمله « ألست أولى … » فی حدیث الغدیر
أمّا الجمله المذکوره فلا ریب فی ثبوتها ، وممن رواها مع حدیث الغدیر :
١ ـ معمر بن راشد أبو عروه الأزدی.
٢ ـ عبد الله بن نمیر الخارفی الکوفی.
٣ ـ أبو نعیم فضل بن دکین شیخ البخاری.
۴ ـ عفان بن مسلم.
۵ ـ علی بن حکیم الأودی.
۶ ـ عبد الله بن محمد بن أبی شیبه.
٧ ـ عبید الله بن عمر القواریری.
٨ ـ قتیبه بن سعید الثقفی البلخی البغلانی.
٩ ـ أحمد بن حنبل الشیبانی.
١٠ ـ أبو عبد الله محمد بن یزید بن ماجه القزوینی.
١١ ـ عبد الله بن أحمد بن حنبل.
١٢ ـ أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار.
١٣ ـ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعیب النسائی.
١۴ ـ أبو العباس حسن بن سفیان بن عامر.
١۵ ـ أبو یعلى أحمد بن علی الموصلی.
١۶ ـ محمد بن جریر الطبری الشافعی.
١٧ ـ محمد بن علی بن الحسین المعروف بالحکیم الترمذی.
١٨ ـ أبو زکریا یحیى بن عبد الله الغبری.
١٩ ـ دعلج بن أحمد السجزی.
٢٠ ـ أبو حاتم محمد بن حبان البستی.
٢١ ـ أبو القاسم سلیمان بن أحمد الطبرانی.
٢٢ ـ أبو الحسن علی بن عمر الدارقطنی.
٢٣ ـ أحمد بن محمد الثعلبی.
٢۴ ـ إسماعیل بن علی بن حسین بن زنجویه المعروف بابن السمان.
٢۵ ـ أبو سعید مسعود بن ناصر السجستانی.
٢۶ ـ علی بن حسن بن حسین الخلعی.
٢٧ ـ أحمد بن محمد العاصمی.
٢٨ ـ عبد الکریم بن محمد المروزی السمعانی.
٢٩ ـ الموفق بن أحمد المکّی الخوارزمی.
٣٠ ـ عمر بن محمد بن خضر الأردبیلی المعروف بالملاّ.
٣١ ـ أبو موسى محمد بن أبی بکر المدینی.
٣٢ ـ أبو الفتوح أسعد بن محمود العجلی الاصفهانی.
٣٣ ـ محب الدین أحمد بن عبد الله الطبری.
٣۴ ـ إبراهیم بن عبد الله الوصابی.
٣۵ ـ إبراهیم بن محمد الحموئی الجوینی.
٣۶ ـ جمال الدین الزرندی.
٣٧ ـ إسماعیل بن عمر بن کثیر الدمشقی.
٣٨ ـ علی بن شهاب الدین الهمدانی.
٣٩ ـ أحمد بن علی بن عبد القادر المقریزی.
۴٠ ـ نور الدین علی بن محمد المعروف بابن الصباغ.
۴١ ـ حسین بن معین الدین المیبدی.
۴٢ ـ عبد الله بن عبد الرحمن المشهور بأصیل الدین المحدّث.
۴٣ ـ عطاء الله بن فضل الله المحدّث الشیرازی.
۴۴ ـ محمود بن محمد بن علی الشیخانی.
۴۵ ـ نور الدین علی الحلبی.
۴۶ ـ حسام الدین بن محمد بایزید السهارنبوری.
۴٧ ـ میرزا محمد بن معتمد خان البدخشانی.
۴٨ ـ محمد صدر العالم.
۴٩ ـ أحمد بن عبد القادر.
۵٠ ـ المولوی محمد مبین.
ومن هنا یظهر سقوط مکابره فخر الدین الرازی فی قوله : « ثمّ إن سلّمنا صحه أصل الحدیث ، ولکن لا نسلم صحه تلک المقدمه وهی قوله علیه السلام : ألست أولى بکم من أنفسکم. بیانه : إن الطرق التی ذکرتموها فی تصحیح أصل الحدیث لم یوجد فی شیء منها هذه المقدمه ، فإن أکثر من روى أصل الحدیث لم یرو تلک المقدّمه ، فلا یمکن دعوى إطباق الأمه على قبولها ، لأن من خالف الشیعه إنما یروون أصل الحدیث للاحتجاج به على فضیله علی رضی الله عنه ، ولا یروون هذه المقدمه. وأیضا فلم یقل أحد أن علیا رضی الله عنه ذکرها یوم الشورى ، فثبت أنه لم یحصل فی هذه المقدمه شیء من الطرق التی یثبتون أصل الحدیث بها ، فلا یمکن إثبات هذه المقدمه » (١).
ولا یخفى علیک التهافت بین قوله : « فإن أکثر من روى هذا الحدیث … ».
وقوله : « لأن من خالف الشیعه إنما یروون … ».
کما یسقط إنکار إسحاق الهروی القائل : « ومن رواه لم یرو أول الحدیث أی
قوله : ألست أولى بکم من أنفسکم. وهو القرینه على کون المولى بمعنى الأولى … ».
بل یکفی فی إبطال دعوى الرازی والهروی اعتراف « الدهلوی » حیث ذکر : « إن قول النبی : ألست أولى بالمؤمنین من أنفسهم مأخوذ من الآیه القرآنیه ، ومن هنا جعل ذلک من المسلّمات لدى أهل الإسلام ، ثم فرّع علیه الحکم التالی له ».
٢ ـ دلاله الجمله على أولویّه النبی بالتصرف
وأیضا ، فلا ریب فی دلاله مقدمه الحدیث وهی قوله صلى الله علیه وآله وسلّم : ألست أولى بالمؤمنین من أنفسهم ؟ على أنه صلى الله علیه وآله وسلم أولى من المؤمنین بالتصرف مطلقا ، فإنّ هذه الجمله متّخذه ـ کما اعترف « الدهلوی » ـ من الآیه الکریمه فی القرآن العظیم … وهی تدل على الأولویه بالتصرف ، وقد اعترف بذلک کبار علماء أهل السنه ومشاهیر أساطینهم فی مختلف العلوم والفنون :
قال الواحدی : « قوله : ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ). أی إذا حکم علیهم بشیء نفذ حکمه ووجب طاعته علیهم. قال ابن عباس : إذا دعاهم النبی إلى شیء ودعتهم أنفسهم إلى شیء کانت طاعه النبی أولى بهم من طاعه أنفسهم » (2).
وقال البغوی : « ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ). أی من بعضهم ببعض فی نفوذ حکمه علیهم ووجوب طاعته علیهم. وقال ابن عباس وعطا : یعنی إذا دعاهم النبی صلّى الله علیه وسلّم ودعتهم أنفسهم إلى شیء کانت طاعه النبی صلّى الله علیه وسلّم أولى بهم من طاعه أنفسهم. وقال ابن زید : ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) فیما قضى فیهم کما أنت أولى بعبدک فیما قضیت علیه. وقیل : أولى بهم فی الحمل على الجهاد وبذل النفس دونه. وقیل : کان النبی صلّى الله علیه وسلّم یخرج إلى الجهاد فیقول قوم نذهب ونستأذن من أبنائنا وأمهاتنا ، فنزلت الآیه.
أخبرنا عبد الواحد الملیحی أنا أحمد بن عبد الله النعیمی أنا محمد بن یوسف أنا محمد بن إسماعیل أنا عبد الله بن محمد أنا أبو عامر أنا فلیح عن هلال بن علی عن عبد الرحمن بن أبی عمره عن أبی هریره : إن النبی صلّى الله علیه وسلّم قال : ما من مؤمن إلّا أنا أولى به فی الدنیا والآخره ، اقرءوا إن شئتم ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) فأیّما مؤمن مات وترک مالا فلیرثه عصبته من کانوا ، ومن ترک دینا أو ضیاعا فلیأتنی فأنا مولاه » (3).
وقال القاضی البیضاوی : ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) فی الأمور کلّها ، فإنه لا یأمرهم ولا یرضى منهم إلّا بما فیه صلاحهم ، بخلاف النفس ، فلذلک أطلق ، فیجب علیهم أن یکون أحبّ إلیهم من أنفسهم ، وأمره أنفذ فیهم من أمرها ، وشفقتهم علیه أتم من شفقتهم علیها.
روى أنه صلّى الله علیه وسلّم أراد غزوه تبوک فأمر الناس بالخروج ، فقال ناس : نستأذن آبائنا وأمهاتنا. فنزلت » (4).
وقال جار الله الزمخشری : ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ ) فی کلّ شیء من أمور الدنیا والدین من أنفسهم ، ولهذا أطلق ولم یقید ، فیجب علیهم أن یکون أحبّ إلیهم من أنفسهم ، وحکمه أنفذ علیهم من حکمها ، وحقه آثر لدیهم من حقوقها ، وشفقتهم علیه أقدم من شفقتهم علیها ، وأن یبذلوها دونه ویجعلوها فداءه إذا أعضل خطب ووقاءه إذا ألقحت حرب ، وأن لا یتبعوا ما تدعوهم إلیه نفوسهم ولا ما تصرفهم عنه ویتبعوا کلما دعاهم إلیه رسول الله صلّى الله علیه وسلّم وصرفهم عنه … » (5).
وقال قاضی القضاه أبو العباس أحمد بن الخلیل الخویی * توجد ترجمته فی کتب الطبقات ، قال ابن قاضی شهبه : أحمد بن الخلیل بن سعاده بن جعفر بن عیسى المهلبی ، قاضی القضاه شمس الدین أبو العباس الخویى. ولد بخوی فی شوال سنه ۵٨٣ … قال السبکی فی الطبقات الکبرى : وقرأ الفقه على الرافعی ، وقرأ علم الجدل على علاء الدین الطوسی وسمع الحدیث من جماعه … قال الذهبی : کان فقیها إماما مناظرا خبیرا بعلم الکلام أستاذا فی الطب والحکمه دیّنا کثیر الصلاه والصیام. توفی فی شعبان سنه ٧٣٧ * قال بتفسیر الآیه المبارکه :
« تقریر لصحه ما صدر منه صلّى الله علیه وسلّم من التزوّج بزینب ، وکأن هذا جواب عن سؤال وهو : إن قائلا لو قال : هب أن الأدعیاء لیسوا بأبناء کما قلت لکن من سمّاه غیره ابنا إذا کان لدعیّه شیء حسن لا یلیق بمروته أن یأخذه منه ویطعن فیه عرفا.
فقال الله تعالى : ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ ) جوابا عن ذلک السؤال وتقریره هو : إن دفع الحاجات على مراتب : دفع حاجه الأجانب ، ثم دفع حاجه الأقارب الذین على حواشی النساء ، ثم دفع حاجه الأصول والفصول ، ثم دفع حاجه النفس. والأول عرفا دون الثانی وکذلک شرعا ، فإن العاقله تتحمل الدیه منهم ولا تتحمّلها عن الأجانب ، والثانی دون الثالث وهو ظاهر بدلیل النفقه ، والثالث دون الرابع فإن النفس مقدم على الغیر وإلیه أشار النبی صلّى الله علیه وسلّم بقوله : ابدأ بنفسک ثم بمن تعول.
إذا علمت هذا فالإنسان إذا کان معه ما یغطی به أحد الرجلین ویدفع به حاجه من شقی بدنه فأخذ العطاء من أحدهما وغطى به الأخرى لا یکون لأحد أن یقول : لم فعلت ؟ فضلا من أن یقول بئس ما فعلت. أللهم إلّا أن یکون أحد العضوین أشرف من الآخر ، مثل ما إذا وقى الإنسان عینه بیده ویدفع البرد عن رأسه الذی هو معدن حواسه ویترک رجله تبرد ، فإنّه الواجب عقلا. فمن یعکس الأمر یقال له : لم فعلت ؟
وإذا تبیّن هذا فالنبی أولى بالمؤمنین من أنفسهم ، فلو دفع المؤمن حاجه نفسه دون حاجه نبیّه یکون مثله من یدهن شعره ، ویکشف رأسه فی برد مفرط قاصدا به تربیه شعره ولا یعلم أنه یؤذی به رأسه الذی لا نبات لشعره إلّا منه.
فکذلک دفع حاجه النفس لفراغها إلى عباده الله ولا علم بکیفیه العباده إلّا من الرسول ، لو دفع الإنسان حاجه لا للعباده فهو لیس دفعا للحاجه ، إذ هو فوق تحصیل المصلحه ، وهذا لیس فیه مصلحه فضلا من أن یکون حاجه ، وإن کان للعباده فترک النبی الذی منه یتعلم کیفیه العباده فی الحاجه ودفع الحاجه ، مثل تربیه الشعر مع إهمال أمر الرأس. فبین أن النبی صلّى الله علیه وسلّم إذا أراد شیئا حرم على الأمه التعرّض إلیه فی الحکمه الواضحه » (6).
وقال النسفی : ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) أی أحق بهم فی کل شیء من أمور الدین والدنیا ، وحکمه أنفذ علیهم من حکمها ، فعلیهم أن یبذلوا نفسه دونه ویجعلوها فداءه ، أو هو أولى بهم أی أرأف بهم وأعطف علیهم وأنفع لهم (۷).
وقال النیسابوری : « ثم إنه کان لقائل أن یقول : هب أن الدّعی لا یسمى ابنا ، أمّا إذا کان لدعیّه شیء أحسن فکیف یلیق بالمروه أن یطمع عینه إلیه وخاصّه إذا کان زوجته ، فلذلک قال فی جوابه : ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) والمعقول فیه : إنه رأس الناس ورئیسهم فدفع حاجته والاعتناء بشأنه أهم ، کما أن رعایه العضو الرئیس وحفظ صحته وإزاله مرضه أولى ، وإلى هذا أشار النبی صلّى الله علیه وسلّم بقوله : ابدأ بنفسک ثم بمن تعول.
ویعلم من إطلاق الآیه أنه أولى بهم من أنفسهم فی کلّ شیء من أمور الدنیا والدین. وقیل : إن أولى بمعنى أرأف وأعطف ، کقوله : ما من مؤمن إلّا أنا أولى به فی الدنیا والآخره ، اقرءوا إن شئتم : ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) فأیّما مؤمن هلک وترک مالا فلیرثه عصبته من کانوا ، وان ترک دینا أو ضیاعا أی عیالا فإلیّ » (8).
وقال المحلّی : ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) فیما دعاهم إلیه ودعتهم أنفسهم إلى خلافه » (9).
وقال الشربینی : « ولمّا نهى تعالى عن التبنی وکان النبی صلّى الله علیه وسلّم قد تبنى زید بن الحارثه مولاه لما اختاره على أبیه وعمه کما مر ، علّل تعالى النهی فیه بالخصوص بقوله تعالى دالا على أن الأمر أعظم من ذلک. « النبی » أی الذی ینبئه الله تعالى بدقائق الأحوال فی بدائع الأحوال ، ویرفعه دائما فی مراقی الکمال ، ولا یرید أن یشغله بولد ولا مال ( أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ ) أی الراسخین فی الایمان فغیرهم أولى ، فی کلّ شیء من أمور الدین والدنیا ، لما حازه من الحضره الربانیه من أنفسهم فضلا عن آبائهم فی نفوذ حکمه فیهم ووجوب طاعته علیهم.
روى أبو هریره رضی الله عنه : أن النبی صلّى الله علیه وسلّم قال : ما من مؤمن إلّا وأنا أولى الناس به فی الدنیا والآخره ، اقرءوا إن شئتم : ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) فأی مؤمن ترک مالا فلیرثه عصبته من کانوا ، فإن ترک دینا أو ضیاعا فلیأتنی فأنا مولاه.
وعن جابر : إنه صلّى الله علیه وسلّم کان یقول : أنا أولى بکل مؤمن من نفسه ، فأیّما رجل مات وترک دینا فإلیّ ، ومن ترک مالا فهو لورثته.
وعن أبی هریره قال : کان المؤمن إذا توفی فی عهد رسول الله صلّى الله علیه وسلّم یسأل هل علیه دین ؟ فإن قالوا : نعم. قال : هل ترک وفاء لدینه ؟ فإن قالوا : نعم ، صلّى علیه ، وان قالوا : لا قال : صلّوا على صاحبکم ، وإنما لم یصلّ علیه صلّى الله علیه وسلّم أولا فیما إذا لم یترک وفاء لأن شفاعته صلّى الله علیه وسلّم لا ترد.
وقد ورد : إنّ نفس المؤمن محبوسه عن مقامها الکریم ما لم یوف دینه. وهو محمول على من قصّر فی وفائه فی حال حیاته ، أمّا من لم یقصّر لفقره مثلا فلا ، کما أوضحت ذلک فی شرح المنهاج فی باب الرهن.
وإنما کان صلّى الله علیه وسلّم أولى بهم من أنفسهم لأنه لا یدعوهم إلّا إلى العقل والحکمه ، ولا یأمرهم إلّا بما ینجیهم ، وأنفسهم ربما تدعوهم إلى الهوى والفتنه فتأمرهم بما یردیهم ، فهو یتصرف فیهم تصرف الآباء ، بل أعظم بهذا السبب الربانی ، فأیّ حاجه إلى السبب الجسمانی ؟ » (10).
وقال ولی الدین أبو زرعه أحمد بن عبد الرحیم العراقی بشرح الحدیث الأول من کتاب الفرائض ( وهو : عن همام عن أبی هریره قال : قال رسول الله صلّى الله علیه وسلّم : أنا أولى الناس بالمؤمنین فی کتاب الله عز وجل ، فأیّکم ما ترک دینا أو ضیعه فادعونی فأنا ولیّه ، وأیکم ما ترک مالا فلیورّث عصبته من کان » قال :
« فیه فوائد : « الأولى » ـ أخرجه مسلم من هذا الوجه عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق. وأخرجه الأئمه السته خلا أبا داود من طریق الزهری عن أبی سلمه عن أبی هریره …
« الثانیه » ـ قوله : أنا أولى الناس بالمؤمنین. إنما قیّد ذلک بالناس لأن الله تعالى أولى بهم منه ، وقوله فی کتاب الله عز وجل ، إشاره إلى قوله تعالى : ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) وقد صرح بذلک فی روایه البخاری من طریق عبد الرحمن بن أبی عمره …
« الثالثه » : یترتب على کونه علیه الصلاه والسلام أولى بهم من أنفسهم أنه یجب علیه إیثار طاعته على شهوات أنفسهم وإن شق ذلک علیهم ، وأن یحبّوه أکثر من محبتهم لأنفسهم ، ومن هنا قال النبی صلّى الله علیه وسلّم : لا یؤمن أحدکم حتى أکون أحبّ إلیه من ولده ووالده والناس أجمعین. وفی روایه أخرى : من أهله وماله والناس أجمعین ، وهو فی الصحیحین من حدیث أنس. ولما قال له عمر رضی الله عنه : لأنت أحبّ إلیّ من کلّ شیء إلّا نفسی ، قال له : لا والذی نفسی بیده حتى أکون أحبّ إلیک من نفسک. فقال له عمر : فإنّه الآن والله لأنت أحبّ إلیّ من نفسی. فقال النبی صلّى الله علیه وسلّم : الآن یا عمر. رواه البخاری فی صحیحه : قال الخطابی : لم یرد به حب الطبع ، بل أراد حبّ الاختیار ، لأن حب الإنسان نفسه طبع ولا سبیل إلى قلبه. قال : فمعناه لا تصدق فی حبی حتى تفنی فی طاعتی نفسک وتؤثر رضای على هواک وان کان فیه هلاکک.
« الرابعه » : استنبط أصحابنا الشافعیه من هذه الآیه الکریمه أن له علیه الصلاه والسلام أن یأخذ الطعام والشراب من مالکهما المحتاج إلیهما إذا احتاج علیه الصلاه والسلام إلیهما ، وعلى صاحبهما البذل ، ویفدی بمهجته مهجه رسول الله صلّى الله علیه وسلّم ، وأنه لو قصده علیه الصلاه والسلام ظالم لزم من حضره أن یبذل نفسه دونه.
وهو استنباط واضح ، ولم یذکر النبی عند نزول هذه الآیه ماله فی ذلک من الحظ ، وإنما ذکر ما هو علیه فقال : وأیکم ما ترک دینا أو ضیاعا فادعونی فأنا ولیه وترک حظه فقال : وأیّکم ما ترک مالا فلیورّث عصبته من کان » (11).
وقال البدر العینی بشرح قوله صلّى الله علیه وسلّم : وأنا أولى به فی الدنیا والآخره :
« یعنی أحقّ وأولى بالمؤمنین فی کلّ شیء من أمور الدنیا والآخره من أنفسهم ولهذا أطلق ولم یعین ، فیجب علیهم امتثال أوامره واجتناب نواهیه » (12).
وقال الشهاب القسطلانی فی کتاب التفسیر : ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ ) فی الأمور کلها من أنفسهم ، من بعضهم ببعض ، فی نفوذ حکمه ووجوب طاعته علیهم. وقال ابن عباس وعطا : یعنی إذا دعاهم النبی صلّى الله علیه وسلّم ودعتهم نفوسهم إلى شیء ، کانت طاعه النبی صلى الله علیه وآله وسلم أولى بهم من طاعه أنفسهم انتهى. وإنما کان ذلک لأنه لا یأمرهم ولا یرضى إلّا بما فیه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس. وقوله : النبی … إلى آخره ثابت فی روایه أبی ذر فقط.
… عن أبی هریره رضی الله عنه عن النبی صلّى الله علیه وسلّم أنه قال : ما من مؤمن إلّا وأنا أولى الناس به. أی أحقّهم به فی کل شیء من أمور الدنیا والآخره ، وسقط لأبی ذر لفظ الناس. اقرءوا إن شئتم قوله عز وجل : ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) استنبط من الآیه أنّه لو قصده علیه السلام ظالم وجب على الحاضر من المؤمنین أن یبذل نفسه دونه » (13).
وقال المنّاوی : « أنا أولى بالمؤمنین من أنفسهم فی کلّ شیء ، لأنی الخلیفه الأکبر الممد لکلّ موجود. فحکمی علیهم أنفذ من حکمهم على أنفسهم وذا قاله لمّا نزلت الآیه … » (14).
وقال العزیزی : « أنا أولى بکلّ مؤمن من نفسه کما قال الله تعالى : ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) قال البیضاوی : أی فی الأمور کلّها ، فإنه لا یأمرهم ولا یرضى عنهم إلاّ بما فیه صلاحهم بخلاف النفس ، فیجب أن یکون أحب إلیهم من أنفسهم. إلى آخره. فمن خصائصه صلّى الله علیه وسلّم : إنه کان إذا احتاج إلى طعام أو غیره وجب على صاحبه المحتاج إلیه بذله له صلّى الله علیه وسلّم ، وجاز له أخذه ، وهذا وان کان جائزا لم یقع … وأنا ولی المؤمنین. أی متولّی أمورهم ، فکان صلّى الله علیه وسلّم یباح له أن یزوّج ما شاء من النساء ممن یشاء من غیره ومن نفسه ، وإن لم یأذن کل من الولی والمرأه ، وأن یتولّى الطرفین بلا إذن. حم م ن ه » (15).
هذا ، ولقد ذکر السیوطی الأحادیث الداله على أولویه النبی صلى الله علیه وآله وسلم من المؤمنین فی الأمور کلها بتفسیر قوله تعالى : ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) حیث قال :
« قوله تعالى : ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) أخرج البخاری وابن جریر وابن أبی حاتم وابن مردویه عن أبی هریره رضی الله عنه عن النبی صلّى الله علیه وسلّم قال : ما من مؤمن إلّا وأنا أولى به فی الدنیا والآخره. اقرءوا إن شئتم : ( النَّبِیُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِینَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) فأیّما مؤمن ترک مالا فلیرثه عصبته من کانوا ، فإن ترک دینا أو ضیاعا فلیأتنی فأنا مولاه.
وأخرج الطیالسی وابن مردویه عن أبی هریره قال : کان المؤمن إذا توفی فی عهد رسول الله فأتى به النبی سأل : هل علیه دین ؟ فإن قالوا : نعم قال : هل ترک وفاء لدینه ؟ فإن قالوا : نعم ، صلّى علیه. وإن قالوا : لا قال : صلّوا على صاحبکم ، فلما فتح الله علینا الفتوح قال : أنا أولى بالمؤمنین من أنفسهم فمن ترک دینا فإلیّ ومن ترک مالا فللوارث.
وأخرج أحمد وأبو داود وابن مردویه عن جابر رضی الله عنه عن النبی صلّى الله علیه وسلّم أنه کان یقول : أنا أولى بکل مؤمن من نفسه فأیّما رجل مات وترک دینا فإلیّ ومن ترک مالا فهو لوارثه.
وأخرج ابن أبی شیبه والنسائی عن بریده رضی الله عنه قال : غزوت مع علی الیمن فرأیت منه جفوه ، فلمّا قدمت على رسول الله صلّى الله علیه وسلّم ذکرت علیا فتنقّصته ، فرأیت وجه رسول الله صلّى الله علیه وسلّم تغیّر وقال : یا بریده ألست أولى بالمؤمنین من أنفسهم ؟ قلت : بلى یا رسول الله. قال : من کنت مولاه فعلی مولاه » (16).
ومن حدیثه الأخیر أیضا ـ بالخصوص ـ یظهر أنّ المعنى المقصود من « ألست أولى … » هو نفس معنى الآیه الکریمه : ( النَّبِیُّ أَوْلى … ) وإلّا لما ذکر السیوطی هذا الحدیث فی ذیل الآیه المذکوره.
فظهر بطلان منع « الدهلوی » کون معنى « ألست أولى بالمؤمنین … » الأولویه بالتصرف فی کلّ شیء من کلمات : الواحدی ، والبغوی ، والزمخشری ، والبیضاوی ، والخوئی ، والنسفی ، والنیسابوری ، والعراقی ، والعینی ، والقسطلانی ، والمناوی ، والعزیزی ، والشر بینی.
بل إنّ الکابلی أیضا لم یمنع ذلک ، وإنما قال : « إن المراد بالمولى المحب والصدیق. أمّا فاتحته فلا تدل على أن المراد به الامام ، لأنه إنما صدّره بها لیکون ما یلقی إلى السامعین أثبت فی قلوبهم ».
بل تتضح غرابه إنکار « الدهلوی » من کلام ابن تیمیّه الشهیر بالتعصّب الشدید وعناده للحق وأهله ، فقد قال ابن تیمیه : « والنبی صلّى الله علیه وسلّم لم یقل : من کنت والیه فعلی والیه ، وإنما اللفظ : من کنت مولاه فعلی مولاه. وأما کون المولى بمعنى الوالی فهذا باطل. فإن الولایه تثبت من الطرفین فإنّ المؤمنین أولیاء الله وهو مولاهم. وأما کونه أولى بهم من أنفسهم فلا یثبت إلّا من طرفه صلّى الله علیه وسلّم ، وکونه أولى بکل مؤمن من نفسه من خصائص نبوّته ، ولو قدّر أنه نصّ ، على خلیفه بعده لم یکن ذلک موجبا أن یکون أولى بکل مؤمن من نفسه ، کما أنه لا یکون أزواجه أمهاتهم ، ولو أرید هذا المعنى لقال : من کنت أولى به من نفسه فعلی أولى به من نفسه. وهذا لم یقله ولم ینقله أحد ، ومعناه باطل قطعا » (17).
لأنّ ابن تیمیه قد صرّح بأنّ « کونه أولى بکل مؤمن من نفسه من خصائص نبوته » ولو کان المراد من « الأولویه » هو « الأحبیّه » لم یکن هذا المعنى من خصائص نبوته ، لأن الأحبیّه یثبتها أهل السنه للخلفاء وغیرهم ولو بالترتیب ، فعلم أن المعنى أمر عظیم ومقام جسیم یکون من خصائص مقام النبوه ، ولا یناله صاحب مقام الخلافه ، ووجه ذلک : إنّ هذا المعنى ـ أی الأولویه بکلّ مؤمن من نفسه ـ یقتضی العصمه ، والخلفاء لیسوا معصومین. لکن الأئمه من أهل البیت علیهم السلام عصمتهم ثابته فهذا المقام ثابت لهم ، بل إن کلام ابن تیمیه هنا یثبت العصمه لأمیر المؤمنین علیه السلام لثبوت هذه الأولویه له بالأدلّه السابقه واللاحقه.
٣ ـ المراد من « المولى » فی الحدیث هو المراد من « الأولى » فی الصّدر
وأمّا بیان أن المراد من « المولى » فی قوله صلّى الله علیه وسلّم : « من کنت مولاه فعلی مولاه » هو المراد من « الأولى » فی قوله فی مقدّم الحدیث : « ألست أولى بالمؤمنین من أنفسهم ؟ … » فیتمّ بوجوه :
[ الأول ] قال کمال الدین محمد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام فی [ فتح القدیر ] : « قوله : وطلاق الأمه ثنتان حرّا کان زوجها أو عبدا ، وطلاق الحرّه ثلاثه حرّا کان زوجها أو عبدا. وقال الشافعی رحمه الله علیه : عدد الطلاق معتبر بالرجال ، فإذا کان الزوج عبدا وهی حرّه حرمت علیه بتطلیقتین ، وإن کان هو حرّا وهی أمه لا تحرم علیه إلّا بثلاث … وبقول الشافعی قال مالک وأحمد وهو قول عمر وعثمان وزید بن ثابت رضی الله عنهم ، وبقولنا قال الثوری وهو مذهب علی وابن مسعود.
له ما روی عنه علیه الصلاه والسلام : الطلاق بالرجال والعده بالنساء ، قابل بینهما واعتبار العده بالنساء من حیث العدد ، فکذا ما قوبل به تحقیقا للمقابله ، فإنه حینئذ أنسب من أن یراد به الإیقاع بالرجال ، ولأنه معلوم من قوله تعالى : ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ ) وفی موطأ مالک رحمه الله ان نفیعا کان مکاتبا لأم سلمه …
ولنا قوله علیه الصلاه والسلام : طلاق الأمه ثنتان وعدّتها حیضتان ، رواه أبو داود والترمذی وابن ماجه والدارقطنی عن عائشه ترفعه. وهو الراجح الثابت ، بخلاف ما رواه وما مهّد من معنى المقابله ، فإنه فرع صحه الحدیث أو حسنه ، ولا وجود له حدیثا عن رسول الله علیه الصلاه والسلام بطریق یعرف.
وقال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزی : موقوف على ابن عباس. وقیل من کلام زید بن ثابت ، وحدیث الموطأ موقوف علیه وعلى عثمان وهو لا یرى تقلید الصحابی ، والإلزام إنما یکون بعد الاستدلال ، لأن حقیقته نقض مذهب الخصم بما لا یعتقده الملزم صحیحا ، وإلّا یکون نقض مذهب خصمه فقط ، فلا یوجب صحه مذهب نفسه إلّا بطریق عدم القائل بالفصل ، وهذا لا یکون إلّا إذا کان ما نقض به ممّا یعتقده صحیحا ، وهو منتف عنده فی مذهب الصحابی ، فهو فی معتقده غیر منقوض فلم یثبت لمذهبه دلیل یقاوم ما روینا » (18).
فکما استدل الشافعی فی تلک المسأله بالمقابله المذکوره على ما ذهب إلیه ، نستدلّ نحن بالمقابله الموجوده فی حدیث الغدیر بین « من کنت مولاه فعلی مولاه » و « ألست أولى بالمؤمنین من أنفسهم » فیلزم الاتحاد بین الجملتین فی المعنى ویتم الاستدلال.
وقد ذکر المولوی نظام الدین فی [ شرح المنار ] استدلال الشافعی المذکور عن فتح القدیر حیث قال : « ثم الحدیث الأول یعنی الطلاق بالرجال آخره : والعده بالنساء. أی العدد المتعلّق بالعده یزداد وینقص بشرف النساء وحسنها ، فعلى الأمه نصف ما على الحرّه ، فیکون معنى الطلاق بالرجال کذلک لیتلاءم السیاق من السیاق … ».
[ الثانی ] إنّ وجود « الفاء » فی جمله « من کنت مولاه فعلی مولاه » فی طائفه من روایات حدیث الغدیر دلیل صریح على کون هذه الجمله متفرعه على الجمله السابقه لها :
ففی روایه أحمد بن حنبل من طریق ابن نمیر : « فقال أیها الناس ألستم تعلمون أنی أولى بالمؤمنین من أنفسهم ؟ قالوا : بلى. قال : فمن کنت مولاه فعلی مولاه » (19).
وفی روایته من طریق عفّان بن مسلم : « فقال : ألستم تعلمون أو لستم تشهدون أنی أولى بکلّ مؤمن من نفسه ؟ قالوا : بلى. قال : فمن کنت مولاه فعلی مولاه » (20).
وفی روایه النسائی من طریق قتیبه بن سعید : « ثم قال : ألستم تعلمون أنی أولى بکل مؤمن ومؤمنه من نفسه ؟ قالوا : بلى نشهد لأنت أولى بکلّ مؤمن من نفسه. قال صلّى الله علیه وسلّم : فإنی من کنت مولاه فهذا علی مولاه ، وأخذ بید علی » (21).
وفی روایه ابن کثیر عن أبی یعلى والحسن بن سفیان : « فقال : ألست أولى بکلّ امرئ من نفسه ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا مولى من أنا مولاه ، أللهم وال من والاه وعاد من عاداه (۲۲).
وفیه عن عبید الله بن عمر القواریری : « قالوا نشهد أنّا سمعنا رسول الله صلّى الله علیه وسلّم یقول یوم غدیر خم : ألست أولى بالمؤمنین من أنفسهم وأزواجی أمهاتهم ؟ قلنا : بلى یا رسول الله. قال : فمن کنت مولاه فعلیّ مولاه » (23).
وفی روایه السمهودی عن الطبرانی فی الکبیر والضیاء فی المختاره من حدیث حذیفه بن أسید الغفاری : « یا أیها الناس إنّ الله مولای وأنا مولى المسلمین ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن کنت مولاه فهذا مولاه ـ یعنی علیا ـ اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » (24).
وفی [ کنز العمال ] عن ابن جریر : « عن میمون أبی عبد الله قال : کنت عند زید بن أرقم ، فجاء رجل فسأل عن علی فقال : کنّا مع رسول الله صلّى الله علیه وسلّم فی سفر بین مکه والمدینه ، فنزلنا مکانا یقال له غدیر خم. فأذّن الصلاه جامعه ، فاجتمع الناس ، فحمد الله وأثنى علیه ثم قال : یا أیها الناس ألست أولى بکلّ مؤمن ومؤمنه من نفسه ؟ قلنا : بلى یا رسول الله نحن نشهد أنک أولى بکلّ مؤمن من نفسه. قال : فإنی من کنت مولاه فهذا مولاه. فأخذ بید علی ولا أعلمه إلّا قال : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » (25).
وفیه عن المحاملی وغیره : « فقال : أیها الناس ألستم تشهدون أن الله ورسوله أولى بکم من أنفسکم ، وأن الله ورسوله مولاکم ؟ قالوا : بلى قال : فمن کان الله ورسوله مولاه فإنّ هذا مولاه » (26).
وفیه عن الطبرانی : « عن زید بن أرقم قال : نشد علی الناس من سمع رسول الله صلّى الله علیه وسلّم یقول یوم غدیر خم : ألستم تعلمون أنی أولى بالمؤمنین من أنفسهم ؟ قالوا : بلى. قال : فمن کنت مولاه فعلی مولاه » (27).
وفی روایه السمعانی : « فقال : ألست أولى بالمؤمنین من أنفسهم ؟ ثم قال رسول الله صلّى الله علیه وسلّم : فإنّ هذا مولى من أنا مولاه » (28).
وقال الملّا عمر الأردبیلی : « ثم قال : ألست أولى بالمؤمنین من أنفسهم ؟ قالوا : بلى. قال : ألست أولى بکل مؤمن من نفسه ؟ قالوا : بلى. قال : ألیس أزواجی أمهاتکم ؟ قالوا : بلى. قال : فإن هذا مولا من أنا مولاه » (29).
وفی روایه البدخشانی عن الطبرانی والحکیم الترمذی من حدیث أبی الطفیل : « ثم قال : یا أیها الناس إن الله مولای وأنا مولى المؤمنین وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن کنت مولاه فهذا علی مولاه » (30).
ولقد اعترف « الدهلوی » بتفرع حدیث الغدیر على الجمله السابقه لها حیث قال : « وهذا الکلام من النبی : ألست أولى بالمؤمنین من أنفسهم ، مأخوذ من الآیه القرآنیه ، ومن هنا جعل هذا الأمر من المسلّمات لدى أهل الإسلام ، ثم فرع علیه الحکم التالی له ».
وعلى أساس تفرع ما بعد « الفاء » على ما قبلها وتبعیته له فی الحکم ردّ على الشیعه الامامیه فی ما ذهبوا إلیه ـ حسب الأحادیث الوارده ـ من نزول قوله تعالى : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِیضَهً ) فی مورد نکاح المتعه (۳۱).
فإذن ، یجب أن یکون حدیث الغدیر متفرعا على قوله صلى الله علیه وآله وسلم : « ألست أولى بالمؤمنین من أنفسهم » لمکان « الفاء » ، کما رأیت فی کثیر من أخبار هذا الحدیث الشریف ، فثبت بطلان انکار « الدهلوی » من کلامه نفسه. والحمد لله رب العالمین.
[ الثالث ] لقد استدل سبط ابن الجوزی ـ الذی احتج « الدهلوی » بکلامه فی الجواب عن المطعن السادس من مطاعن عمر ، وکذا الکابلی فی الصواقع ، وقد عدّه محمد رشید الدین الدهلوی من أئمه الدین وقدماء العلماء المعتمدین لدى أهل السنه والجماعه ـ
بقوله صلى الله علیه وآله وسلم : « ألست أولى بالمؤمنین من أنفسهم » على أن المراد من « المولى » هو « الأولى » فی حدیث الغدیر. وسیأتی نص کلامه فیما بعد إن شاء الله تعالى.
[ الرابع ] لقد قال السید شهاب الدین أحمد ما نصه : « وسمعت بعض أهل العلم یقول : معناه من کنت سیّده فعلی سیّده مضی قوله. وتصدیر القول بقوله صلّى الله علیه وبارک وسلّم : ألستم تعلمون أنی أولى بالمؤمنین ، یؤید هذا القول والله سبحانه أعلم » (32).
[ الخامس ] لقد اعترف حسام الدین السهارنبوری بأن صدر الحدیث قرینه تقتضی إراده معنى « الأولى » من « المولى » ، ثم زعم أن ذیل الحدیث وهو قوله صلّى الله علیه وسلّم : « اللهم وال من والاه … » قرینه تقتضی إراده معنى « الناصر » و « المحبوب » فیتعارض القرینتان ، وإذا تعارضتا بعدم مرجح تساقطتا. وإلیک کلام السهارنبوری معربا : « وأیضا : کما أن صدر الحدیث قرینه تقتضی إراده معنى الناصر والمحبوب ، فیتعارض القرینتان ، وإذا تعارضتا بعدم مرجح تساقطتا ، فکأن اللفظ المشترک یبقى بلا قرینه ، ویکون تعیین أحد معانی المشترک ـ خصوصا هذا المعنى فی مورد النزاع ـ تحکما.
« وأیضا » : فإن المعتبر عند التعارض هی القرینه الأقوى ، وهنا القرینه على کون المراد هو الناصر والمحبوب أقوى ، لأن الغرض من الخطبه هو الحث والترغیب على محبه أهل البیت ، وإن سبب إیرادها ـ کما ذکرنا سابقا ـ یرجح القرینه على هذا المعنى ».
أقول : إن کلامه صریح فی دلاله صدر الحدیث على مطلوبنا.
وأمّا زعمه أن ذیله یقتضى إراده معنى « الناصر والمحب » فیندفع بأن ذیل الحدیث جمله إنشائیه ، وقوله « من کنت مولاه فعلی مولاه » جمله خبریه.
« وأیضا » : فإن الذیل خطاب مع الحق ، وفی هذه الجمله الخطاب مع الخلق ، وأما صدر الحدیث فهو جمله خبریه وهو خطاب مع الخلق. وعلى ما ذکرنا من الوجهین ـ بالاضافه إلى تقدم الجمله المتصدره للحدیث ـ یتقدم الصدر ویتأخر الذیل ، ولا تعارض بین الصدر والذیل أبدا فلا تساقط.
« وأیضا » : مجیء « المولى » بمعنى « المحبوب » غیر ثابت من کتب اللغه ، فلو سلّمنا کون الذیل قرینه على إراده معنى المحبوب لزم العدول عنه لعدم مساعده اللغه.
« وأیضا » : قد علمت سابقا جعل التفتازانی والقوشجی ذیل الحدیث قرینه على إراده معنى « الناصر والمحب » ومن الواضح مغایره « المحب » للمحبوب الذی ذکره صاحب المرافض ، وکیف یکون الشیء الواحد قرینه لشیئین متغایرین ؟
« وأیضا » : قوله صلّى الله علیه وسلّم فی الذیل : « وانصر من نصره » یقتضی إراده معنى « المنصور » لا « الناصر » فیلزم أن یکون « المولى » بمعنى « المنصور » وکون أخذه بمعنى « الناصر » باطلا ، لکنّ أحدا من اللغویین لم یذکر « المنصور » فی جمله معانی « المولى ».
« وأیضا » : لو کان المراد « المحبوب » وکان قوله « وانصر … » یقتضی إراده معنى « الناصر » للزم تساقط هاتین القرینتین لعدم جواز إراده المعنیین من اللفظ الواحد فی الاستعمال الواحد حسب تصریح المحققین من الأصولیین ، فیبقى صدر الکلام بلا معارض.
ولعلّه من هنا لم یذکر الرازی لذیل الخبر إلّا معنى « الناصر » ، وذلک حیث قال : « ثم إن سلّمنا أن تقدیم تلک المقدمه یقتضی أن یکون المراد بالمولى « الأولى » ، ولکن الحدیث مؤخّره وهو قوله صلّى الله علیه وسلّم : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله یقتضى أن یکون المراد من المولى « الناصر ». وانما قلنا ذلک لأن من ألزم غیره شیئا بلفظ مشترک بین ذلک الشیء وبین غیره ، ثمّ حثّ على التزام أحد معانی تلک اللفظه ، فإنّه یتبادر إلى الأفهام أنه إنما حثّ باللفظ المشترک على المعنى الذی صرّح به آخرا ، ألا ترى أن الإنسان إذا قال لغیره : صل عند الشفق اللهم من « کذا » یصل عند الشفق الأحمر. یحمل الشفق المأمور به على الشفق الأحمر. وإذا ثبت ذلک فقوله : اللهم وال من والاه حث منه على التزام ما ذکره من لفظه المولى. فعلمنا أنه أراد بها الموالاه التی هی ضد العداوه. وأیّ شیء یقولون فی هذه المؤخره نقوله فی تلک المقدمه » (33).
وقد أفید فی [ عماد الإسلام ] فی جوابه : « أقول : فیه وجوه من الکلام وضروب من الملام [ الأول ] : إن قوله علیه السلام وال من والاه لو اقتضى إراده معنى المحبه من « من کنت مولاه » اقتضى قوله علیه السلام : « وانصر من نصره » إراده معنى النصره ، وحیث ثبت أن إراده المعنیین من المشترک فی إطلاق واحد ممتنعه تعارض المعنیان ، وإذا تعارضا تساقطا ، فبقی إراده معنى الأولى من المولى بلا معارض.
[ والثانی ] إن قوله علیه السلام : « اللهم وال من والاه » خطاب مع الحق بعد الفراغ عن الخطاب للخلق بقوله : « من کنت مولاه … » فلا یعارض القرینه على إراده معنى الأولویه التی هی أیضا خطاب مع الخلق.
[ والثالث ] : إن المولى قد جاء بمعنى أولى کما عرفت ، ولم یقل أحد إن معنى المولى ووال واحد ، فلا مساواه بین القرینتین.
[ والرابع ] إنه لا خلاف بین الفریقین أن قوله علیه السلام : « فمن کنت مولاه … » أمر وتکلیف بصوره الاخبار ، ولذا حمل الرازی قوله صلى الله علیه وآله وسلم : « ألست أولى بالمؤمنین » على التذکیر بوجوب طاعته ، تمهیدا لإظهار وجوب طاعته صلى الله علیه وآله وسلم فی باب التکلیف المؤدى بقوله : « فمن کنت مولاه ». ولا شبهه فی أنه إذا حملنا قوله : « من کنت مولاه فعلی مولاه » على الناصر والمحب بقرینه الدعاء لم یصلح أن یکون تکلیفا ، لأن کونهما ناصرین للخلق أو المحبین من فعلهما وصفاتهما دون الخلق.
[ والخامس ] إن الملائم للدعاء وتکلیفه الناس أن یقول صلى الله علیه وآله وسلم لو أراد إیجاب المحبّه أو النصره على الخلق بالنسبه إلى علی علیه السلام : من کان مولای ومحبی وناصری فلیکن مولى علی وناصره ومحبّه ، اللهم وال من والاه وانصر من نصره. لینتظم عبارته صلّى الله علیه وسلّم من أولها الى آخرها ، وبدون ذلک لا یحسن التکلم بهذا الکلام کما لا یخفى. على أن القرائن المسطوره فیما قبل لا یساعد شیء منها إراده غیر معنى الأولویه کما عرفت. وأما مثاله : صلّ عند الشفق. فلا یطابق الممثل له بوجه ما ، لأنه لا یجری فی هذا المثال شیء مما ذکرنا فی المثّل له ، وإلا کانت حاله کحاله ».
وأما زعم صاحب المرافض أن قرینه کون المراد معنى الناصر والمحبوب أقوى ، لأن الغرض من الخطبه الحث والترغیب على محبه أهل البیت … فیندفع بأن هذه الخطبه هی لأجل تشیید خلافه أمیر المؤمنین وإمامته ، ویشهد بذلک وجود حدیث الثقلین فیها بعد حدیث الغدیر کما فی الصواعق وغیره ـ وقد ذکر ذلک صاحب المرافض نفسه ـ.
فثبت أن حدیث الثقلین من جمله الأدله القویّه القویمه على إمامه أمیر المؤمنین علیه السلام بعد رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم بلا فصل.
 
__________________________________________
۱٫ نهایه العقول ـ مخطوط.
۲٫ التفسیر الوسیط ـ مخطوط.
۳٫ معالم التنزیل للبغوی ۵ / ١٩١ بهامش الخازن.
۴٫ أنوار التنزیل للبیضاوی : ۵۵٢.
۵٫ الکشاف للزمخشری : ٣ / ۵٢٣.
۶٫ التفسیر الکبیر لأبی العباس الخویی ـ مخطوط.
۷٫ مدارک التنزیل ٣ / ٢٩۴.
۸٫ غرائب القرآن ٢١ / ٧٧ ـ ٧٨.
۹٫ تفسیر الجلالین : ۵۵٢.
۱۰٫ السراج المنیر ـ بتفسیر الآیه.
۱۱٫ شرح الاحکام ـ کتاب الفرائض.
۱۲٫ عمده القاری ١٩ / ١١۵.
۱۳٫ ارشاد الساری ٧ / ٢٨٠.
۱۴٫ التیسیر فی شرح الجامع الصغیر ١ / ٢٧٧.
۱۵٫ السراج المنیر فی شرح الجامع الصغیر ١ / ٣٢٠.
۱۶٫ الدر المنثور فی التفسیر بالمأثور ۵ / ١٨٢.
۱۷٫ منهاج السنه ۴ / ٨٧.
۱۸٫ فتح القدیر فی شرح الهدایه ٣ / ۴٢.
۱۹٫ مسند أحمد ۴ / ٣۶٨.
۲۰٫ مسند أحمد ۴ / ٢٨١.
۲۱٫ الخصائص للنسائی : ٩۵.
۲۲٫ تاریخ ابن کثیر ٧ / ٢١٠.
۲۳٫ المصدر نفسه.
۲۴٫ جواهر العقدین ـ مخطوط.
۲۵٫ کنز العمال ١۵ / ٩١.
۲۶٫ کنز العمال ١۵ / ١٢٢ ـ ١٢٣.
۲۷٫ کنز العمال ١۵ / ٩٢.
۲۸٫ فضائل الصحابه ـ مخطوط.
۲۹٫ وسیله المتعبدین ٢ / ١۴٨.
۳۰٫ مفتاح النجا ـ مخطوط.
۳۱٫ التحفه الاثنا عشریه. باب الفقیهات.
۳۲٫ توضیح الدلائل على ترجیح الفضائل ـ مخطوط.
۳۳٫ ـ نهایه العقول ـ مخطوط.
 
مقتبس من کتاب نفحات الأزهار فی خلاصه عبقات الأنوار الجزء ۹

Leave A Reply

Your email address will not be published.