الجلودی یرعب ودائع آل محمد (ص)

0

 ولم یقف أمر المأمون عند هذا الحد ، بل أوعز إلیه یغیر ویهجم على دور آل أبی طالب فی المدینه ، ویسلب ما على نسائهم من ثیاب وحلل ، ولا یدع على واحده منهن إلا ثوباً واحداً .
وحاول الجلودی أن ینفذ الأمر بنفسه ، فهجم على دار الإمام ا لرضا (علیه السلام) بخیله ، فلمّا نظر إلیه الإمام جعل النساء کلهنٌ فی بیت (۱) واحد ، وکانت السیده المعصومه (علیها السلام) إحداهن (۲) . ووقف الإمام على باب البیت یمنع الجلودی وجنده من اقتحامه .
فقال الجلودی : لا بد من أن أدخل البیت فأسلبهن کما أمرنی أمیر المؤمنین .
فقال (علیه السلام) : أن أسلبهن لک ، وأحلف أن لا أدع علیهن شیئاً إلا أخذته .
وعلى نفس نهج أسیاده العباسیین ظل الجلودی مصرا على سلب عقائل آل بیت النبی (صلى الله علیه وآله) ، فقد آثر الجلودی أن یکون ناصبیاً (۳) من القَرن الاول الهجری یعیش على مشارف القرن الثالث ، یحمل حقد وکراهیه وحسد أولئک الذین هاجموا بیت الوحی والرساله ، وافتحموا على السیده الزهراء (علیها السلام) دارها ، وأسقطوا جنینها ، وصنعوا مع إبنه صاحب الوحی ما تقشعر منه الأبدان ، ویندى له جبین التأریخ (۴) .
بهذه النفسیه الحاقده ، وبهذه الروح الشریره هاجم الجلودی دار الإمام (علیه السلام) ، فحقده على أهل البیت کان الهواء الذی یتنفسه ، ویحفظ علیه حیاته ومقامه عند أسیاده العباسیین .
ولکنّ الإمام (علیه السلام) یمنعه من اقتحام البیت . ولیس الجلودی ـ وأشباهُهُ ـ جدیراً لیستجیب للعواطف والتوسلات ، أو لیخضع للمنطق والبرهان ، فهو ممن ملئت قلوبهم بغضا وحنقاً وحسداً لأهل بیت النبوه ، ولا یعرفون إلا لغه السلاح ومنطق القوه والظلم والإضطهاد .
فلم یزل الإمام یطلب إلیه ویحلف له ، حتى سکن الجلودی ووافق على طلب الإمام .
فدخل الإمام فلم یدع علیهن شیئا إلا أخذه منهن حتى اقراطهن وخلاخیلهن واُزرهن ، وجمیع ما کان فی الدار من قلیل وکثیر .
ویظهر أن هذه الحادثه هی من مسلسل ضغوط المأمون لإرغام الإمام (علیه السلام) وإخراجه من المدینه إلى خراسان حیث یکون تحت منظار المأمون ورقابته ، إذ إن الحادثه کانت بعد سنه من تولّی المأمون للحکم ، فقد خلص الأمر له سنه ۱۹۸ هـ ، وتوصل تفکیره الشیطانی إلى القضاء على الإمام (علیه السلام) وتشویه سمعته بجلبه إلى خراسان ، وتسلیمه الخلافه أو ولایه العهد ، وللضغط علیه لاستقدامه أنفذ إلى الجلودی بالإغاره على دار الإمام ، وسلب عقائل آل محمد (صلى الله علیه وآله) وإرعابهنٌ .
ولما رحل الإمام إلى خراسان واُدخل على المأمون قام فرحب به واظهر المحبه والإخلاص له ، وعرض علیه الخلافه فأبى الإمام (علیه السلام) ، فعرض علیه ولایه العهد ، فقبلها الإمام مرغماً بعد تهدید المأمون له (۵) . عندها أمر المأمون القواد والحجّاب والقضاه وسائر الطبقات بمبایعه الإمام (علیه السلام) بولایه العهد ، ولکن بعض قاده المأمون نقموا البیعه ولم یرضوا بها ، فاعتقلهم المأمون . ثم أمر بإدخالهم علیه منفردین .
وکان الجلودی أحدهم ، فلما اُدخل على المأمون ووقع نظر الإمام علیه قال (علیه السلام) للمأمون : هب لی هذا الشیخ (۶) ! !
فقال المأمون : یا سیدی ! هذا الذی فعل ببنات محمد (صلى الله علیه وآله) ما فعل من سلبهن !!
فنظر الجلودی إلى الاإمام (علیه السلام) وهو یکلم المأمون ویسأله أن یعفو عنه ویهبه له ، فظن أن الإمام یعین علیه لما کان قد فعله من افتحامه دار الإمام وإرعابه أهل بیته .
فقال الجلودی : یا أمیر المؤمنین ! أسألک بالله وبخدمتی للرشید أن لا تقبل قول هذا فی ! !
فقال المأمون : یا أبا الحسن ! قد استعفى ، ونحن نبر قسمه .
ثم قال : لا والله لا أقبل فیک قوله . الحقوهُ بصاحبیه (۷) .
فقدم فضربت عنقه (۸) .
* * *
هذه الحادثه ـ أی حادثه اقتحام دار الإمام الرضا (علیه السلام) ـ إنفرد بذکرها الشیخ الصدوق فی کتابه « عیون أخبار الرضا » حیث یقول : « وکان الجلودی فی خلافه الرشید لما خرج محمد بن جعفر بن محمد بالمدینه (۹) ، بعثه الرشید وأمره إن ظفر به أن یضرب عنقه ، وان یغیر على دور آل أبی طالب ، وأن یسلب نساءهم ، ولا یدع على واحده منهن إلا ثوباً واحداً . ففعل الجلودی ذلک ، وقد کان مضى أبو الحسن موسى بن جعفر (علیه السلام) . . . » (10) .
قد تتسائل ـ أیها القارىء الکریم ـ : إذا کان الشیخ الصدوق قد انفرد بذکر الحادثه وأنّها کانت فی عهد الرشید ، فکیف تنسب القضیه إلى المأمون ؟
استمیح القاریء عذرا ، وأرجوه أن یمهلنی أسطراً حتى تتضح له حقیقه الأمر .
۱ ـ أن الحادثه وقعت فی زمان هارون .
۲ ـ أن الحادثه تزامنت مع خروج محمد بن جعفر .
ولکن أرباب السیر والتاریخ من الفریقین اتفقوا على أن خروج محمد بن جعفر کان فی عصر المأمون فی سنه ۱۹۹ هـ أو ۲۰۰ هـ .
فالشیخ المفید (قدس سره) یقول فی الإرشاد : « وکان محمد بن جعفر شجاعاً سخیاً ، . . . وخرج على المأمون فی سنه تسع وتسعین ومائه بمکه ، واتبعته الزیدیه الجارودیه ، فخرج لقتاله عیسى الجلودی ، ففرق جمعه وأخذه وانفذه إلى المأمون » (11) .
کما أن الطبری فی تاریخه (۱۲) وإبن الأثیر فی الکامل (۱۳) ذکرا خروج محمد بن جعفر فی ضمن حوادث عام ۱۹۹ ـ ۲۰۰ هـ ، فراجع .
والجدیر بالذکر أن نفس الشیخ الصدوق ذکر ما یوافق ذلک فی کتابه « عیون أخبار الرضا » حیث نقل الروایه التالیه : الورّاق ، عن سعد ، عن إبن أبی الخطّاب ، عن إسحاق بن موسى (۱۴) .
قال : « لما خرج عمی محمد بن جعفر بمکه ، ودعا إلى نفسه ، ودعی بـ « أمیر المؤمنین » ، وبویع له بالخلافه ، دخل علیه الرضا (علیه السلام ) وأنا معه .
فقال له : یا عم ! لا تُکذب أباک ولا أخاک ، فإن هذا الأمر لا یتمّ .
ثم خرج وخرجت معه (۱۵) إلى المدینه ، فلم یلبث إلا قلیلاً حتى قدم الجلودی ، فلقیه فهزمه ، ثم استأمن إلیه ، فلبس السواد ، وصعد المنبر فخلع نفسه .
وقال : إن هذا الأمر للمأمون ، ولیس لی فیه حق » (16) .
وهذه العباره الأخیره تدل بکل وضوح أن خروج محمد بن جعفر کان فی عهد المأمون ، فالشیخ الصدوق یذکر هنا بأنّ محمد بن جعفر قد خرج فی زمان المأمون لا الرشید (۱۷) .
فلماذا ذکر الشیخ الصدوق فی روایه الإقتحام أنّ خروجه کان فی زمان الرشید ؟
إن منشأ هذا الإشتباه قد یکون أحد أمرین : الأمر الأول : الخلط بین هارون الرشید وبین هارون بن المسیب أحد قاده المأمون زمن حادثه الجلودی .
ففی الکافی : « لما أراد هارون بن المسیب أن یواقع محمد بن جعفر . . . » (18) .
وفی مقاتل الطالبیین : « أن جماعه من الطالبیین اجتمعوا مع محمد بن جعفر فقاتلوا هارون بن المسیب بمکه قتالاً شدیداً . . . » (19) .
وقال إبن قتیبه : « ووجه الحسن بن سهل هارون بن المسیب إلى الحجاز لقتال العلویه ، فاقتتلوا ، فهزمهم هارون بن المسیب ، وظفر بمحمد بن جعفر ، فحمله إلى المأمون مع عده من أهل بیته . . . » (20) .
وقد مرّ علینا أیضا (۲۱) أن الذی قاتل محمد بن جعفر هو الجلودی ، والظاهر أنه لا تنافی فی ذلک ، فالجلودی یکون قد نفذ أمر المأمون بتوجیه من هارون بن المسیب وتحت قیادته .
بل فی شرح الأخبار ما یوضّح ذلک ویرفع التنافی : فقد جاء فیه : « وقام جماعه من ا لعلویین فی سنه المائتین على المأمون ، وکان من قام منهم علیه محمد بن جعفر بن محمد ، قام بمکّه ، فبایعه أهل الحجاز وتهامه على الخلافه . . . . فأنفذ [المأمون] إلیه الحسن بن سهل ، وهارون بن موسى المسیب ، وعیسى بن یزید الجلودی ، ورقا بن محمد الشیبانی وهم من جمله قوّاد المأمون ، وأوقعوا على أصحابه بالمدینه ومکه وقتلوا منهم خلقاً کثیراً ، وتفرق عامتهم واستامن [محمد بن جعفر] ، واکذ نفسه فیما ادعاه من الإمامه ، فاومن وحمل إلى المأمون إلى خراسان ، فمات بها » (22) .
وعلیه فقد یکون المصدر الذی استقى منه الشیخ الصدوق قد ذکر إسم هارون بن المسیب مجرداً عن الإسم واللقب التالی ، فتصوّره الرشید ، خاصّه وأن الجلودی کان قد خدم الرشید کما مر علیک فی ثنایا حادثه الإقتحام التی نقلها الشیخ الصدوق .
الأمر الثانی : أن الشیخ الصدوق قد خلط بین محمد بن جعفر الذی خرج فی زمن الرشید ، وبین محمد بن جعفر الذی خرج فی زمن المأمون فالذی خرج فی زمن الرشید هو محمد بن جعفر بن یحیى بن الحسن بن الحسن بن الحسن کما فی مروج الذّهب حیث یقول : « وقد کان محمد بن جعفر بن یحیى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علی ( کرم الله وجهه ) ، سار إلى مصر ، فطلب ، فدخل المغرب ، واتصل ببلاد تاهرت السفلى ، واجتمع إلیه خلق من النّاس ، فظهر فیهم بعدل وحسن استقامه ، فمات هنالک مسموماً . . . » (23) .
والذی خرج فی زمن المأمون هو محمد بن جعفر بن محمد ـ کما مر آنفاً .
فنستنتج مما سبق : أنّ هذه الحادثه کانت فی زمان المأمون ، وقبیل وفاه السیده المعصومه (علیها السلام) بسنتین : وعلى فرض وقوعها فی عهد هارون فالسیده تکون أیضا قد عایشت الواقعه بکل تفاصیلها ، فکما ذکر الشیخ الصدوق أن الحادثه وقعت وقد کان مضى أبو الحسن موسى بن جعفر (علیه السلام) ، أی بعد عام ۱۸۳هـ .
* * *
کانت هذه صوره من صور المحن والآلام التی عاشتها سیدتنا ومولاتنا المعصومه (علیه السلام) .
ویکفیک أن تتخیل وتتصور أجنبیاً یروم دخول دارک ، فیکشف عرضک لیسلب أمک أو زوجتک أو أختک . فما هو حالک إذا علمت أن المراد سلبهن هن بنات أهل بیت العصمه والطهاره ؟
یکفیک تصور ذلک حتى تعلم عظم الحادثه وفجاعتها .
 (ج) السیده تعایش ترحیل أخیها سنه ۲۰۱ هـ یوم ۱۰ جمادی الآخر مدینه مرو
الإمام الرضا (علیه السلام) وأخوه اسماعیل ، وعمه محمد بن جعفر ، وعلی بن الحسن بن زید ، وابن الارقط ، ومجموعه ممن کان قد خرج على المأمون ، یقدم بهم رجاء بن الضحاک على مرو ، ویدخلهم على المأمون لعشر خلون من جمای الآخر سنه إحدى ومائتین ، فقد أمر المأمون بإشخاصهم وإشخاص من کان قام علیه من الطالبیین ، فحملهم الجلودی وأخذ بهم على طریق البصره ـ الأهواز (۲۴) فی المفاوز والبراری لا فی العمران ، لئلا یراه الناس فیرغبوا فیه ، فما من منزل من منازل إلا وله فیه معجزه (۲۵) .
وصاروا إلى فارس حیث لقیهم رجاء بن الضّحاک وتسلّمهم من الجلودیّ (۲۶) .
وبذلک یکون الإمام قد فارق مدینه جده رسول الله (صلى الله علیه وآله) ، وکان (علیه السلام) قبل إخراجه قد دخل المسجد النبوی الشریف لیودع جده ، فودعه مراراً ، کل ذلک [وهو] یرجع الى القبر ، ویعلو صوته بالبکاء والنحیب . فتقدم إلیه مخول السجستانی وسلٌم علیه ، فردّ السلام .
وقال (علیه السلام) : زرنی ! فإنّی أخرج من جوار جدی (صلى الله علیه وآله) فاموت فی غربه (۲۷) .
کل هذا فی منظر ومسمع من السیده المعصومه وإخوتها وإخواتها حیث إن الإمام (علیه السلام) حینما أرادوا الخروج به من المدینه جمع عیاله، وأمرهم بالبکاء علیه، ثم فرق فیهم إثنی عشر الف دینار .
ثم قال : أما إنی لا أرجع إلى عیالی أبدا (۲۸) .
وهکذا أخرج الإمام (علیه السلام) من مدینه جدّه (صلى الله علیه وآله) ، أمام أخته المصونه وسائر عیاله ، وعیونهم عبرى ، وقلوبهم مملوءه بالحزن والأسى .
۵ ـ هجرتها
وتمضی الأیام والأیام على مفارقه السیده المعصومه لأخیها الإمام الرضا ، فتتسلم منه کتاباً یأمرها أن تلحق به ، فقد کانت أثیره عنده ، وعزیزه علیه ، ولما انتهى الکتاب إلیها تجهزت للسفر إلیه (۲۹) .
ولیست الهجره مسأله جدیده فی حیاه أهل البیت وأولادهم وموالیهم ، فقد سعى العباسیون ومن قبلهم الأمویون لتشتیتهم فی البلدان وإبادتهم ، حتى أن أبا الفرج الإصفهانی کتب کتابه « مقاتل الطالبین لبیان ذلک ، وکتب المسعودی أیضاً کتابه « حدائق الأذهان فی أخبار أهل بیت النبی وتفرقهم فی البلدان » .
وحتى قال دعبل الخزاعی :
لا اضحک الله سن الدهر إن ضحکت * وآل أحمـد مظلمـون قـد قهـروا
مشردون نفـوا عـن عقـر دارهم * کأنهم قـد جـنوا مـا لیس یغـتفر
یخرج رکب السیده المعصومه مع بعض إخوتها . .
ویخرج بعض آخر من إخوتها فی رکب ثان باتجاه طوس . .
رکبان عظیمان یتجهان نحو طوس للقاء بإمامهم (علیه السلام) :
أحدهما یتجه إلیها عن طریق الری وساوه . .
والآخر یتجه إلیها عن طریق شیراز .
فالإمام الرضا (علیه السلام) قد استأذن المأمون فی قدومهم علیه (۳۰) .
 (1) هجره إخوتها إلى شیراز
کان إخوه الإمام الرضا (علیه السلام) : أحمد ، ومحمد ، وحسین ، على رأس هذا الرکب الذی ضم عدداً کبیراً من بنی أعمامهم وأولادهم وأقاربهم وموالیهم ووصل عددهم إلى ثلاثه آلاف (۳۱) .
وفی الطریق انضم إلیهم جمع کثیر من موالی ومحبی أهل البیت (علیهم السلام) ، فصار عددهم ما یقرب من خمس عشره ألف نسمه رجالاً ونساء (۳۲) ، یتجهون إلى طوس عن طریق شیراز لیحظوا برؤیه الإمام (علیه السلام) ، ویرفلوا بأثواب البرکه فی جواره (۳۳) .
ولما وصل خبر القافله وهذا التجمع الکبیر إلى المأمون ، حشی على ملکه وسلطانه من التزلزل إذا ما وصلت هذه القافله العظیمه إلى خراسان ، فأمر ولاته بمنع زحف هذا الرکب وإرجاعهم إلى المدینه (۳۴) .
فجهز حاکم شیراز ـ آنذاک ـ جیشاً جراراً من أربعین الف جندی وتوجه إلى الرکب ، فلتقى بهم فی « خان زینان » على ثمانیه فراسخ (۳۵) من شیراز .
فتوقفت قافله بنی هاشم تستطلع الأمر .
قال الحاکم لهم : إن الخلیفه یأمر بإرجاعکم من حیث أتیتم .
فقال أمیر الرکب أحمد بن موسى : إننا لا نرید سوى زیاره أخینا الإمام الرضا . وما قصدناه إلا بعد استئذان وإجازه المأمون نفسه .
قال الحاکم : قد یکون ما ذکرت ، ولکنّه أصدر الأمر إلینا بمنعکم من إکمال سیرکم .
فتشاور الإخوه فیما بینهم ، واتفقوا على إکمال مسیرتهم ، واحتاطوا لذلک بجعل النساء فی آخر القافله.
فی الصباح تحرکوا من جدید . .
ولکن حاکم شیراز وجنده الأربعین ألفا قطعوا الطریق علیهم . .
فبدأت معرکه دامیه ، أبدى فیها إخوه الإمام وسائر أفراد القافله شجاعه فائقه ، ولا عجب فی ذلک فهم من بنی هاشم أصل الشجاعه ومنبت البطوله ، وعلى أثر ذلک انکسر جیش الأعداء ، وتفرقوا . . . فلجأوا حینئذ إلى المکر والخدیعه .
فنادى رجل منهم : إن کان تریدون ثمّه الوصول إلى الرضا فقد مات ! !
فسرت هذه الشائعه بین أفراد القافله کالبرق ، وهدّت ارکانهم ، وکیف لا ؟ إنهم یسمعون خبر وفاه إمامهم (علیه السلام) .
وکان ذلک سببا لتفرق افراد القافله عن الإخوه الکرام .
فتوجه الإخوه الثلاثه إلى شیراز لیلاً بعد أن غیروا البستهم حتى لا یعرفوا ، وتفرقوا فیها وتفرغوا للعباده ، ولبثوا مده دون أن یعرفهم أو یتوصل إلیهم أحد .
ولکن على أثر انتشار الجواسیس توصلوا إلى مکان أحمد بن موسى .
فارسل الحاکم جیشاً کبیرا لاعتقاله . وکان أحمد بن موسى قد اختفى فی دار أحد الموالین لهم ، فخرج من الدار یقاتلهم قتالاً مستمیتاً دفاعاً عن نفسه .
فماذا یا ترى یفعل فرد واحد أمام بلده مخالفه وجیش کبیر ؟ !
إنه أظهر شجاعه عظیمه ، وکان بین فتره وأخرى یدخل الدار فیستریح . وعندما لم یتمکنوا منه لجأوا إلى الجیران ، وأحدثوا فجوه إلى تلک الدار عبر دار الجیران ز غافلوه وقتلوه فی الموضع الذی نراه الاآن والمعروف بـ « شاه جراغ » .
کما أنّهم قتلوا أخاه ُ حسیناً بالقرب من بستان ، وله مزار أیضاً فی شیراز ویُعرف بالسید « علاء الدین حسین » .
وأما السید محمد فلم یتمکنوا منه ، وعرف بکثره العباده ، ولذا کان یلقب بـ « محمد العابد » ، وتوفی ودفن فی بقعته الشریفه من شیراز (۳۶) .
***
بعد أن عرفنا ما حدث لهذا الرکب ، تعالوا بنا نستطلع ما یجری على رکب السیده المعصومه وإخواتها الآخرین .
(ب) رکب السیده یحاصر فی « ساوه »
کانت هذه القافله تضم إثنین وعشرین علویاً ، وعلى رأسها السیده فاطمه المعصومه (علیها السلام) وإخوتها : هارون (۳۷) ، وفضل ، وجعفر ، وهادی (۳۸) ، وقاسم ، وبعض من أولاد إخوتها ، وبعض الخدم (۳۹) .
فأرسل المأمون شرطته إلی هذه القافله أیضاً ، فقتل ، وشرد کل من فیها ، وجرحوا هارون المذکور ، ثم هجموا علیه وهو یتناول الطعام فقتلوه (۴۰) .
وکان ذلک نهایه الیمه ومفجعه لهذا الرکب من بنی هاشم ، فقدت فیها السیده المعصومه (علیها السلام) سائر إخوتها ، فشابهت مثیبتها بفقدهم مصیبه عمتها زینب (علیه السلام) فی کربلاء .
وخارت قواها وضعفت ، فسألت من حولها : ـ کم بیننا وبین قم ؟
قالوا : عشره فراسخ (۴۱) .
فقالت : إحملونی إلیها (۴۲) .
وقبل أن نواصل معایشتنا مع السیده المعصومه (علیها السلام) نتوقف قلیلاً لنعرف شیئاً مما ذکره المعصومون (علیهم السلام) فی فضل قم وأهلها .
(۱ | ب) لماذا سمیت هذه البلده بـ « قم » ؟
فی معجم البلدان : ـ قم ـ « قریه إسمها کمندان ، فأسقطوا بعض حروفها فسمیت بتعریبهم (۴۳) قما » (44) .
وفی دائره المعارف ا لإسلامیه الشیعیه : أنّ أصل إسمها « کم » ـ بمعنى قلیل بالفارسیه ـ إذ کانت عباره عن قریه صغیره ثم عربت بعد الفتح الإسلامی فصارت « قم » (45) .
فهذان قولان مختلفان فی سبب تسمیتها بـ « قم » ، ولکن نفس التاریخ لا یوافقهما ، إذ إن تسمیتها بذلک کان معروفاً قبل الفتح الإسلامی ، ومنذ زمن کسرى « أنوشروان » .
ففی الأخبار الطوال : « . . . ثم قسم کسرى أنوشروان المملکه أربعه أرباع ، وولى کل ربع رجلاً من ثقاته ، فأحد الأرباع : خراسان ، وسجستان ، وکرمان ، والثانی إصبهان ، وقم ، . . . إلخ » (46) .
وفی موقعه « جلولاء » التی کان من قادتها الصحابی الجلیل حجر بن عدی ، هزم یزدجر فتحمل بحرمه وحشمه وما کان مع من أمواله وخزائنه حتى نزل قم (۴۷) .
فتسمیتها بـ « قم » کان معروفاً قبل الفتح الإسلامی ، وعلى هذا فلیس « الأشعریون » هم الذین سموها بـ « قم » کما ادعاه صاحب معجم البلدان .
فما هو سبب تسمیتها إذن ؟
وباستعراض روایات المعصومین (علیهم السلام) ـ الذین هم ملاذنا وملجأنا دائماً وفی کل شیء ـ نجد ثلاث روایات فی سبب هذه التسمیه : ـ
الروایه الاولى : عن الإمام الصادق (علیه السلام) قال : « حدثنی أبی ، عن جدی ، عن أبیه ، قال :
قال رسول الله (صلى الله علیه وآله) لما اُسری بی إلى السماء حملنی جبرئیل على کتفه الأیمن ، فنظرت إلى بقعه بأرض الجبل حمراء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) أی فی غرفه واحده ، وهذا یعنی أن الجلودی دخل على الإمام بخیله فی ساحه الدار ، وما یواکب ذلک من إرعاب عقائل آل محمد (صلى الله علیه وآله) .
(۲) حیث إن هذه الحادثه کانت قبیل وفاتها بعامین ـ کما سیأتی ـ .
(۳) الناصبی : هو من نصب العداوه لآل بیت محمد (صلى الله علیه وآله) وتظاهر ببغضهم . بل قالوا : إن الناصبی هو الذی نصب العداوه لشیعتهم وتظاهر بالوقوع فیهم ، وممن ذهب إلى ذلک الشهید الثانی (قدس سره) فی مبحث الأسآر : ص ۱۵۷ من کتابه روض الجنان فی شرح إرشاد الأذهان .
(۴) راجع إثبات الوصیه : ص ۱۲۴ ، وتاریخ الیعقوبی : ج۲ ص ۱۲۶ ، والامامه والسیاسه : ص ۳۰ و۳۱ ، کما وتراجع المصادر التالیه : لسان المیزان ، الملل والنحل ، أنساب الأشراف ، العقد الفرید ، أعلام النساء ، الوافی بالفویات ، تاریخ أبو الفداء .
(۵) راجع تفصیل مسأله ولایه العهد فی کل مما یلی :
أصول الکافی : ج۱ ص۴۸۸ ، الحدیث السابع .
عیون أخبار الرضا : ج۲ ص ۱۳۸ .
الإرشاد : ج۲ ص۲۵۹ .
(۶) أراد الإمام ـ مع کل ما أدخَلَهُ الجلودیّ من رعب على العقائل ـ أراد أن یکافئه على استجابته له وعدم سلبه لهن بنفسه .
(۷) أی علی بن أبی عمران وأبو یونس ، اللذان ضربت عنقاهما قبل الجلودی .
(۸) لاحظ عیون أخبار الرضا : ج۲ ص ۱۶۱ .
(۹) سیأتی من الشیخ الصدوق أن خروج محمد بن جعفر کان بمکه ، وهذا ما ذکره غیره أیضاً .
(۱۰) عیون أخبار الرضا : ج۲ ص ۱۶۱ .
(۱۱) الإرشاد : ج ۲ ص ۲۱۱ .
(۱۲) تاریخ الطبری : ج ۵ ص ۱۲۹ فی حوادث سنه ۲۰۰ هـ .
(۱۳) الکامل فی التاریخ : ج ۴ ص ۱۵۴ فی حوادث سنه ۲۰۰ هـ .
(۱۴) إبن الإمام الکاظم (علیه السلام) .
(۱۵) أی خرج الإمام الرضا (علیه السلام) وخرج معه أخوه إسحق .
(۱۶) عیون أخبار الرضا : ج۲ ص ۲۰۷ ح۸ .
(۱۷) قد یقال : إنه لا مانع من کون خروج محمد بن جعفر فی زمان الرشید ، وکون إلقاء القبض علیه فی زمان المأمون .
والجواب :
أولاً : هذا مناف لما ذکره أهل السیر والتاریخ من أن محمد بن جعفر خرج فی حکومه المأمون .
ثانیاً : هذا لا یتناسب مع نفس الحدیث الأخیر الذی ذکره الصدوق ، إذ فیه : « فلم یلبث إلا قلیلاً حتى قدم الجلودی » ، وقد مات الرید فی عام ۱۹۳ هـ ، وتولى المأمون الحکم فی عام ۱۹۸ هـ أی بعد ست سنوات ، وهذا لا ینسجم مع قوله : « فلم یلبث إلا قلیلا » .
(۱۸) أصول الکافی : ج۱ ص ۴۹۱ ح ۹ .
(۱۹) مقاتل الطالبیین : ص ۳۵۹ .
(۲۰) المعارف : ص ۳۸۹ .
(۲۱) من الإرشاد وتاریخ الطبری وتاریخ ابن الاثیر .
(۲۲) شرح الأخبار : ج۳ ص ۳۳۶ .
(۲۳) مروج الذهب : ج۳ ص ۳۵۳ .
(۲۴) شرح الأخبار : ج۳ ص ۳۳۹ .
(۲۵) العوالم : ج ۲۲ ص ۲۲۹ ح ۳ من المستدرکات .
(۲۶) شرح الأخبار : ج۳ ص ۳۳۹ .
(۲۷) عیون الأخبار : ج۲ ص ۲۱۷ ح ۲۶ .
(۲۸) عیون أخبار الرضا : ج۲ ص ۲۱۷ ح ۲۸ .
(۲۹) ترجمه تاریخ قم ص ۲۱۳ ، وحیاه الإمام الرضا (علیه السلام) : ج۲ ص ۳۵۱ نقلا عن جوهره الکلام : ص ۱۴۶ .
(۳۰) شبهای بیشاور : ص ۱۱۵ .
(۳۱) أعیان الشیعه : ج۳ ص ۱۹۲ .
(۳۲) شبهای پیشاور : ص ۱۱۷ .
(۳۳) وما نُقل عن کتاب لباب أو لبّ الأنساب من أنّهم خرجوا لطلب الثار لاخیهم ، هذا لا یساعده التاریخ ، کما أنّه لا یناسب خروج قافله مسالمه ، وإلا لتعرض لها کل ولاه وأتباع المأمون قبل شیراز .
(۳۴) ولعل سبب استقدام الإمام لإخوته هو کشف النوایا الخبیثه للمأمون ـ کما سیظهر لک ، فلیست هجرتهم مجرد لقاء إخوه باخیهم ، ولیست العواطف هی الباعث علیها وإنما الأمر فوق ذلک .
(۳۵) أی على بعد ۴۴ کیلومتراً من شیراز (الفرسخ الشرعی = ۵ | ۵ کیلومتر) .
(۳۶) شبهای پیشاور : ص ۱۱۵ ـ ۱۲۲ ، تحفه العالم : ج۲ ص ۲۸ .
(۳۷) الحیاه السیاسیه للإمام الرضا (علیه السلام) : ص ۴۲۸ .
(۳۸) لم یذکر أحد أن للإمام ولداً باسم هادی ولعله هارون وصحف .
(۳۹) زندگانی حضرت معصومه ، نقلاً عن ریاض الأنساب ومجمع الأعقاب .
(۴۰) الحیاه السیاسیه للإمام الرضا (علیه السلام) : ص ۴۲۸ .
(۴۱) أی خمسه وخمسون کیلومتراً تقریباً .
(۴۲) ترجمه تاریخ قم : ص ۲۱۳ .
(۴۳) أی بتعریب الأشعریین الشیعه الذین نزلوا بها فی عام ۸۳ هـ ، وهم غیر الأشعریین أصحاب المذهب الکلامی .
(۴۴) معجم البلدان : ج۴ ص ۳۹۷ .
(۴۵) دائره المعارف الإسلامیه الشیعیه : ج۳ ص۲۲۹ و۲۳۰ .
(۴۶) الأخبار الطوال : ص ۶۷ .
(۴۷) المصدر السابق : ص ۱۲۸ .

Leave A Reply

Your email address will not be published.