انتقامُ معاویه من شیعه الإمام علی (علیه السلام)

0

 وأنّک محیط بهم، ثمّ اکفف عنهم وادعهم إلى البیعه لی، فمَن أبى فاقتله، واقتل شیعه علی حیث کانوا(۱) . وقد کتب نسخه إلى عمّاله بعد ما سمّاه بعام الجماعه یقول فیها : أن برئت الذمّه ممَّن روى شیئاً من فضل أبی تراب وأهل بیته . فقامت الخطباء فوق کلّ منبر یلعنون علیاً ویبرؤون منه ، ویقعون فیه وفی أهل بیته .
وقد عالن الناس بطبیعه حکمه بکلمته الشهیره : یأهل الکوفه أتروننی قاتلکم على الصلاه والزکاه والحج ؟ وقد علمت أنّکم تصلّون وتزکّون وتحجّون ، ولکنّی قاتلتکم لأتأمّر علیکم ، وألِیَ رقابکم ، وقد آتانی الله ذلک وأنتم کارهون .
وقد سجّل له التاریخ بأنّه نکّل بشیعه علی بعد موت ابنه الحسن أیّما نکال ، واستباح دماً کثیراً ، فکانت الأعداد فی خانه الاُلوف ، وکانت وسائله فی ذلک زمره من السفّاحین ، مثل زیاد وسمره بن جندب الذی قتل کلّ مَن اتّهم بدم عثمان ، وسبى نساء همدان وباعهن فی الأسواق مسجّلاً بذلک سابقه خطیره فی بیع نساء المسلمین(۲) .
وبلغ من شدّه دهاء معاویه أن جعل الکثیرین یعتقدون بسعه حلمه وکرمه وصبره ، وکان ذلک بفعل نشاط ( القصّاصین ) الذین کانوا یتولّون إذاعه کلّ ملیح وحسن عنه مستشهدین بفلان وفلان ..
ـــــــــــــــــــــــــ
(۱) نهج البلاغه ۲ / ۶ ـ ۷ .
(۲) ذکرت بعض المراجع أنّ إرهاب معاویه دفع بالناس لإعلان زندقتهم وکفرهم على أن لا یقال عنهم أنّهم من شیعه علی .
وقد نجح فی سیاسته بتألیب القبائل على بعضها فی الشام والعراق والیمن ، وإثاره العصبیّات بینها لتشغل ببعضها عنه ، وقد وصف ـ ولها وزن ـ هذه السیاسه بقوله : وأجّج الولاه نار هذه الخصومه ، ولم یکن تحت تصرّف الولاه إلاّ شرطه قلیله ، وفیما سوى ذلک کانت فرقهم من مقاتله المصر ، حتّى إذا أحسنوا التصرّف تهیّأ لهم أن یضربوا القبائل بعضها ببعض ، وأن یثبتوا مرکزهم بینهم(۱) .
وکان من نتیجه هذه السیاسه أن ظهر الشعر السیاسی والحزبی والقبلی ، واشتعلت حرب الهجاء والمفاخرات القبلیّه الجوفاء ، فانضمّ الأخطل إلى الاُمویّین ، ضدّ قیس عیلان شاعر التغلبیین ، ثمّ انضمّ إلى الفرزدق على جریر لسان القیسیّه على تغلب .
استفحالُ خطر التحریف
وتطوّرت هذه الروح القبلیّه وصارت خطراً اتّخذ شکل تألیف الأحادیث ونسبها إلى النبی (صلى الله علیه وآله) .
واستفحلت حال المسلمین , وبدا أنّ الاُمّه فی طریقها إلى الانهیار الکامل ؛ فقد بدأت ألوان جدیده من التحریف فی أحادیث منسوبه إلى الرسول (صلى الله علیه وآله)(۲) مثل : إنّ الله ائتمن على وحیه ثلاثاً : أنا وجبریل ومعاویه .
ـــــــــــــــــ
(۱) الدوله العربیه ، ولها وزن .
(۲) فی سلسله دروس فقهیّه ألقاها المرجع الدینی الأعلى الإمام المجاهد السیّد آیه الله روح الله الخمینی على طلاّب علوم الدین فی النجف الأشرف ، جاء فیها : إنّ هؤلاء لیسوا بفقهاء ، وقسم منهم ألبستهم دوائر الأمن والاستخبارات العمائم لکی یدعوا الله للسلطان ، وقد ورد فی الحدیث فی شأن هؤلاء : (( فاخشوهم على دینکم )) .
وإنّ الرسول (صلى الله علیه وآله) ناول معاویه سهماً وقال له : خذ هذا حتّى تلقانی فی الجنّه .
وأنا مدینه العلم ، وعلیّ بابها ، ومعاویه حلقتها .
وتلقون من بعدی اختلافاً وفتنه ، فقال له قائل من الناس : فمَن لنا یا رسول الله ؟ قال : علیکم بالأمین وأصحابه . والأمین هنا عثمان .
ولتکون سیاسه التدجین والإسکات تامّه ، فإنّ حدیثاً أظهره أحدهم یقول : قال رسول الله (صلى الله علیه وآله): إنّکم سترون بعدی أثره وأموراً تنکرونها ، قالوا : فماذا تأمرنا یا رسول الله ؟ قال : أدّوا إلیهم حقّهم ، وسلوا الله حقّهم . و مَن رأى من أمیره شیئاً یکرهه فلیصبر علیه(۱) .
ولکنّ الاُمّه التی اضطُهدت وجُوّعت لم تعد تستطع الحراک وصارت فی حاله ما بین وبین ، تخاف الجهر بما تعتقده وتخاف التحرّک بوحی من هذا الاعتقاد ، ولم یبقَ لها إلاّ السکوت على هذا الضیم ؛ لأنّ الکلام معناه القتل والتجویع والتشرید .
ولعلّ خیر مَن صوّر هذا الموقف المتذبذب الخائف للحسین کان الفرزدق حین سأله (علیه السلام) عن أهل الکوفه ، حیث أجابه : قلوبهم معک وسیوفهم علیک .
ولم یتأتّ لهذه الاُمّه ولو معشار ما تأتّى للجیل الذی سبقها أیّام عثمان ، فقد کانت ردّات فعل الاُمّه آنذاک قویّه استطاعت أن توقف عثمان عند حدّه ، ولکن على عهد معاویه أسقط فی ید اُمّه الإسلام ، فمعاویه کان من الدهاء والغدر والثعلبیّه ما لم یکن لثعمان ، وقد نجح فی سیاسه البطش والإرهاب نجاحاً لم یبلغه سابق ولا لاحق له .
ــــــــــــــــ
(۱) ذکر البخاری کثیراً من هذه الأحادیث المنسوبه ، کما جاء ذکرها فی کثیر من کتب الأحادیث .
وکان معاویه فی بطشه یهدف إلى جعل الحکم خلافه ملک کسروی بعد أن نجحت الأرستقراطیّه الوثنیّه بإقامه دوله کبرى ؛ وهذا ما تفسّره عبارته المشهوره : أنا أوّل الملوک(۱) .
وهذا معناه أنّ معاویه کان یقصد أنّه أوّل الملوک فی الإسلام الولید الذی لم یعرف الملکیّه بهذا الشکل الرهیب الذی وضع اُسسه کما یحلو له ، وکما یرغب فی توریثه لمَن بعده .
کلّ ذلک من ألوان الانتهاکات ، وتحریف روح الإسلام ومبادئ العقیده ، والعوده إلى النزاعات الجاهلیّه التی قام الإسلام لیحاربها ، کلّ ذلک کان یتمّ ومعاویه سادر فی غیّه یزداد بغیاً على بغی ، والاُمه الإسلامیّه سادره فی خنوعها وذلّها ، وتزداد استسلاماً على استسلام ، والحسین (علیه السلام) یرقب ذلک کلّه , وتهاویل ثوریّه تعتمل فی صدره ، صابراً على ما آلت إلیه اُمّه الإسلام .
وکأنّه (علیه السلام) ینتظر إتیان ساعه الخلاص لیعطى الإشاره من لدن العنایه الإلهیّه للقیام بانتفاضته التی ستعید عقیده جدّه إلى صراطها المستقیم الذی أنزلت فوقه ، وتعید إزکاء شعلتها التی خبت فی الصدور بفعل التدجین المنظّم باسم الدِّین والإرهاب ، ولیفتدی بمقتله إحیاءها من جدید ، ولیکمل الشهادات العظیمه التی کتبها الله تعالى على الأنبیاء والوصیّین والشهداء الأخیار ، فیستمرّ الإسلام ویبقى بشهادته ، کما بدأت حین أنزل على جدّه الرسول الأعظم ونشر بتضحیاته الکبیره .
ـــــــــــــــــــ
(۱) لقد أبطل الاسلام الملکیّه وولایه العهد ، واعتبر فی أوائل ظهوره جمیع أنظمه السلاطین فی إیران ومصر والیمن والروم غیر شرعیّه ، وکان رسول الله (صلى الله علیه وآله) قد کتب إلى( هرقل ) ملک الروم وإلى ملک فارس یدعوهما إلى الکفّ عن استعباد الناس ، ویدعوهما فیها إلى إرسال الناس على سجایاهم لیعبدوا الله وحده ؛ لأنّ له السلطان وحده . والحسین قام بثورته التاریخیّه للقضاء على اُسلوب هذه السلطنات المشؤوم ـ راجع مقدمه خطب الإمام آیه الله الخمینی (رحمه الله) .
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.