على ماذا کان یسجد النبی (صلى الله علیه وآله)
والطهور: بمعنى أن الأرض یُستفاد منها فی الطهور، سواء فی التیممِ أو التطهیر فیما یطهر بالأرض.. وأما المسجد: أی جعلت لی الأرض محلاً للسجود، فإذا أردتَ أن تسجد فاتخذ من الأرض موضعاً للسجود.. والأرض عباره عامه تنطبق على کل ما سمی أرضاً، سواء کان فی ذلک تراب أو رمل أو صخر، فکلها من مصادیق الأرض.
وفی الکتب الخاصه أیضا ککتاب الکافی والفقیه، فإن هذه الروایه مرویه بهذا المضمون، ویبدو أن القضیه لم تنحصر بهذا الحدیث فحسب!.. فهنالک بعض الوقائع الطریفه حول السجود على الأرض.. رُویَ فی کنز العمال (رأى النبی (صلى الله علیه وآله) صهیباً یسجد کأنه یتقی تراب).. فمن المتعارف أن الإنسان عندما یسجد على الصخر، قد لا یبقى شیء من الآثار على وجهه.. ولکن عندما یسجد على التراب أو الرمل، فإنه یغوص وجهه فی التراب، وعند رفع الرأس یجد بقایا التراب الذی سجد علیه ملتصقا على وجهه.. (فقال له النبی (صلى الله علیه وآله): ترّب وجهک یا صهیب).. أی اجعله ملطخاً بالتراب!.. ولو جرب الإنسان هذه الحاله فی الصحراء، وسجد لله على الأرض، وعفّر وجهه بالتراب؛ فإنه یعیش حاله من حالات التذلل لله عز وجل.
جاء فی الإرشاد: أن النبی (صلى الله علیه وآله) یوصی معاذاً قائلاً: (عفّر وجهکَ فی التراب)!.. وجاء فی سنن النسائی أیضاً، أن النبی (صلى الله علیه وآله) یقول لأبی ذر: (الأرض لک مسجد، فحیثما أدرکتَ الصلاه فصلِّ).. وفی أحکام القرآن، یقول النبی (صلى الله علیه وآله) (إذا سجدتَ فمکّن جبهتکَ وأنفکَ من الأرض).. وبعبارهٍ أخرى: فی سنن النسائی، ومسند أحمد بن حنبل، وسنن أبی داود: یقول جابر بن عبد الله الأنصاری: (کنت أصلی مع النبی (صلى الله علیه وآله) الظهر، فآخذ قبضهً من حصى فی کفی لتبرد، حتى أسجدَ علیها من شده الحر).. فیبدو أن السجود على التراب -فی مسجد الرسول وخارجه- هذه هی الحاله الطبیعیه التی کان یمارسها النبی (صلى الله علیه وآله) مع أصحابه، من خلال النصوص والروایات المتقدمه.
فإذن، نحن مأمورون بهذا الأمر، وهذه مسأله واضحه.. وحتى أن کلمه الخُمْره قد وردت فیما یُنقَل عن النبی (صلى الله علیه وآله) أنه کان یسجد على الخُمْره.. والخُمْره: حصیر صغیر ونحوه، بقدر ما یسجد علیه المصلی.. أما السجود على الفرش، أو السجاد کما فی عصرنا، فهذا أولاً: خلاف ما روی عن النبی (صلى الله علیه وآله).. وثانیاً: وجدانا -من دون الرجوع للأحادیث- أیهما أقرب للتذلل: السجود على الأرض، أو الرخام، وما شابه ذلک.. أو السجود على ما سوى ذلک؟..
قال هشام بن الحکم: قلتُ لأبی عبدِ الله: أخبرنی عما یجوز السجود علیه، وعما لا یجوز.. فقال (علیه السلام): (السجود لا یجوز إلا على الأرض، أو على ما أنبتت الأرض.. إلا ما أُکل ولُبس).. فقلت له: جعلت فداک!.. ما العله فی ذلک؟.. قال (علیه السلام): (لأن السجود خضوعٌ لله عز وجل، فلا ینبغی أن یکون على ما یُؤکل ویُلبس؛ لأن أبناء الدنیا عبید ما یأکلون ویلبسون) -إنها إنتقاله جمیله، فالإمام یقول: أن الناس همهم الأکل واللبس، فإذا أردت أن تسجد، فلا تسجد على ما أنبتته الأرض من الملبوس والمأکول- (والساجد فی سجوده فی عباده الله عز وجل، فلا ینبغی أن یضع جبهته فی سجوده على معبود أبناء الدنیا الذین اغترّوا لغرورها).. وهذا أیضاً البعد المعنوی، والأدب الباطنی للسجود على التراب.
أما بالنسبه للخلاف الثانی: فبعد ثبوت السجود على التراب –عقلاً ونقلاً- فما هی کیفیه الصلاه فی مساجدنا، حیث أن السجاد یغطی الأرض تماماً؟.. فلیس من المعقول رش التراب فی المصلى مکان وضع السجود!.. فالحل إذن هو أخذ قطعه من الأرض نحملها معنا: إما قطعه من الرخام، أوقطعه من الحصى، أو قطعه من تراب منتسب إلى أرض الشهاده، حیث ضمخ فیها الحسین (علیه السلام) دمه، وقد کان آخر عهده بربه من الصلوات فی یوم عاشوراء.
فهذه التربه الحسینیه، هی مظهر للشهاده، ومظهر لإقامه حکم الله عز وجل وفروع دینه، ومنها الصلاه.. فقد خرج لطلب الإصلاح فی أمه جده، فهل فی ذلک غضاضه؟.. أن یأخذ الإنسان من تلک التربه، ویصلی علیها من دون إلزام.. فأی فقیه ینتسب إلى مدرسه أهل البیت (علیهم السلام) یفتی بوجوب السجود على التربه الحسینیه؟.. لا أحد یفتی بذلک!.. فالمکلف مخیر بین السجود على التربه الحسینیه، أو السجود على الرخام، أو الصخر ونحو ذلک.. فبدلاً من أن یأخذ قطعه من تراب بیته، یُجلب له قطعه من تربه الحسین (علیه السلام) لیسجد علیها.. فهناک من ظن بأننا نسجد للتراب، بینما نحن نسجد على التراب.. ولا نلزم بالسجود على التربه الحسینیه، وإنما نعتقد بلزوم السجود على الأرض کما قال النبی (صلى الله علیه وآله) .
الخلاصه: فلو تخلصنا من کل الشوائب التی طرحناها، لرأینا أن الأمر انسیابی ومعقول جداً.. وهکذا لو جلسنا جلسه المتعلمین، والمتأدبین، والمستنین بسنّه النبی (صلى الله علیه وآله).. لما بقی خلاف فی هذه الأمه، وقسْ علیه باقی موارد الخلاف.. فلو حکمْنا الله ورسوله، لما بقی خلاف فی أمه المصطفى (صلى الله علیه وآله).