دور الشیعه فی بناء الحضاره الإسلامیه

0

وهذا العامل الداعم لقیام تلک الحضارات یکون وبلا أدنى ریب المفصل الأساسی فی هیکلیه ذلک البناء الکبیر . ولقد شهدت الحیاه البشریه على هذا الکوکب ( الأرض ) حضارات متعدده ، لکل میزاتها وخصائصها التی ضبطها التاریخ ، وأفصحت عنها الاکتشافات الأثریه .
ومن مشاهیر هذه الحضارات : الحضاره الصینیه ، المصریه ، البابلیه ، الیونانیه ، الرومانیه ، الفارسیه ، وأخیرا الحضاره الغربیه القائمه فی عصرنا الحاضر ، ولکل من هذه الحضارات انطباعاتها الخاصه .
وأما الحضاره الإسلامیه والتی تتوسط بین الحضاره الأخیره ( الغربیه ) وما تقدمها فهی تعد بلا شک من أکبر الحضارات فی تاریخ الإنسان وأکثرها اهتماما بالعلم والفلسفه والأدب والفنون . وهی الأساس الوطید الذی قامت علیه حرکه النهضه الأوربیه .
ولقد وضع عشرات من العلماء موسوعات وکتبا لبیان ما قدمته الحضاره الإسلامیه من خدمات جلیله إلى المجتمع البشری فی المجالات المختلفه .
ولا یمکن لأحد القول بأن الحضاره الإسلامیه حضاره عربیه بحته تفرد العرب فی إقامه بنیانها وتثبیت أرکانها ، بقدر ما کانت تمثل الجهد المتفاعل لجمیع الشعوب الإسلامیه بقومیاتها المختلفه من عرب وفرس وترک وغیرهم من القومیات ، الذین ذابوا فی الإسلام ونسوا قومیاتهم ومشخصاتهم العنصریه والبیئیه .
ومن هنا فإن أی تعبیر عن الحضاره التی سادت إبان تلک الحقبه الزاهره من حیاه البلاد العربیه وما یجاورها ، فإن المراد به الإشاره إلى الحضاره الإسلامیه بکل أبعادها وأسس بنیانها ، والتی شارک فیها جمیع المسلمین ، المخلصین لرساله السماء التی جاء بها نبی الرحمه محمد ( صلى الله علیه وآله ) .
إن المسلمین الأوائل وبفضل جهدهم المخلص فی بناء حیاه الأمم والشعوب ، استطاعوا أن یقیموا للإسلام حضاره عظیمه ورائعه مترامیه الأطراف کانت متوازیه مع خط انتشار الدعوه الإسلامیه ، فلا غرو أن تخفق رایاتها فی بقاع واسعه من العالم تمتد من حدود الصین شرقا إلى المحیط الأطلسی غربا .
بلى لقد استطاع المسلمون أن یقیموا حضاره حقیقیه ترتکز على أسس أخلاقیه وعقائدیه سماویه ، ضربت جذورها فی أعماق البناء الإنسانی واستطاعت أن تجعل منه وکما أراد خالقه له أن یکون خلیفته فی أرضه . وإذا کان " ویل دورانت " فی کتابه الشهیر " قصه الحضاره " قد أشار إلى أن الحضاره تتألف من عناصر أربعه ، وهی :
 1 – الموارد الاقتصادیه .
 2 – النظم السیاسیه .
 3 – التقالید الخلقیه .
 4 – متابعه العلوم والفنون .
وهی تبدأ حیث ینتهی الاضطراب والقلق ، لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف تحررت فی نفسه دوافع التضلع وعوامل الإبداع والإنشاء ، وبعدئذ لا تنفک الحوافز الطبیعیه تستنهضه للمضی فی طریقه إلى فهم الحیاه وازدهارها ( ۱ ) .
فإن ما ذکره ذلک العالم الباحث من أسس الحضاره وأرکانها یرجع إلى تفسیر الحضاره بالمعنى الجامع الشامل للحضاره الإلهیه والمادیه ، وأما بالنظر إلى الحضاره المرتکزه على الأسس الدینیه فمن أهم أرکانها توعیه الإنسان فی ظلال الاعتقاد بالله سبحانه والیوم الآخر ، حتى یکون هو الدافع إلى العمل والالتزام بالسلوک الأخلاقی والدینی ، فالحضاره المنقطعه عن التوعیه الدینیه حضاره صناعیه لا إنسانیه ، وتمدن مادی ولیس بإلهی .
إن مؤسس الحضاره الإسلامیه هو النبی الأکرم ( صلى الله علیه وآله ) ، وقد جاء بسنن وقوانین دفعت البشریه إلى مکارم الأخلاق کما دفعتهم إلى متابعه العلوم والفنون ، واستغلال الموارد الطبیعیه ، وتکوین مجتمع تسود فیه النظم الاجتماعیه المستقیمه .
ولا یشک فی ذلک من قرأ تاریخ الإسلام ، وتاریخ النبی الأکرم ( صلى الله علیه وآله ) ، خصوصا إذا قارن بین حیاه البشریه بعد بزوغ شمس الإسلام بما قبلها .
ــــــــــــ
( ۱ ) ویل دورانت ، قصه الحضاره ۱ : ۳ . ( * )
ثم إن المسلمین شیدوا أرکان الحضاره الإسلامیه فی ظل الخطوط التی رسمها النبی الأکرم ( صلى الله علیه وآله ) من خلال القرآن والسنه ، فأصبحت لهم قوه اقتصادیه ، ونظم سیاسیه ، وتقالید دینیه وخلقیه ، وأعطوا العلوم المختلفه جل اهتمامهم ، فبرز منهم العدید من العلماء المتفوقین والبارعین فی شتى مناحی العلم ، ورفدوا حرکه تطور الحضاره البشریه بجهودهم المخلصه ، والتی تعکسها مؤلفاتهم القیمه والتی لا زالت حتى یومنا هذا مثار إعجاب الجمیع ، بل إنهم عمدوا إلى ترجمه کتب العلم المختلفه
لدى غیرهم من الأمم ، مثل الفرس والیونانیین وغیرهم ، فأغنوا المکتبه الإسلامیه بسیل وافر من المؤلفات القیمه والمهمه .
لقد شملت الحضاره الإسلامیه کل میادین الحیاه المختلفه ، فلم تلق جل جهدها فی جانب واحد من جوانب الرقی الحضاری دون غیره ، بل شمل اهتمامها کل جوانب الحیاه المختلفه ، وتلک حقیقه لا یمکن لأحد الإغضاء عنها ، فإذا کانت کل حضاره من الحضارات المعروفه قد تمیزت برقی فی جانب واحد من الجوانب الحیاتیه ، سواء الاقتصادی کان أو العسکری ، فإن الحضاره الإسلامیه تتمتع بمجموع هذه الممیزات ، فلم تترک میزه دون أخرى .
والذی یطیب لنا هنا ذکر مشارکه الشیعه فی بناء هذه الحضاره ، خصوصا فیما یتعلق بالرکن الرابع وهو متابعه العلوم والفنون ، وأما الأرکان الثلاثه الباقیه فغیر مطلوبه لنا فی هذا المقام ، وذلک لأن الموارد الاقتصادیه شارک فیها المسلمون انطلاقا من دوافعهم النفسیه من خلال الاهتمام بالأمور التالیه :
 1 – التنمیه الزراعیه بجوانبها المختلفه .
 2 – استخراج وصناعه المعادن المختلفه ، مثل الذهب والفضه والأحجار الکریمه بأنواعها النفیسه المختلفه .
 3 – إحداث القنوات المائیه وبناء السدود .
 4 – الاهتمام بتطویر الثروه الحیوانیه وتوسیعها .
 5 – صناعه الألبسه والأقمشه وغیرها .
 6 – صناعه الورق وکتابه الکتب ونشرها فی العالم .
 7 – إیجاد المواصلات البریه والبحریه ، وتنظیم حرکه الملاحه ، ومحاربه قطاع الطرق واللصوص فی البر والبحر.
 8 – العنایه الفائقه بالتجاره ، وعقد الاتفاقیات التجاریه مع البلدان المجاوره .
إلى غیر ذلک مما یوجب ازدهار الوضع الاقتصادی ، فلا یصح إبعاد قوم عن تلک الساحه وتخصیص الازدهار الاقتصادی بطائفه دون أخرى ، فإن الإنسان حسب الفطره والدافع الغریزی ینساق إلى ذلک .
وأما النظم السیاسیه ، فإن الدول الإسلامیه المختلفه قد ساهمت فی إرساء دعائمها وتثبیت أرکانها خلال سنی حکمها ، ولا فرق فی ذلک بین دول الشیعه منها کالحمدانیین والبویهیین والفاطمیین وغیرهم کالسامیین والسلاجقه وغیرهم . وأما التقالید الخلقیه فقد کانت منبثقه من صمیم الإسلام ، ومأخوذه من الکتاب والسنه ، کما أن التقالید القومیه للشعوب المختلفه ، والتی لم تکن معارضه لمبادئ الشریعه الإسلامیه السمحاء فقد فسح لها الإسلام المجال ولم ینه عنها .
فلأجل ذلک نرکز على الرکن الرابع من هذه الأرکان الأربعه للحضاره ، وهو متابعه العلوم والفنون ، فهی الطابع الأساسی للحضاره الإسلامیه ، وبها تتمیز عما تقدم علیها وما تأخر ، فنأتی بموجز عن دور الشیعه فی بناء هذا الرکن – أی ازدهار العلوم والفنون – لیظهر أنهم کانوا فی الطلیعه ، وکان لهم الدور الأساسی فی ازدهارها .
ولما کانت الحضاره الإسلامیه تستمد أسباب وجودها من الکتاب والسنه ، فکل من قدم خدمه للقرآن والسنه لفظا ومعنى ، صوره وماده ، فقد شارک فی بناء الحضاره الإسلامیه .
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.