متى بدأ التشیع؟
والآن لا بد من الرجوع إلى بدایه التشیع وبذرته التاریخیه واستظهار ما إذا کانت سنخیتها تتحد مع الفکر الإسلامی أم لا .
ثم ما هو حجمها أی البنیه الشیعیه یوم ولادتها .
وما هی أرضیه تکوینها .
وهل هی عملیه عاطفیه أم عملیه عقلائیه انتهى إلیها معتنقوها بمعاناه وتقییم واعیین .
ولما کانت هذه الأمور مما اختلف فیه تبعا لاستنتاج الباحثین ومزاجهم ومسبقاتهم وما ترجح لدیهم بمرجح من المرجحات فلا بد من تقدیم نماذج من آراء الباحثین فی هذه المواضیع تکون الماده الخام ثم یبقى على القارئ أن یستشف الحقیقه من وراء ذلک ویکون له رأیا یجتهد فی أن یکون موضوعیا .
إن المؤرخین والباحثین عندما یحددون فتره نشوء التشیع یتوزعون على مدى یبتدئ من أیام النبی ونهایاته بعد مقتل الحسین علیه السلام .
وسأستعرض لک نماذج من آرائهم فی ذلک وأترک ما أذهب إلیه إلى آخر الفصل .
أ – رأی یرى أنهم تکونوا بعد وفاه النبی علیه الصلاه والسلام .
وممن یذهب لهذا :
أولا : ابن خلدون : فقد قال : إن الشیعه ظهرت لما توفی الرسول وکان أهل البیت یرون أنفسهم أحق بالأمر وأن الخلافه لرجالهم دون سواهم من قریش ولما کان جماعه من الصحابه یتشیعون لعلی ویرون استحقاقه على غیره ولما عدل به إلى سواه تأففوا من ذلک ( ۱ ) الخ .
ثانیا : الدکتور أحمد أمین فقد قال : . وکانت البذره الأولى للشیعه الجماعه الذین رأوا بعد وفاه النبی أن أهل بیته أولى الناس أن یخلفوه ( ۲ ) " .
ثالثا : الدکتور حسن إبراهیم فقد قال : ولا غرو فقد اختلف المسلمون أثر وفاه النبی ( ص ) فیمن یولونه الخلافه وانتهى الأمر بتولیه أبی بکر وأدى ذلک إلى انقسام الأمه العربیه إلى فریقین جماعیه وشیعیه ( ۳ ).
رابعا : الیعقوبی قال : ویعد جماعه من المتخلفین عن بیعه أبی بکر هم النواه الأولى للتشیع ومن أشهرهم سلمان الفارسی وأبو ذر الغفاری والمقداد بن الأسود والعباس بن عبد المطلب ( ۴ ) .
وتعقیبا على ذکر المتخلفین عن بیعه الخلیفه أبی بکر قال الدکتور أحمد محمود صبحی : إن بواعث هؤلاء مختلفه فی التخلف فلا یستدل منها على أنهم کلهم من الشیعه : وقد یکون ما قاله صحیحا غیر أن المتخلفین الذین ذکرهم المؤرخون أکدت کتب التراجم على أنهم شیعه وستأتی الإشاره لذلک فی محلها من الکتاب (۵) .
خامسا: المستشرق جولد تسیهر قال: إن التشیع نشأ بعد وفاه النبی (ص) وبالضبط بعد حادثه السقیفه ( ۶ ) .
ــــــــــــــ
( ۱ ) تاریخ ابن خلدون ج ۳ ص ۳۶۴ .
( ۲ ) فجر الإسلام ص ۲۶۶ . ( 3 ) تاریخ الإسلام ج ۱ ص ۳۷۱ .
( ۴ ) تاریخ الیعقوبی ج ۲ ص ۱۰۴ . ( 5 ) نظریه الإمامه ص ۳۳ .
( ۶ ) العقیده والشریعه ص ۱۷۴ . ( * )
ب – : الرأی الذی یذهب إلى أن التشیع نشأ أیام عثمان ومن الذاهبین لذلک : جماعه من المؤرخین والباحثین منهم : ابن حزم وجماعه آخرون ذکرهم بالتفصیل یحیى هاشم فرغل فی کتابه ( ۱ ) وقد استند إلى مبررات شرحها .
ج – : الرأی الذی یذهب إلى تکون الشیعه أیام خلافه الإمام علی ( ع ) ، ومن الذاهبین إلى هذا الرأی النوبختی فی کتابه فرق الشیعه ( ۲ ) .
وابن الندیم فی الفهرست حیث حدده بفتره واقعه البصره وما سبقها من مقدمات کان لها الأثر المباشر فی تبلور فرقه الشیعه وتکوینها ( ۳ ) .
د – : الرأی الذی یذهب إنی أن ظهور التشیع کان بعد واقعه الطف على اختلاف فی الکیفیه بین الذاهبین لهذا الرأی حیث یرى بعضهم أن بوادر التشیع التی سبقت واقعه الطف لم تصل إلى حد تکوین مذهب متمیز له طابعه وخواصه وإنما حدث ذلک بعد واقعه الطف بینما یذهب ( ۴ ) آخرون إلى أن وجود المذهب قبل واقعه الطف کان لا یعدو النزعه الروحیه ولکن بعد واقعه الطف أخذ طابعا سیاسیا وعمق جذوره فی النفوس وتحددت أبعاده إلى کثیر من المضامین ، وکثیر من المستشرقین یذهبون لهذا الرأی وأغلب المحدثین من الکتاب .
یقول الدکتور کامل مصطفى إن استقلال الاصطلاح الدال على التشیع إنما کان بعد مقتل الحسین ( ع ) حیث أصبح التشیع کیانا ممیزا له طابعه الخاص .
فی حین یذهب الدکتور عبد العزیز الدوری إلى أن التشیع تمیز سیاسیا ابتداء من مقتل أمیر المؤمنین علی ( ع ) ویتضمن ذلک فتره قتل الحسین ( ع ) حیث یعتبرها امتدادا للفتره السابقه ( ۵ ) .
وإلى هذا الرأی یذهب بروکلمان فی تاریخ الشعوب الإسلامیه حیث
ــــــــــــــــ
( ۱ ) عوامل وأهداف نشأه علم الکلام ج ۱ ص ۱۰۵ .
( ۲ ) فرق الشیعه ص ۱۶ .
( ۳ ) الفهرست لابن الندیم ص ۱۷۵ . ( 4 ) الصله بین التصوف والتشیع ص ۲۳ .
( ۵ ) مقدمه فی تاریخ صدر الإسلام ص ۷۲ . ( * )
یقول : والحق أن میته الشهداء الذی ماتها الحسین ولم یکن لها أی أثر سیاسی هذا على زعمه – قد عملت فی التطور الدینی للشیعه حزب علی الذی أصبح بعد ملتقى جمیع النزعات المناوئه للعرب – وهو زعم باطل – والیوم لا یزال ضریح الحسین ( ع ) فی کربلاء أقدس محجه عند الشیعه وبخاصه الفرس الذین ما فتئوا یعتبرون الثواء الأخیر فی جواره غایه ما یطمعون فیه ( ۱ ) .
إن رأی بروکلمان بالإضافه لما فیه من دس یخالف ما علیه معظم من ربط ظهور التشیع بمقتل الحسین حیث یذهبون إلى أن التمیز السیاسی للمذهب ولدته واقعه الطف ، بینما یرى بروکلمان أن لا أثر سیاسی للواقعه فهو من قبیل إنکار البدهیات وإنما یقصر أثر الواقعه على تعمیق المذهب دینیا فقط .
وقد شایع بروکلمان فی هذا الرأی جماعه آخرون ذکرهم یحیى فرغل مفصلا فی کتابه ( ۲ ) إن هذه الآراء الأربعه فی نشأه التشیع لا تصمد أمام المناقشه ولا أرید أن أتعجل الرد علیها فسأذکر الرأی الخامس ومنه یتضح تماما أن هذه الآراء تستند إلى أحداث أو مض فیها التشیع نتیجه احتکاکه بمؤثر من المؤثرات فی تلک الفتره التی أرخت بها تلک الآراء ظهور التشیع فظنوه ولد آنذاک بینما هو موجود بکیانه الکامل منذ الصدر الأول . وقد آن الأوان لأعرض لک رأی جمهور الشیعه وخاصه المحققین منهم .
هـ – رأی الشیعه وغیرهم من المحققین من المذاهب الأخرى . حیث ذهب هؤلاء إلى أن التشیع ولد أیام النبی ( ص ) وأن النبی نفسه هو الذی غرسه فی النفوس عن طریق الأحادیث التی وردت على لسان النبی ( ص ) وکشفت عما لعلی ( ع ) من مکانه فی مواقع متعدده رواها إضافه إلى الشیعه ثقاه أهل السنه ومنها : ما رواه السیوطی عن ابن عساکر عند تفسیر الآیتین السادسه والسابعه من سوره النبی بسنده عن جابر بن عبد الله قال کنا عند النبی ( ص ) فأقبل علی ( ع )
ـــــــــــــــ
( ۱ ) تاریخ الشعوب الإسلامیه ص ۱۲۸ .
( ۲ ) عوامل وأهداف نشأه علم الکلام ج ۱ ص ۱۰۶ . ( * )
فقال النبی ( ص ) : والذی نفسی بیده إن هذا وشیعته لهم الفائزون یوم القیامه : فنزل قوله تعالى : * ( إِنَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِکَ هُمْ خَیْرُ الْبَرِیَّهِ ) * .
وأخرج ابن عدی عن ابن عباس قال لما نزل قوله تعالى : * ( إِنَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِکَ هُمْ خَیْرُ الْبَرِیَّهِ ) * قال النبی ( ص ) لعلی ( ع ) هم أنت وشیعتک .
وأخرج ابن مردویه عن علی ( ع ) قال : قال لی رسول الله ( ص ) : ألم تسمع قوله تعالى : * ( إِنَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) * إلخ هم أنت وشیعتک وموعدی وموعدکم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غرا محجلین ( ۱ ) ومن هنا ذهب أبو حاتم الرازی إلى أن أول اسم لمذهب ظهر فی الإسلام هو الشیعه وکان هذا لقب أربعه من الصحابه أبو ذر وعمار ومقداد وسلمان الفارسی وبعد صفین اشتهر موالی علی بهذا اللقب ( ۲ ) .
إن هذه الأحادیث التی مرت والتی أخرجها کل من ابن عساکر وابن عدی وابن مردویه یعقب علیها أحمد محمود صبحی فی کتابه نظریه الإمامه فیقول : ولا تفید الأحادیث الوارده على لسان النبی ( ص ) فی حق علی ( ع ) أن لعلی شیعه فی زمان النبی فقد تنبأ النبی بظهور بعض الفرق کإشارته إلى الخوارج والمارقین کما ینسب إلیه أنه قال لعلی إنک تقاتل الناکثین والقاسطین والمارقین .
ولا یدل ذلک على وجود جماعه مستقله لها عقائد متمایزه أو تصورات خاصه ( ۳ ) وأنا ألفت نظر الدکتور أحمد محمود إلى أن الشیعه لا یستدلون على ظهور التشیع أیام النبی ( ص ) بما ورد على لسانه من أحادیث ، فالمسأله کما یسمیها الأصولیون على نحو القضیه الحقیقیه لا الخارجیه ، أی لا یلزم وجودهم بالفعل کما استظهر الدکتور وإنما هی صفات ذکرها النبی ( ص ) للشیعه متى وجدوا وأینما وجدوا ، أما الاستدلال على ظهور الشیعه أیام النبی فمن روایات وقرائن کثیره یوردونها فی هذا المقام ، أورد قسما منها الدکتور عبد العزیز الدوری واستعرض مصادرها ( ۴ )
ـــــــــــــــ
( ۱ ) الدر المنثور للسیوطی ج ۶ ص ۳۷۶ .
( ۲ ) روضان الجنات للخونساری ص ۸۸ . ( 3 ) نظریه الإمامه ص ۳۱ .
( ۴ ) مقدمه فی تاریخ صدر الإسلام ص ۷۲ . ( * )
مع ملاحظه أنه قید التشیع بأنه تشیع روحی کما نص على قسم من أدلتهم على ذلک یحیى هاشم فرغل فی کتابه ( ۱ ) .
إن بعض هذه الآراء یرجع بالبدایه الزمنیه فی ظهور الشیعه إلى وقت مبکر فی حیاه النبی ( ص ) حیث التأمت جماعه من الصحابه تفضل علیا ( ع ) على غیره من الصحابه وتتخذه رئیسا ومن هؤلاء عمار بن یاسر وأبو ذر الغفاری وسلمان الفارسی والمقداد بن الأسود وجابر بن عبد الله وأبی بن کعب وأبو أیوب الأنصاری وبنو هاشم الخ ( ۲ ) .
ولهذا ذهب الباحثون إلى تخطئه من یؤرخ للتشیع وظهوره بعصور متأخره مع أن الأدله التاریخیه متوفره على وجودهم أیام الرسول صلوات الله علیه وآله : یقول محمد عبد الله عنان فی کتابه تاریخ الجمعیات السریه عند تعلیقه على الحادثه التی روتها کتب السیره ( ۳ ) حین جمع النبی عشیرته عند نزول قوله تعالى : * ( وَأَنذِرْ عَشِیرَتَکَ الْأَقْرَبِینَ ) * ۲۱۴ / الشعراء ، ودعاهم إلى اتباعه فلم یجبه إلا علی بن أبی طالب فأخذ النبی برقبته وقال : هذا أخی ووصی وخلیفتی فیکم فاسمعوا له وأطیعوا الخ .
علق محمد عبد الله بقوله : من الخطأ أن یقال : إن الشیعه إنما ظهروا لأول مره عند انشقاق الخوارج بل کان بدء الشیعه وظهورهم فی عصر الرسول حین أمر بإنذار عشیرته بهذه الآیه .
ـــــــــــــــ
( ۱ ) عوامل وأهداف نشأه علم الکلام ج ۱ ص ۱۰۵ .
( ۲ ) المصدر السابق ص ۱۰۶ .
( ۳ ) حیاه محمد لهیکل ط مصر الطبعه المؤرخه ۱۳۵۴ ص ۱۰۴ . ( * )