ما یسجد علیه فی الصلاه ؟
وقد تفاقم الأمر واشتدّ النزاع بین المسلمین فیما یصح ّ السجود علیه، أی: فیما یضع المصلّی علیه جبهته: فقال أئمّه المذاهب الأربعه ـ کما هو المشهور المنقول عنهم فی کتاب الفقه على المذاهب الأربعه ـ بجواز السجود على کل ّشیء من تراب وحجر ورمل وحصى، وصوف وقطن وغیر ذلک، بل على ظهر إنسان آخر عند الزحام.
قال فی بدایه المجتهد: (ومن هذا الباب ـ أی إبراز الید فی السجود ـ اختلافهم فی السجود على طاقات العمامه، وللناس فیه ثلاثه مذاهب: قول بالمنع، وقول بالجواز، وقول بالفرق بین أن یسجد على طاقات یسیره من العمامه أو کثیره، وقول بالفرق بین أن یمس شیء من جبهته الأرض أو لا یمس منها شیء، وهذا الاختلاف کلّه موجود فی المذاهب وعند فقهاء الأمصار.
وقالت الإمامیه ألاثنا عشریه ـ تبعا لأئمتهم أئمه أهل البیت (علیهم السلام): إنه لا یجوز السجود إلاّ على الأرض من تراب ورمل وحصى وحجر، أو ما أنبتته الأرض غیر مأکول ولا ملبوس، ویحتجّون لذلک بالأحادیث المنقوله عن أئمه أهل البیت (علیهم السلام): عن رسول الله (صلّى الله علیه وآله)، وبما رواه أئمه الحدیث عن الصحابه عن النبی (صلّى الله علیه وآله)، وبما جرى علیه عمله وعملهم).
التطوّرات الحاصله فی السجده:
إنّنا إذا دقّقنا النظر فی هذه المسأله، نرى أنّها قد مرّت بعدّه أدوار، وتطوّرت تطوّرا ملحوظا على مدى العصور ابتداء من عصر الرسول (صلّى الله علیه وآله)، وأنّها ممّا لعبت فیها عوامل التغیّر والتبدّل کما تلعب بکل موجود ممکن، ولم تکن تلک العوامل مقصوره على الخطاء فی الاجتهاد أو سوء الفهم للحدیث والسنّه، بل لعل البواعث السیاسیه والتعصّبات القومیه والأهواء غیر المُرضیه قد أثّرت فیها أثرها أیضا.
ولا نبالغ إذا قلنا إنّنا فی حین نرى السجده ذات أحوال وشرائط خاصّه فی بدء تشریعها، نعود فنرى فیها التغیّر
التدریجی شیئا فشیئا حتّى تنقلب إلى حاله مباینه لما کانت علیه أوّلا.
ویتّضح ذلک بالتدبّر التام ّ فی المأثور من أدلّتها وتأریخها وعمل النبی (صلّى الله علیه وآله) والصحابه والتابعین وفتاوى الفقهاء والمجتهدین.
الأدوار الأربعه للسجود:
وقد قسّمنا التطوّرات الحاصله إلى أدوار أربعه ورسمناها بالترتیب الآتی:
الدور الأول: السجود على الأرض من تراب ورمل وحصى وحجر ومدر لا غیر.
الدور الثانی: السجود على الأرض وأجزائها ونباتها، وعلى الخمره المصنوعه منها، وکذا الحصیر والبسط المصنوعه من السعف ونحوه، وکان للخمره فی دورها حظ وافر وانتشار حتّى ملأت المساجد والبیوت، کما سیأتی (ونحن نرى التقیّد بالسجود على الخمره إلى زمن بعید، وکان کل رجل من أهل مکه فی العصر الحدیث یؤدّی الصلاه فی المسجد الجامع على سجاده هی فی العاده طنفسه صغیره لا تتسع إلاّ للسجود فحسب، فإذا فرغ من الصلاه طواها وحملها على کتفه فکان خادم یحفظها لهم).
وما زال النبی (صلّى الله علیه وآله) وأهل بیته یسجدون على الخمره حتّى قال الإمام موسى بن جعفر (علیه السلام) فی حدیث: (لا یستغنی شیعتنا عن أربع: خمره یصلی علیها و…)، وفی هذا الدور أیضا نرى أن جمعا
کبیرا من الصحابه والتابعین کانوا یتجنّبون السجود على غیر التراب حتّى أنّهم یضعون التراب على الخمره فیسجدون علیه احتیاطا فی صلاتهم ذهولا عن عمل الرسول (صلّى الله علیه وآله) أو خطاءً فی الاجتهاد.
وذکر أن الباعث لصنع الخمره هو أن الرسول العظیم (صلّى الله علیه وآله) والمسلمین کانوا یسجدون على التراب والحجر والمدر والحصى، ولکن الحرّ والبرد قد آذاهم وأحرقت الرمضاء وجوههم وأیدیهم، وفی أیام المطر لطخ الماء والطین وجوههم وأیدیهم (الأمر الذی دفعهم إلى فرش المساجد بالحصى) فشکى المسلمون إلى رسول الله (صلّى الله علیه وآله) ما یلاقونه من ألم الرمضاء وبروده الهواء (بحیث کانوا یعالجون إمّا بتقلیب الحصى حتّى یخرج منها ما کان فیها من حراره الشمس، وإمّا بتبرید الحصى فی أیدیهم حتّى یصلح لوضع الجبهه علیه) فلم یشکهم، ثم بعد مدّه رخّص لهم فی ألا براد بالصلاه، أی: تأخیرها إلى وقت بروده الجوّ، ثم ّ صنعوا الخمره بأمره (صلّى الله علیه وآله) أو من عند أنفسهم فأقرّهم علیه، واستمر عمله (صلّى الله علیه وآله) وعملهم علیه.
الدور الثالث: السجود على کل شیء من الأرض وغیرها کالثیاب بأنواعها من الحریر والقطن والصوف والکتّان والبسط من السجاجید المنسوجه من الحریر والصوف والقطن.
الدور الرابع: عُدّ السجود على الثیاب شعار التسنّن، وعدّ التقیّد بالسجود على التراب بدعه ومن شعار الشیعه ـ شیعه أهل البیت (علیهم السلام)، بل عدّ ذلک من الشرک والزندقه (معاذ الله).
أقوال الصحابه والتابعین والفقهاء
فتاوى الصحابه:
۱ ـ کان عبد الله بن مسعود الصحابی الکبیر لا یرى إلاّ السجود على التراب.
۲ ـ کان أبو بکر بن أبی قحافه لا یسجد إلاّ على الأرض.
۳ ـ کان عبد الله بن عمر یمنع عن السجود على کور العمامه ویسجد على الخمره، وفی روایه لا یضع یده ولا جبهته إلاّ على الأرض مباشره.
۴ ـ کان عباده بن الصامت الأنصاری الخزرجی یرى وجوب السجود على الأرض مباشره.
۵ ـ جابر بن عبد الله الأنصاری لا یرى السجود إلاّ على الحصباء.
۶ ـ عثمان بن حنیف الأنصاری کان یسجد على الخمره.
۷ ـ وکان خباب بن الأرت متقیّدا بالسجود على الحصى.
۸ ـ کان أمیر المؤمنین علی (علیه السلام) ینهى عن السجود على کور العمامه ویأمر بالسجود على الأرض مباشره، وتبعه الأئمه من عترته.
۹ ـ عبد الله بن عبّاس کان یفتی بوجوب لصوق الجبهه والأنف بالأرض، ونسبت إلیه الروایه فی جواز السجود على الثیاب کما یأتی.
۱۰ ـ ظاهر کلام الإمام مالک وغیره أن عمر بن الخطاب کان یفتی بعدم جواز السجود على غیر الأرض اختیارا.
کما أن الظاهر من حدیثی خباب وابن مسعود الآتیین أن الصحابه جلّهم کانوا متقیّدین بالسجود على الحصى.
۱۱ ـ وعن أبی هریره وأنس بن مالک والمغیره بن شعبه وابن مسعود جواز السجود على الثیاب والبسط والمسح، وستأتی الإشاره إلى أدلّتهم والکلام حولها.
۱۲ـ عن مسیب بن رافع أن عمر بن الخطاب قال: (من آذاه الحرّ یوم الجمعه فلیبسط ثوبه فلیسجد علیه، ومن زحمه الناس یوم الجمعه حتّى لا یستطیع أن یسجد على الأرض فلیسجد على ظهر رجل).
فتاوى التابعین وتابعیهم:
۱ ـ کان مسروق بن الأجدع من أصحاب ابن مسعود لا یرخّص فی السجود على غیر الأرض حتّى فی السفینه.
۲ ـ کان إبراهیم النخعی الفقیه الکوفی التابعی یقوم على البردی ویسجد على الأرض، قال الراوی: قلنا: ما البردی؟ قال: الحصیر. وفی لفظ (إنه کان یصلی على الحصیر ویسجد على الأرض).
۳ ـ أفتى عطاء تلمیذ الحبر ابن عباس بعدم جواز السجود على الصفا ولزوم السجود على البطحاء. قال ابن جریج: (قلت لعطاء: أصلّی على الصفا وأنا أجد إن شئت بطحاءَ قریبا منّی؟ قال: لا، قلت: أفتجزی عنّی من البطحاء أرض لیس فیها بطحاء مدراه فیها تراب وأنا أجد إن شئت بطحاء قریبا منّی؟ قال: إن کان التراب فحسبک).
وعن ابن جریج قال: (قلت لعطاء أرأیت صلاه الإنسان على الخمره والوطاء؟ قال: لا بأس بذلک إذا لم یکن تحت وجهه ویدیه، وإن کان تحت رکبتیه من أجل أنه یسجد على حر وجهه).
وعن ابن جریج قال: (قال إنسان لعطاء: أرأیت إن صلّیت فی مکان جدد أفحص عن وجهی التراب ؟ قال: نعم).
عن ابن جریج قال: (قلت لعطاء: أُصلّی فی بیتی فی مسجد مشید أو بمرمر لیس فیه تراب ولا بطحاء؟ قال: ما أحب ذلک، البطحاء أحب إلی ّ، قلت: أرأیت لو کان فیه حیث أضع وجهی قط قبضه بطحاء أیکفینی ؟ قال: نعم إذا کان قدر وجهه أو أنفه وجبینه، قلت: وإن لم یکن تحت یدیه بطحاء ؟ قال: نعم، [قلت] فأحب إلیک أن أجعل السجود کلّها بطحاء ؟ قال: نعم).
۴ ـ عن ابن سیرین قال: (أصابتنی شجّه فی وجهی، فعصبت علیها فسألت عبیده السلمانی أسجد علیها فقال: إنزع
العصاب).
ولیس الأمر بنزع العصاب إلاّ من أجل منعه عن مباشره الجبهه الأرض، فعبیده أحد القرّاء ومن کبار التابعین یفتی بوجوب السجود على الأرض مباشره.
۵ ـ کان صالح بن خیوان السبائی یحدّث وجوب السجود على الأرض، عن رسول الله (صلّى الله علیه وآله) وظاهر نقله الإفتاء بمضمون الحدیث.
قال البیهقی بعد نقل الحدیث: (إنّه ـ یعنی صالح بن خیوان ـ ثقه من التابعین قال: إن رسول الله (صلّى الله علیه وآله) رأى رجلا یسجد بجنبه وقد اعتم على جبهته، فحسر رسول الله (صلّى الله علیه وآله) عن جبهته).
۶ ـ قال الحارث الغنوی: (سجد مرّه بن شراحیل الهمدانی حتّى أکل التراب جبهته، فلمّا مات رآه رجل من أهله فی منامه کأن موضع سجوده کهیئه الکوکب الدری ّ یلمع).
۷ ـ عمر بن عبد العزیز الخلیفه الأُموی، کان لا یکتفی بالخمره بل یضع علیها التراب ویسجد علیه.
۸ ـ روی عن عروه بن الزبیر أنّه کان یکره الصلاه على شیء دون الأرض، وکذا روی عن غیر عروه.
۹ ـ عن ابن عیینه قال: (سمعت رزین مولى ابن عباس یقول: کتب إلی علی ّ بن عبد الله بن عبّاس (ره) أن (ابعث إلی بلوح من أحجار المروه أسجد علیه).
۱۰ ـ الحسن البصری قال: (لا بأس بالسجود على کور العمامه). وعنه قال: (أدرکنا القوم وهم یسجدون على عمائمهم ویسجد أحدهم ویداه فی قمیصه). وقد حمل البخاری هذا الکلام على الاضطرار.
۱۱ ـ عن أبی الضحى: أن ّشریحا کان یسجد على برنسه.
۱۲ ـ کان عبد الرحمن بن یزید یسجد على عمامته.
۱۳ ـ عن الزبیر عن إبراهیم (النخعی) أنّه (سأله أیسجد على کور العمامه ؟ فقال: أسجد على جبینی أحب ّ إلی).
۱۴ ـ عن ابن جریج قال: (قلت لنافع مولى ابن عمر: أکان ابن عمر یکره أن یصلّی فی المکان الجدد ویتتبّع البطحاء والتراب ؟ قال: لم یکن یبالی).
۱۵ ـ عن معمّر قال: (ساءلت الزهری عن السجود على الطنفسه فقال: لا بأس بذاک ، کان رسول الله (صلّى الله علیه وآله) یصلّی على الخمره).
۱۶ ـ عن الحسن قال: (لا بأس أن یصلی على الطنفسه والخمره).
۱۷ ـ عن ابن طاووس قال: (رأیت أبی بسط له بساط فصلّى علیه، فظننت أن ذلک لقذر المکان).
۱۸ ـ عن لیث قال: (رأیت طاووسا فی مرضه الّذی مات فیه یصلّی على فراشه قائما ویسجد علیه).
۱۹ ـ عن محمد بن راشد قال: (رأیت مکحولا یسجد على عمامته فقلت: لم تسجد علیها؟ فقال: أتقی البرد على إنسانی).
أقوال الفقهاء وکلماتهم:
قال ابن بطال: (لا خلاف بین فقهاء الأمصار فی جواز الصلاه علیها ـ أی: على الخمره ـ إلاّ ما روی عن عمر بن عبد العزیز أنّه یؤتى بتراب فیوضع على الخمره فیسجد علیها، وروی عن عروه ابن الزبیر أنّه کان یکره الصلاه على شیء دون الأرض، وکذا روی عن غیر عروه).
قال الشافعی فی کتاب الأم: (ولو سجد على جبهته ودونها ثوب أو غیره لم یجز السجود إلاّ أن یکون جریحا، فیکون ذلک عذرا، ولو سجد علیها وعلیها ثوب متخرّق فمس شیء من جبهته الأرض أجزاءه ذلک، لأنّه ساجد وشیء من جبهته على الأرض، وأحب أن یباشر راحتیه الأرض فی البرد والحرّ، فإن لم یفعل وسترهما من حرّ أو برد وسجد علیهما فلا إ عاده علیه ولا سجود سهو، ثم أطال الکلام فی فروع المسأله فقال: وإنّه أمر بکشف
الوجه ولم یؤمر بکشف رکبتیه ولا قدم).
قال ابن حجر فی فتح الباری ۱: ۴۱۴ فی شرح حدیث (کنّا إذا صلّینا مع النبی (صلّى الله علیه وآله) فیضع أحدنا طرف الثوب من شدّه الحرّ مکان السجود): وفیه إشاره إلى أن ّمباشره الأرض عند السجود هو الأصل، لأنّه علق بعدم الاستطاعه.
وقال الشوکانی فی النیل فی تفسیر هذا الحدیث: (الحدیث یدل على جواز السجود على الثیاب لاتّقاء حرّ الأرض، وفیه إشاره إلى أن مباشره الأرض عند السجود هی الأصل لیتعلّق بسط الثوب بعدم الاستطاعه).
وقال فی النیل فی شرح حدیث ثابت بن صامت: (إن رسول الله (صلّى الله علیه وآله) قام یصلّی فی مسجد بنی عبد الاشهل وعلیه کساء ملتف به یضع یده علیه یقیه برد الحصى): الحدیث یدل على جواز الاتّقاء بطرف الثوب الّذی على المصلّی ولکن للعذر، إمّا عذر المطر کما فی الحدیث، أو الحرّ والبرد کما فی روایه ابن أبی شیبه.
قال الترمذی بعد نقله عن أبی سعید: (إنّ النبی (صلّى الله علیه وآله) صلّى على حصیر): وفی الباب عن أنس والمغیره بن شعبه قال أبو عیسى: وحدیث أبی سعید حسن والعمل على هذا عند أکثر أهل العلم، إلاّ أن ّ قوما اختاروا الصلاه على الأرض استحبابا.
قال البیهقی فی السنن الکبرى بعد نقل حدیث جابر بن عبد الله الأنصاری: (کنت أصلّی مع رسول الله (صلّى الله علیه وآله) صلاه الظهر، فآخذ قبضه من الحصى فی کفّی حتّى تبرد وأضعها بجبهتی إذا سجدت من شدّه الحرّ. قال الشیخ: ولو جاز السجود على ثوب متصل به لکان ذلک أسهل من تبرید الحصى فی کف ووضعها للسجود وبالله التوفیق).
أقول: من المعلوم أن لو کان السجود على الثوب جائزا مطلقا متّصلا أو غیر متّصل کالمندیل والسّجاده المصنوعه من القطن والصوف والحریر وغیرها وقتئذٍ لکان أسهل بمراتب من السجود على التراب والحصى والحجر المتّقده بحرّ الشمس أو البارده فی المطر والشتاء.
قال مالک: (یکره أن یسجد الرجل على الطنافس وبسط الشعر والثیاب والآدم، وکان یقول: لا بأس أن یقوم علیها ویرکع علیها ویقعد علیها ولا یسجد علیها ولا یضع کفّیه علیها، وکان لا یرى بأسا بالحصباء وما أشبهه ممّا تنبت الأرض أن یسجد علیها).
وقال مالک: (لا یسجد على الثوب إلاّ من حرّ أو برد کتّانا أو قطنا. قال مالک: وبلغنی أن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر کانا یسجدان على الثوب فی الحرّ والبرد. وقال مالک: لا بأس أن یقوم الرجل فی الصلاه على أحلاس الدواب… ویسجد على الأرض ویقوم على الثیاب والبسط وما أشبه ذلک والمصلّیات وغیر ذلک ویسجد على الخمره والحصیر) (راجع المدوّنه الکبرى ۱: ۷۴/۷۵).
وقال فی عون المعبود ۱: ۳۴۹ فی شرح حدیث أنس (کنّا نصلّی مع رسول الله (صلّى الله علیه وآله) فی شدّه الحر فإذا لم یستطع أحدنا أن یمکّن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد علیه)، وفی الحدیث جواز استعمال الثیاب، وکذا وغیرها من الحیلوله بین المصلّی وبین الأرض لاتّقاء حرّها، وکذا بردها. قال الخطّابی: وقد اختلف الناس فی هذا، فذهب عامّه الفقهاء إلى جوازه: مالک والأوزاعی وأحمد وأصحاب الرأی وإسحاق بن راهویه، وقال الشافعی: لا یجزیه ذلک، کما لا یجزیه السجود على کور العمامه. ویشبه أن یکون تأویل حدیث أنس عنده أن یبسط ثوبا هو غیر لابسه (انتهى).
قلت: وحمله الشافعی على الثوب المنفصل، وأیّد البیهقی هذا الحمل بما رواه الإسماعیلی من هذا الوجه بلفظ: (فیأخذ أحدنا الحصى فی یده، فإذا برد وضعه وسجد علیه) قال: فلو جاز السجود على شیء متّصل به لما احتاجوا إلى تبرید الحصى مع طول الأمر فیه).
وفی إرشاد الساری ۱: ۴۰۸ بعد نقله روایه أنس (کنا إذا صلینا مع النبی (صلّى الله علیه وآله) فیضع أحدنا طرف الثوب من شده الحر مکان السجود)، قال: (واحتج ّ بذلک أبو حنیفه ومالک وأحمد وإسحاق على جواز السجود على الثوب فی شدّه الحرّ والبرد، وبه قال عمر ابن الخطاب وغیره، وأوّله الشافعیه بالمنفصل أو المتّصل الّذی لا یتحرّک بحرکته کما مرّ، فلو سجد على متحرّک بحرکته عامدا عالما بتحریمه بطلت صلاته لأنّه کالجزء منه).
وفی المدوّنه الکبرى ۱: ۷۳ و۷۵ و۷۶ و۸۰ نقل عن مالک فتاوى فی المسأله وفروعها لا بأس بنقلها بطولها.
قال مالک: لا یسجد على الثوب إلاّ من حرّ أو برد، کتّانا کان أو قطنا، قال ابن القاسم قال: بلغنی أن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر کانا یسجدان على الثوب من الحرّ والبرد ویضعان أیدیهما علیه، قلت لابن القاسم: فهل یسجد على اللبد والبسط من الحرّ والبرد؟ قال: ما سألنا مالکا عن هذا، ولکن ّ مالکا کره الثیاب، وإن کانت من قطن أو کتان فهی عندی بمنزله البسط واللبود، فقد وسع مالک أن یسجد على الثوب من حرّ أو برد. قلت: أفترى أن یکون اللبد بتلک المنزله ؟ قال: نعم، إلى أن قال: وقال مالک: لا بأس أن یقوم الرجل فی الصلاه على أحلاس الدواب التی قد حلّست به اللبود الّتی تکون فی السروج ویرکع علیها ویسجد على الأرض ویقوم على الثیاب والبسط وما أشبه ذلک، ویسجد على الخمره والحصیر وما أشبه ذلک، ویضع یدیه على الّذی یضع علیه
جبهته.
وقال: وأخبرنی ابن وهب قال: أخبرنی رجل عن ابن عبّاس أن ّ النبی (صلّى الله علیه وآله) کان یتّقی بفضول ثیابه برد الأرض وحرّها، قال ابن وهب: إن رسول الله (صلّى الله علیه وآله) رأى رجلا یسجد إلى جانبه وقد اعتمّ على جبهته، فحسر رسول الله (صلّى الله علیه وآله) عن جبهته.
وقال وکیع: عن سفیان عن عمر ـ شیخ من الأنصار ـ قال: رأیت أنس بن مالک یصلّی على طنفسه متربّعا تطوّعا وبین یدیه خمره یسجد علیها.
وقال فیمن یسجد على کور العمامه، قال: أحب إلیّ أن یرفعها عن بعض جبهته حتّى یمسّ بعض جبهته الأرض قلت: فإن سجد على کور العمامه ؟ قال: أکرهه، فإن فعل فلا إعاده علیه. قال: وقال مالک: ولا یعجبنی أن یحمل الرجل الحصباء أو التراب من موضع الظلّ إلى موضع الشمس فیسجد علیه. قال: وکان مالک یکره أن یسجد الرجل على الطنافس وبسط الشعر والثیاب والآدم وکان یقول: لا بأس أن یقوم علیها ویرکع علیها ویقعد علیها، ولا یسجد علیها ولا یضع کفّیه علیها، وکان لا یرى بأسا بالحصباء وما أشبهه مما تنبت الأرض أن یسجد علیها وأن یضع کفّیه علیها.
وقال مالک: أرى أن لا یضع الرجل کفّیه إلاّ على الذی یضع علیه جبهته.
قال: وإن کان حرّا أو بردا فلا بأس أن یبسط ثوبا یسجد علیه ویجعل کفّیه علیه.
قال الأحوذی فی الشرح ۱: ۲۷۳ بعد ذکر الحدیث فی الصلاه على الحصیر: (والعمل على هذا عند أکثر أهل العلم، إلاّ أنّ قوما من أهل العلم اختاروا الصلاه على الأرض استحبابا. قال فی النیل: وقد روی عن زید بن ثابت وأبی ذر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وسعید بن المسیّب ومکحول وغیرهما من التابعین استحباب الصلاه على الحصیر، وصرح ابن المسیّب بأنها سنّه).
کان عبد الرحمن بن یزید یسجد على عمامته.
أفتى الإمام مالک بن أنس باستحباب السجود على الأرض وما أنبتته.
قال ابن القیّم فی زاد المعاد ۱: ۵۹: (کان النبی (صلّى الله علیه وآله) یسجد على جبهته وأنفه دون کور العمامه، ولم یثبت عنه السجود على کور العمامه من حدیث صحیح ولا حسن، ولکن روى عبد الرزاق فی المصنّف من حدیث أبی هریره قال: کان رسول الله (صلّى الله علیه وآله) یسجد على کور العمامه وهو من روایه عبد الله بن محرز وهو متروک، وذکره أبو أحمد من حدیث جابر ولکنّه من روایه عمرو بن شهر عن جابر الجعفی متروک عن متروک . وقد ذکر أبو داود فی المراسیل: أنّ رسول الله (صلّى الله علیه وآله) رأى رجلا یصلی فی المسجد فسجد بجبینه وقد اعتمّ على جبهته، فحسر رسول الله (صلّى الله علیه وآله) عن جبهته، وکان رسول الله (صلّى الله علیه وآله) یسجد على الأرض کثیرا، وعلى الماء والطین وعلى الخمره المتّخذه من خواص النخل وعلى الحصیر المتّخذ منه (انتهى)).
هذا ملخّص ما وصل إلینا من عقائد الصحابه وأقوال العلماء فی المسأله، فمنهم من قال بوجوب السجود على التراب والرمل والحصباء إن أمکن وإلا فالأرض کلّها کما عن عطاء وابن مسعود وعمر بن عبد العزیز.
ومنهم من قال بوجوب السجود على الأرض فقط مطلقا کأبی بکر ومسروق وعباده وإبراهیم النخعی.
ومنهم من قال بوجوب السجود على الأرض وما أنبتته اختیارا، وجواز السجود على الثیاب للحر والبرد کابن عمر وعمر ومالک وأبی حنیفه وابن حجر والشوکانی وأحمد والاوزاعی وإسحاق بن راهویه وأصحاب الرأی.
ومنهم من قال بوجوب السجود على الأرض وما أنبتته اختیارا، وجواز السجود على الثیاب المتّخذه من القطن والصوف لحر أو برد مع استحباب السجود على الأرض، کما عن الشافعی ومالک.
ومنهم من قال أو نسب إلیه القول بجواز السجود على الأرض ونباتها والثیاب بأنواعها کأبی هریره وأنس ومکحول وعامه الفقهاء فیما بعد القرن الرابع.
وهنا قول قصد، وهو وجوب السجود على الأرض وما أنبتته اختیارا، وجواز السجود على غیر الأرض ونباتها اضطرارا (دون مطلق الحرّ والبرد) وإن کان الاضطرار من غیر جهه الحرّ والبرد.