حسن الظّنّ بالمسلم
وتنشأ هذه الحالات نتیجه سوء الظّنّ بالآخرین، ونسبه أمور لهم، یتبیَّن فیما بعد أنَّهم براءٌ منها. من أجل ذلک أکّد الإسلام على مفهوم أصیل ینمُّ عن حسن السریره وطهاره النفس، وطیبه القلب وصفاء الروح، ومسْلک التسامح مع أهل التوحید وسمَّاه (حسن الظّنّ). و(حسن الظّنّ) هذا أن تحاول قدر الإمکان إخراج أخیک فی الله تعالى من نسبته إلى دائره السوء أو حظیره التهمه، لتجد له تبریراً مرضیاً لفعله أو قوله أو موقفه. نماذج عن سوء الظّنّ: وحتى تتوضَّح الصوره، من المفید ضرب أمثله متعدِّده من واقعنا المعاش، وکیف یُمکنُ للوسواس أن یفتعل سوءً للظن وما هی المحامل الممکنه والکثیره التی ینبغی استحضارها: 1- الحاله: أن یمرَّ بک فی الشارع صدیقٌ أو أخٌ فلا یُلقی علیک السلام ولا یُعیرک اهتماماً، بل یمضی فی سبیله وکأنَّه لم یراک! الاحتمالات الممکنه: رُبَّما لم ینتبه إلیک فعلاً، وربَّما کان مهموماً أو مسترسلاً أو مشغول البال أو أفجأه خبرٌ مزعج أو خانه النظر.. أو ألقى إلیک السلام ولم تلتفت.. 2- الحاله: جئت فی الوقت المحدَّد على موعد مضروب فلم تجد صاحب الموعد فی مکتبه أو متجره أو منزله أو عیادته… فتنسبه إلى التهاون وعدم الاحترام وقلَّه الوفاء وانعدام الأدب! الاحتمالات: إنّه نسی الموعد أساساً، أو ظنّه فی زمان آخر، أو مکان آخر، أو وقع فی زحمه سیر، أو طرأ علیه طارئ، أو أصابه مکروه… 3- الحاله: کنت نازلاً على السُّلم، فسمعت من منزل أخیک أصوات الغناء تصدح، وأنت تعرف التزامه وتدینه، وحرصه على الالتزام بالفتوى… فتتهمه بقله الإیمان والتساهل! الاحتمالات الممکنه: أن یکون طفله الصغیر قد أدار جهاز التحکُّم فی المذیاع، لاعباً به فصادف وقوفه على محطه غنائیه، وما أکثرها. ویُحتمل أنّ صاحبه المنزل کانت تستمع لإذاعه إسلامیه، فانقطع الإرسال لسبب ما، وغلب التشویش أو موجه أخرى غنائیه. ویُحتمل أنّه کان مستمعاً لنشره الأخبار، ثمّ قام إلى غرفه أخرى أو إلى الحمام فانتهت النشره، وأعقبتها الأغنیه التی صودف أنّک سمعتها. 4- الحاله: لدیک أخٌ عزیز وقریب أستلم مسؤولیه محترمه، أو بات مشهوراً، أو انتُخب لمنصب ما… ولم یتصل بک منذ أشهر على خلاف عادته قبل تغیُّر حالته… فتنسبه للتکبر، والتعجرف، ونکران الجمیل وقلَّه الوفاء! الاحتمالات: أنَّه یتَّصل بک أحیاناً ولا یجدک، أو أرسل رساله ولم تصلک، أو تراکمت علیه الأشغال والارتباطات والمتابعات، أو ینتهز الفرصه المناسبه لیزورک… فَلِمَ لا تُبادر أنت للاتصال به؟! وهکذا: إلى عشرات الأمثله الأخرى التی تقع فی حیاتنا الیومیه. موقف الإسلام من ذلک: أکّد الإسلام على المحبه بین المؤمنین، وعلى الوقار والاحترام، وحفظ الحرمه، والظن الحسن، وشیاع روح الإخوَّه والانسجام والإیثار والتواضع.. فدعى للاتصال بمَنْ لم یتصل بک، وزیاره مَنْ لا یزورک، وصله من قطعک، والعفو عمَّن ظلمک.. فکیف لو کانت الحاله وهماً أو تحاملاً لا أساس له؟ ورد فی النصِّ المعتبر عن مولانا أمیر المؤمنین (علیه السّلام) أنّه قال: (لا تظنَّن بکلمه خرجت من أحدٍ سوءً، وأنت تجد لها فی الخیر محتملاً). فالأساس هو الخیر والنَّظره الطیِّبه والبُعد عن سیاسه التهمه والوقیعه… وأنت تُفتش عن مخرج أو احتمال لتُبقی أخیک المسلم فی عزّه وکرامته، فیبقى المجتمع الإسلامی متماسکاً بعیداً عن التشرذم. ورد فی النصِّ المبارک عن مولانا رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلّم): (أطلب لأخیک عذراً، فإنْ لم تجدْ له عذراً، فالتمس له عذراً). الأضرار المتوقعه لسوء الظّنّ: لا شکَّ أنّ ترک مفهوم حسن الظّنّ من أن ینتشر ویتأصل فی مجتمعنا وبین أفرادنا له أثر سلبی جداً على متانه العلاقات الفردیه والجماعیه. فکم من علاقه متینه بین شخصین أو عائلتین سرعان ما أصابهما الاهتزاز، أو الخلاف تحت تأثیر نقل موهوم، أو روایه مظنونه أو خبر عابر… فتسوء العلاقات وتنتشر الإشاعات وتنمو الافتراءات، وینشغل کُلّ واحد بِمَنْ قال، وبما قیل وبالذی یرید قوله.. حتى یُؤثِّر ذلک على صلواته کما فی بعض الأحیان! وکم من المشاریع توقفت، وفاتت فرصه الاستفاده من المدرسه، أو المسجد أو المستشفى، فتعطّلت الأحوال وبُدِّدت الأوقات، وهُدرت الطاقات وشاعت الضغینه والحقد، ورُبَّما کثرت الهموم والغموم.. کُلّ ذلک نتیجه سوء ظن لیس له أساس معتبر، أو حقیقه یُمکن الاعتماد علیها. وکلُّ ذلک کان یُمکنُ أن یُحلَّ بقلیل من صفاء النیه التی یُجلِّلُها حسن الظّنّ بالأخ المسلم، وممّا لا شکّ فیه أنّ إهمال هذه الشعیره الإلهیه قد یؤدی، وبحسب الواقع المنظور، إلى شقاء فی الدنیا وبُؤس فی الآخره ، بل هلاک لا یُعوَّض. أَلَیْسَ الله ربِّی جلّ جلاله هو القائل:(یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا کَثِیراً مِّنَ الظّنّ إِنَّ بَعْضَ الظّنّ إِثْمٌ ). وورد فی النصوص الشریفه أنَّ: (حسن الظّنّ راحهُ القلب، وسلامهُ الدین، ویُخفِّفُ الهم، ویُنجِّی من تقلُّد الإثم). وأیُّ مؤمن صادق مُجد، لا یرغب فی تهذیب نفسه من کُلّ شائبه وعائبه، والنجاه من شدَّه المعاتبه وسوء العاقبه؟! ومن منّا مَنْ یقبل بالتضحیه براحته الدنیویَّه وسعادته الأخرویَّه بسبب الانقیاد إلى وهم أو سوء تقدیر وظن؟! کیف نُحسنُ الظّنَّ بالآخرین، إنَّما نُحسن الظّنّ إذا لم نحمل إخواننا إلاّ على المحمل الحسن، ولو فتّشنا عن ذلک أو اخترعنا سبباً ما، لأنَّ فی هذه الطریقه صیانهً لدیننا، وورعنا عن کُلّ ما قد یؤدی إلى الانحراف والبوار. إنَّ الالتزام بالتقوى لا یکون إلاّ بالاحتیاط فی الامتناع عن رجم الآخرین، واتَّهامهم بما لم یعلموا أو لم یعملوا به، فلا نتَّهمّ من لم یُلق السلام بأنَّه متکبر،.ومن خالف الموعد بأنَّه متهاون، ومن کان فی موضع ریبه بأنَّه فاسد، فلعلَّهم معذورون أو مُضطرون.. وعلى فرض أنّ هناک خطأ ما، لا سمح الله ، فیکون أخی فی مثل هذه الحال بحاجه إلى إرشادی ومساعدتی، لا إلى تهمتی إیّاه وطعنه والعیاذ بالله. ولعلَّ الکثیر یُفاجأ بأنَّه لا یجوز اتهام الأخ بشرب الخمر، ولو کانت رائحته تفوح من فمه! فلعلَّه وقع علیه، أو رُمی به، من فاسق، أو أنَّ سکِّیراً قذفه بشی منه، أو اشتبه فظنّه ماء فإذا به خمراً… فلا یجوز شرعاً الحکم علیه بالمعصیه. الخلاصه: لا شکّ أنَّ حسن الظّنّ یصون أفرادنا، وکلَّ مجتمعنا من المشاکل المجانیّه التی تُنهکُنا بالمتاعب والبغضاء، ونحفظ نفوسنا وإخواننا وسُمعتهم وکرامتهم، وهذا أدنى حقّ إخواننا علینا. رُوی عن مولانا أمیر المؤمنین قوله: (مَنْ عرف من أخیه وثیقه دین، وسَداد طریق، فلا یسمعنَّ فیه أقاویل النَّاس، أمّا إنَّه قد یرمی الرامی، وتُخطىء السِّهام) ، ولا ننسى وجوب صیانه عزّه المؤمن التی هی من عزَّه الله تبارک وتعالى، وفی النصِّ الشریف عن مولانا ومقتدانا رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلّم):(مَنْ أساء بأخیه الظّنَّ فقد أساء بربِّه)، إنَّ الله تعالى یقول: ( اجْتَنِبُوا کَثِیراً مِّنَ الظّنّ).